بالقرب من أحد المساجد الواقعة في جزيرة رودس (الساحل الجنوبي لتركيا) توجد مقبرة هناك، يتفاءل بها البحارة الأتراك قبل الذهاب إلى أي مهمة بحرية بعيدة المدى، حيث يذهبون ويمكثون بجانبها برهة من الوقت، ثم يتحركون والأمل يرتسم على ملامحهم.. المقبرة مكتوب عليها "مراد ريس".

مجاهد بحري عثماني من الطراز الأول، له بصمات عديدة في مسيرة البحرية العثمانية، فكان أحد أمراء البحر الثقات، قائد مغوار، أوكلت إليه مهمة قيادة الأسطول العثماني في أوج ازدهار الإمبراطورية، فحقق عشرات الانتصارات خلال المعارك التي خاضها.

رافق أباطرة البحر المتوسط في معاركهم البحرية، فتتلمذ على أيديهم وتربى في كنفهم وتشرب حب العمر كؤوسًا وأكوابًا، فكان نعم المتعلم البار بأساتذته، حتى أصبح أحد أعلام أسطول الدولة العثمانية في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات.

ولد عام 1534 (رغم تعدد الروايات بشأن تاريخ ميلاده تحديدًا) في جزيرة ألبانيا، وقضى جل عمره البالغ 103 أعوام متنقلًا من سفينة إلى قادس ومن معركة إلى أخرى ومن نصر إلى انتصار، متمسكًا بلواء الجهاد حتى غادر الحياة عام 1609.. فمن هذا القائد الذي يطلق عليه "مراد ريس الأكبر"؟

مرافقة أباطرة البحر

رافق مراد ريس، ذلك الشاب المولع بالبحر والإبحار، عظماء الأسطول العثماني في ذلك الوقت، الذين كانوا يتربعون على عرش البحر المتوسط طيلة القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بينما كانت أساطيل أوروبا، البيزنطية والبندقية والبرتغالية والإسبانية، في أوج ازدهارها.

البداية كانت مع أميرال البحرية العثمانية خير الدين بربروس، فقد رافقه في العديد من رحلاته، ونظرًا لبلائه الحسن عينه السلطان سليمان القانوني، قائدًا على أحد الأساطيل العثمانية، كما أشرف بعد ذلك على مشروع بناء القطع البحرية في دار صناعة السفن بإسطنبول.

رافق القائد تورغوت ريس واستطاع في خمس ساعات فقط هزيمة الأسطول الأوروبي المكون من 600 سفينة

بربروس في مذكراته استعرض العديد من المعارك التي خاضها مراد تحت إمرته، حيث نجح في كسب ثقة قائده الذي أولاه أهمية كبرى، معتمدًا عليه في المهام الصعبة، لما رأه منه من جسارة وإقدام نادر الوجود في الكثير من البحارة العاملين في الأسطول معه.

وأشار "قبطان داريا" الأسطول العثماني، وحاكم ولاية الجزائر، أن مراد كان يتميز بالذكاء في التعامل مع البحر والأعداء، بجانب حنكته السياسية والقتالية التي كان لها أثرها البالغ في تحقيق الانتصارات المتتالية على أساطيل أوروبا في البحر المتوسط لعدة سنوات. 

وفي كتابه "ليبيا منذ الفتح العربي إلى سنة 1911" استعرض المؤرخ إتوري روسي، دور مراد ريس في معركة بروزة التي وقعت عام 1538 على السواحل اليونانية، حيث رافق القائد تورغوت ريس (زوج بنت خير الدين وذراعه اليمنى)، واستطاع في خمس ساعات فقط هزيمة الأسطول الأوروبي المكون من 600 سفينة.

أمير المحيط الهندي

الدور الكبير الذي لعبه مراد في معركة بروزة والانتصار الساحق على الأوروبيين، بجانب المعارك الأخرى التي خاضها لاحقًا، كل ذلك عزز من مكانته لدى السلطان العثماني الذي كافأه بأن سلمه قيادة الأسطول في المحيط الهندي، كان ذلك عام 1552.

استطاع أمير البحر الجديد أن يعزز من إمكانات الأسطول العثماني في المحيط الهندي، الذي وسع دوائر تمركزه في العديد من المدن الساحلية ومنها السويس وعدن والبصرة، فأدخل عليه العديد من التطورات والتحديثات في القدرات، ما انعكس بطبيعة الحال على مستوى الأداء.

وعلى مدار سنوات عدة خاض خلالها أسطول مراد العديد من المعارك الصغيرة والكبيرة، مع أساطيل بعض الدول الأوروبية التي أزعجتها الانتصارات المتتالية للأسطول العثماني الذي فرض سيطرته شبه الكاملة على الشريط الساحلي لجنوب أوروبا من ناحية المتوسط، وهو ما دفع عواصم القارة العجوز للتوحد من أجل التصدي للنفوذ المتنامي للعثمانيين في مياه الهندي والمتوسط على حد سواء.

لم يبال للعبة الكراسي الموسيقية في المناصب، فظل مقاتلًا وبحارًا ومجاهدًا، يعمل تحت إمرة معلمه تورغوت حتى وفاته في أثناء حصار مالطا

وفي أحد الاشتباكات التي شارك فيها مراد أمام أسطول البرتغاليين لم يكتب له النصر، كما لم يهزم كذلك، حيث تكبد الأسطولان العديد من الخسائر، ففر البرتغاليون إلى غوا في الهند، فيما تراجع الأسطول العثماني إلى البصرة، وهو ما لم يرق للسلطان سليم الأول الذي أمر بسحب مراد ريس من قيادة الأسطول في المحيط الهندي وتكليفه بالعمل مع تورغوت ريس مرة أخرى.

ورغم هذا التحول في حياته، الذي قد يكون له تأثيره السيئ، خاصة بعد الانتصارات التي حققها طيلة سنوات عدة، فإن القائد البحري الكبير لم يبال للعبة الكراسي الموسيقية في المناصب، فظل مقاتلًا وبحارًا ومجاهدًا، يعمل تحت إمرة معلمه تورغوت حتى وفاته في أثناء حصار مالطا عام 1565م.

انتصارات متتالية

الأداء البطولي الذي قدمه مع معلمه، دفع السلطان العثماني لتكليفه مرة أخرى بمهام قتالية مستقلة، البداية كانت عام 1570 حين كلفه بمنع حشود أساطيل الجمهورية البندقية من التمركز في المنطقة الواقعة بين كريت ورودوس وقبرص، وذلك في إطار استعداد الأسطول العثماني لفتح قبرص.

وبالفعل كان لمراد دوره المحوري في هذه المعركة وهو ما وثقته العديد من الروايات ومذكرات أمراء البحر العثمانيين، حيث استطاع في نهاية الأمر إسقاط مدينة "فاماغوستا" الإستراتيجية، وعليه كان الطريق مفتوحًا للسيطرة على قبرص بأكملها.

وفي عام 1585 استطاع تحقيق العديد من الانتصارات خلال رحلة له عبر مضيق جبل طارق، حيث فتح بعض الجزر منها جزر الكناري، هذا بخلاف إلقائه القبض على الحاكم الإسباني في جزيرة لانزاروت الذي أطلق سراحه فيما بعد، بعد أن دفعت فديته، الأمر الذي كان له صداه في الأوساط الأوروبية.

وفي بدايات القرن السابع عشر، كلفه السلطان العثماني بحماية طرق التجارة بين مصر وأنطاليا من منطقة بلاد الشام من هجمات القراصنة الفرنسيين وفرسان مالطا بجانب تحرشات أسطول البندقيين، التي كانت تكبد العثمانيين العديد من الخسائر بين الحين والآخر.

وفي عام 1609 اشتبك أسطول مراد مع أسطول فرنسي مالطي مشترك كان موجودًا بالقرب من قبرص، هذا الأسطول كان يضم أكبر سفينة حربية في أوروبا في ذلك الوقت (روسا)، مجهزة بقرابة 90 مدفعًا، وكان العثمانيون يطلقون عليها "جهنم الحمراء" نظرًا لإمكاناتها القتالية المتطورة.

لم يتوان قائد الأسطول الهندي عن القتال والجهاد رغم بلوغه من الكبر عتيًا، وبينما هو في معركته أمام الأسطول الفرنسي المالطي، ورغم انتصاره الساحق عليه، أصيب بجروح كبيرة جراء قذيفة تعرض لها في أثناء القتال

كان مراد يعلم يقينًا أن خوض معركة مع أسطول بهذا الحجم محاولة انتحار في المقام الأول، لكنه تمسك بالبقاء ورفع ألوية التحدي حتى آخر رمق، وبالفعل وبعد ساعات طويلة من الاشتباك نجح في تحقيق نصر كبير على الأسطول الأوروبي، بل أسر منهم عشر سفن بما فيها "روسا" بجانب 160 مدفعًا و2000 بندقية و500 مجند.

مقاتل حتى الوفاة

لم يتوان قائد الأسطول الهندي عن القتال والجهاد رغم بلوغه من الكبر عتيًا، وبينما هو في معركته أمام الأسطول الفرنسي المالطي، ورغم انتصاره الساحق عليه، أصيب بجروح كبيرة جراء قذيفة تعرض لها في أثناء القتال، ونظرًا لكبر سنه الذي قارب 103 أعوام لم تسعفه محاولات إنقاذه بنقله إلى قبرص، ليموت في الحال وهو في ميدان القتال.

دفن المقاتل البطل في مسقط رأسه بجزيرة رودوس بناءً على وصيته، حيث أقيم له مسجد يقصده البحارة الأتراك قبيل مهامهم القتالية، هذا بخلاف تخليد تركيا لتاريخه العظيم من خلال إطلاق اسمه على مجموعة من الغواصات البحرية.

يذكر أن هناك قائدًا بحريًا آخر اسمه "مراد ريس" لكن يطلق عليه "مراد ريس الصغير"، هولندي المولد، ويدعى "جان جانزون فان هارلم" (1575 - 1641)، أشهر إسلامه ولقب بأمير البحر العثماني، وهو أول زعيم لجمهورية بورقراق السلاوية، يصفه الأوروبيون بالقرصان فيما ينعته مؤرخو العرب والمسلمين بـ"المجاهد"، خاص معارك عدة في البحر المتوسط بين إسبانيا ودول المغرب.