في هذه البلاد يُولد الطفل على المعاناة وتحمل مشقة الحياة، سواء كان ذلك ضمن صعاب مواجهة الاحتلال أم مواجهة الفقر الذي انتشر مؤخرًا في مدينة غزة، التي صُنفت حسب محللين بأنها المدينة الأكثر فقرًا في العالم، بعد أن وصل الفقر ذروته إلى أكثر من 65% بين السكان، أي أن أكثر من نصف سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر المدقع.

قال الخبير في الشؤون الاقتصادية الفلسطينية الدكتور سمير أبو مدللة ل"نون بوست": "أكثر من مليون وربع المليون مواطن من أصل مليوني شخص يعيشون في قطاع غزة على أقل من دولار في اليوم الواحد (3 شيكل)، في حين أن الموازنة المطروحة ليعيش الفلسطيني حياةً كريمةً 20 دولارًا يوميًا (63 شيكلًا)، كما أن أكثر من 50 ألف عائلة ينعدم لديها الأمن الغذائي، وتصل نسبة البطالة بين الشباب في قطاع غزة إلى 67% وهي النسبة الأعلى من نوعها في العالم أيضًا".

هذا الأمر دفع العديد من العائلات إلى الاعتماد على أطفالها في توفير قوت يومها، بل وأصبحت عائلات برمتها تعمل مع أطفالها بهذا المجال من خلال البحث عن مصدر الزرق بين النفايات والقمامات.

عند المرور على مكب النفايات الرئيسي الذي يُسمى "الرابش" في بلدة جحر الديك شرق المحافظة الوسطى من قطاع غزة، تجد الكثير من الأطفال يتجولون بين الأكياس والفضلات والروائح الكريهة، باحثين عن شيء يبيعونه يسدون به رمق جوعهم، فقد اندثر معنى الطفولة بهذه البلاد إثر الأوضاع التي يشهدها قطاع غزة من حروب وانقسامات وحصار.

الطفل محمد الترباني 12 عامًا من وسط قطاع غزة، أوضح أنه يعمل بهذه المهمة (البحث في القمامة) منذ 3 سنوات، أي حينما كان في التاسعة من عمره، بمعنى أدق في عز طفولته، التي تبخرت بين ركام النفايات، يقول الترباني: "لازم أظلي يوميًا أشتغل حتى أوفر ثمن كيس الطحين وحق تعبئة جرة غاز كل شهر، ليس لدي غير والدتي وأخوتي البنات، وأختي الصغرى ذات الـ8 سنوات تعمل معي في ذات المصلحة أيضًا".

فادي حسين من منطقة بيت حانون شمال قطاع غزة ذو 14 عامًا أوضح أنهم يستهدفون النفايات بحثًا عن قطع الخردة التي يُمكن بيعها للمعنيين، من بلاستيك وحديد وعبوات طعام وغيرها.

فمنهم من هو مخصص لجمع العلب المعدنية للمشروبات الغازية، إذ يصل سعر الكيلو منها لنصف دولار، وكل ثلاثة أيام يبيعون ما جمعوه بمبلغ 3 إلى 4 دولارات، ويبدأون البحث منذ مطلع الصباح حتى حلول الليل، أي أنهم يعملون طيلة اليوم للحصول على دولار واحد يوميًا.

صورة

وهناك أطفال آخرون مخصصون لجمع النفايات البلاستيكية من الكراسي المكسورة أو الأواني والعبوات البلاستيكية للعصائر والمشروبات الغازية ومعادن أخرى كالعلب المعدنية للصلصة والفول والأناناس المعلب، وآخرون للبحث عن الإسفنج والسجاد أو عن خراطيم المياه وأسلاك الكهرباء.

تصنيف النفايات المستهدفة

يقول ماهر الحانوني الذي فتح محلًا لشراء ما جمعه الأطفال من نفايات وإعادة بيعها للمصانع، إن المعادن تُقسم لعدة أصناف مما يشترونه من الأطفال، منها النحاس الذي يصل سعره لـ13 شيكلًا (4 دولارات) وهو أغلى أنواع المعادن بغزة، ويتم إحضاره من كوابل الكهرباء المختلفة أو الأعيرة النارية الخالية التي تنتشر في شوارع غزة لارتباط هذه المدينة بالأعمال العسكرية.

صورة

والنوع الثاني من المعدن هو علب المشروبات الغازية المعدنية ويُباع الكيلو منها بـ2 شيكل (نصف دولار)، وتختلف عن غيرها من المعادن لأنها من الألمنيوم الخالص، وهي الأكثر بيعًا بين جميع القمامات، أما الحديد العادي يُباع كل 10 كيلوغرامات منه بـ2 شيكل (نصف دولار)، وهو الأرخص بغزة.

أما فيما يخص المواد البلاستيكية يوضح بسام أبو جامع الذي يملك مصنعًا لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، بأنهم يشترون نفايات البلاستيك ممن يجمعونها بسعر 700 شيكل (200 دولار) لكل طن، ويقومون بجرشِها لحبيبات بلاستيكية صغيرة وتنظيفها وإعادة بيعها لمصانع بغزة مختصة بتصنيع المواد البلاستيكية من براميل وكراسي وخراطيم مياه وغيرها بسعر 1000 شيكل (300 دولار) لكل طن.

صورة

وأشار أبو جامع إلى أن ذلك أوفر لهذه المصانع من المواد الخام المخصصة للتصنيع التي تأتي من "إسرائيل" بسعر 7000 شيكل (2000 دولار) لكل طن، ما يُسهل عليهم بيع منتجاتهم للمواطن بأسعار أرخص بنسبة 40% في ظل ضعف القدرة الشرائية للمواطن في قطاع غزة، لهذا أصبحت المصانع تعتمد على البلاستيك المجروش على شكل حبيبات من النفايات الغزية.

وزارة التنمية الاجتماعية أصبحت مُطالبة بالتحرك الجاد تجاه هؤلاء الأطفال الذين صُنفوا بأنهم "مشردون في وطنهم" وخاصة أن هناك عائلات بأكملها أصبحت تعمل بهذا المجال، فالحديث هنا عن أكثر من 50 ألف أسرة ينعدم لديها الأمن الغذائي، أي أن هناك طفلًا من كل عائلة أو عائلتين على الأقل يبحث عن قوته وقوت أسرته من داخل النفايات.

المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية السيدة عزيزة الكحلوت قالت في حديث خاص ل"نون بوست": "من الصعب إحصاء أعداد الأطفال الذين يعملون في مجال البحث عن مصدر رزقهم بين النفايات، لكن يمكن القول إنهم بالآلاف واستطاعت الوزارة تتبع حالتهم حتى وصلت لنتيجة بأن عائلاتهم لا تعيش حياة آدمية تمامًا، وقد استطاعت الوزارة إنقاذ 200 أسرة منهم فقط، من خلال توفير طرود غذائية لهم بشكل شهري مع تسجيلهم في مخصصات الشؤون الاجتماعية التي تُصرف مرة واحدة كل ثلاثة أشهر بمقدار 250 دولارًا كحد أدنى إلى 550 دولارًا كحد أقصى وذلك حسب دراسة الظروف المعيشية لكل أسرة".

وتضيف عزيزة الكحلوت "خلال عملية تتبع هذه الحالات، تم الكشف بأن مُجمل هؤلاء الأطفال من ذكور وإناث متسربون من المدارس بسبب حاجتهم للعمل لتوفير الطعام من جهة، أو بسبب عدم توافر الأدوات المدرسية والزي لعدم مقدرتهم على شرائه من جهة أخرى، فتعيدهم وزارة التنمية الاجتماعية إلى المدارس مع توفير لهم القرطاسية والزي المدرسي، وكذلك استطاعت الوزارة تسجيل بعضهم في مخصصات الشؤون الاجتماعية".

العدد الهائل من المستفيدين مقارنة بعدد السكان، ما هو إلا مثال حي للفروقات المعيشية بين المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة

"كما تم إلحاق العديد من الأطفال بالمراكز التعليمية المهنية التابعة لوزارة التنمية والشؤون الاجتماعية لتعليمهم فن صناعة وتركيب مستلزمات الألمنيوم أو الحدادة أو النجارة أو صيانة السيارات والغسالات والمستلزمات الكهربائية، ليُصبح الطفل مؤهلًا لسوق العمل في فلسطين، وتم إلحاق بعض أرباب أُسَرِهم بأعمال مختلفة بالتعاون مع المصانع والشركات والمنشآت المختلفة بغزة" تقول عزيزة الكحلوت.

وتوضح أن عدد المشردين من الأطفال والعوائل أكثر من المتوقع ومن الصعب استيعابهم سريعًا، وتنسق الوزارة الآن مع مؤسسات إغاثية أوروبية وعربية من أجل إنقاذهم وتوفير المساعدات الإنسانية والغذائية لهم بشكل دوري، لحين تحسين الأوضاع الاقتصادية المرتبطة بالحكومة الفلسطينية الذي أثر العجز بموازنتها على تأخير مستحقات الشؤون الاجتماعية للمستفيدين منها، حتى تقلص عدد مرات صرف المخصصات من 4 مرات سنويًا بمعدل مرة واحد كل ثلاثة أشهر إلى مرتين في السنة فقط. 

ويستفيد من مخصصات الشؤون الاجتماعية قرابة 160 ألف فلسطيني، منهم 44 ألف في محافظات الضفة الغربية التي تضم نحو 20 محافظة ومدينة التي يتعدى مجموع سكانها 3 ملايين نسمة، وأكثر من 120 ألف في قطاع غزة فقط التي تضم ما يُقارب مليوني نسمة، وهذا العدد الهائل من المستفيدين مقارنة بعدد السكان، ما هو إلا مثال حي للفروقات المعيشية بين المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي تشهد حالة فقر مدقع لم تشهدها من قبل.