بعد مضي 10 سنوات على الإطاحة بنظام معمر القذافي، لم تتحقق العدالة لضحايا جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك عمليات القتل غير المشروع والاختفاء والتهجير القسري والتعذيب والاختطاف، التي ترتكبها الميليشيات والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون في شرق ليبيا وغربها.

ففي أعقاب ثورة 17 فبراير وانقسام البلد إلى معسكرين غرب وشرق عام 2014، قامت كل سلطة بترقية وإضفاء الشرعية على قادة القوات غير النظامية والميليشيات المسلحة المسؤولة عن الأعمال المروعة، وذلك بدلًا من ضمان إجراء المساءلة وتقديم التعويض وجبر الضرر عن الانتهاكات التي ارتكبت منذ سقوط القذافي، وباتت ليبيا مسرحًا للجريمة المنظمة وأرضًا يحكمها أمراء السلاح والحرب ممن يحظون بحماية السياسيين ورجال القبيلة.

قتل وإعدامات

العثور على 11 جثة متحللة لأشخاص مكبلين تمت تصفيتهم رميًا بالرصاص في منطقة الهواري ببنغازي، أعادت إلى الأذهان عمليات القتل الممنهج الذي يُمارسه المسلحون الموالون للقادة السياسيين، وهي حادثة جديدة بعد عمليات التصفية الجسدية لـ33 شخصًا التي أشرف عليها زعيم الميليشيا محمود الورفلي ولاقت استهجانًا واستنكارًا دوليين، فيما تمت ترقيته إلى لواء في الصاعقة من حفتر.

كما تواصل قوات حفتر إيواء مجرمي حرب أو ما يُسمى بقادة اللواء التاسع، المعروف باسم "قوات الكنيات"، على الرغم من تورطها في عمليات القتل الجماعي وإلقاء الجثث في المقابر الجماعية وعمليات التعذيب والاختطاف في مدينة ترهونة (120 جثة في 27 مقبرة)، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

وتنتشر في الشرق الليبي عمليات القتل خارج القانون بصفة كبيرة (نشطاء حقوقيون وزعماء قبائل)، ويتهم الليبيون المحسوبين على حفتر، وتحديدًا الميليشيات التي يقودها بعض أبنائه والمقربين منه كمحمود الورفلي المطارد دوليًا، فهؤلاء يحاكون في تصرفاتهم ما كان يرتكبه أبناء القذافي كالاستيلاء على أرزاق المواطنين وقتلهم وتعذيبهم تحت مزاعم الإرهاب.

ظاهرة الاختطاف هي الأخرى انتشرت في المناطق التي يُسيطر عليها حفتر، ومن المختطفين وزير المالية بحكومة الثني، كامل الحاسي، والنائبة سهام سرقيوة، التي اختطفت من بيتها في يوليو/تموز 2019 لمعارضتها الحرب على طرابلس، إضافة إلى شخصيات قبلية رافضة لسلوك حفتر الجانح للفوضى.

وكانت قبلية العواقير، قد نددت في بيان سابق، بالوضع الأمني الكارثي ببنغازي من انتهاك لحرمات المدينة والتعدي على الآمنين واستباحة الحرمات واقتحام المنازل والمؤسسات العامة والخاصة والخطف والإخفاء القسري والسجون السرية، محذرة من نفاد صبرها واتخاذ تدابير خاصة في الأيام القادمة لإنهاء ذلك الانفلات الأمني.

من جانبها، وثقت منظمة رصد الجرائم الليبية خلال شهر فبراير/شباط كما جرت العادة على تسجيل الانتهاكات الحقوقية في عموم ليبيا، حيث وثقت ثلاث حالات قتل خارج القانون في كل من طرابلس وسبها وبنغازي، وكذلك سجلت المنظمة 8 حالات خطف: 6 منها في بنغازي و2 في طرابلس.

التعذيب

أغلب التقارير الواردة من ليبيا تؤكد أن السجون في هذا البلد الذي يعرف اقتتالًا على السلطة لا تخلو من استخدام التعذيب كأسلوب لانتزاع الاعترافات، وذلك في تجاهل تام لمؤسسات الدولة الرسمية التي تركت مواطنيها فريسة لأمراء وجنود المليشيات والسجون.

ويرى مراقبون أن المتهمين بممارسة التعذيب في ليبيا يتحركون بدافع الانتقام والتشفي وبإيعاز من بعض السياسيين الذين يمولون أعمالهم غير الشرعية، فبعض الكتائب الموالية للثوار مارست التعذيب في صفوف الموالين للنظام السابق، فيما يُمارسه آخرون على أساس الهوية والانتماء السياسي كما يحدث في الشرق الليبي بقيادة حفتر، بينما يتخذه الباقي أداةً لتحصيل الثروة من خلال عمليات الابتزاز والمقايضة.

وبحسب بعض الشهادات، فإن المحققين في بنغازي يرغمون الأشخاص تحت التعذيب على الاعتراف بجرائم خطيرة ويصورنهم مكرهين في بث متلفز، ويُمارسون عليهم انتهاكات أخرى تشمل غياب الإجراءات السليمة للإيقاف والرعاية الطبية، والحرمان من الزيارات العائلية وعدم إخطار العائلات باحتجازهم ورداءة ظروف الاحتجاز التي تصل إلى أشهر.

أمّا وسائل التعذيب الأكثر شيوعًا بحسب الإفادات، فهي الضرب بالأنابيب البلاستيكية على الأجساد أو بواطن الأقدام والضرب بالأسلاك الكهربائية أو الجنازير أو العصي والتعليق لفترات طويلة، أو إدخال أجسام في تجاويف الجسم أو حبسهم انفراديًا أو الحرمان من الطعام ووسائل النظافة الشخصية.

ومن أساليب التعذيب الأخرى التي تحدثت عنها التقارير الحقوقية، الضرب والجلد بالسياط والأدوات الحادة والصعق بالكهرباء وإطفاء السجائر في أجساد المتهمين ومنع الزيارات والتنكيل في زنازين انفرادية، وهي ذات الأساليب التي كانت تستخدمها أجهزة القذافي الأمنية.

ويُدير الموالون لحفتر وخاصة المداخلة (التيار المدخلي) سجون معروفة وأماكن أخرى يشتبه في كونها خاصة للإخفاء القسري في معسكره بالرجمة وبسجن قرنادة، حيث يُمارس على السجناء صنوف التعذيب وألوانه.

الاتجار بالبشر

عملية الإفراج عن 70 مهاجرًا تعرضوا للضرب والتعذيب في 6 سجون سرية في بني وليد، وهي مدينة تقع على بعد نحو 150 كيلومترًا من طرابلس وتعتبر من مراكز الاتجار بالبشر في ليبيا، توحي بأن المعضلة ما زالت مستفحلة إلى الآن وذلك في ظل غياب تام للسلطة المركزية.

وأظهرت الأدلة المصورة خلال العملية، رجلًا معلقًا رأسًا على عقب وهو مقيد الأيدي والأرجل، يتعرض للضرب، فيما أظهرت صور أخرى، امرأةً تبكي ويداها مقيدتان وقدماها ممسكتان بأنبوب، وضربت بعصا.

ويعمد تجار البشر والمهربون إلى توثيق عمليات التعذيب والتنكيل في فيديوهات يتم إرسالها إلى أهالي المهاجرين من أجل ابتزازهم للحصول على المال مقابل الإفراج عن أقاربهم، ففي عام 2017، نقلت منظمة العفو الدولية شهادة كاميروني يدعى عيسى جاء فيها: "يجب أن نصلي إلى الله حتى لا نباع في حي بني وليد"، وفي يناير/كانون الثاني 2020، روى إبراهيم، وهو سنغالي أن "بني وليد أسوأ مكان على وجه الأرض".

وبحسب الشهادات، يتعرض العديد من المهاجرين إلى الضرب حتى الموت فيدفن بعضهم في الصحراء، فيما تتعرض النساء إلى الاغتصاب والتعذيب، ولا يقتصر الأمر على المهاجرين الأفارقة، فالمصريون تعرضوا للتعذيب والعنف في شرقي ليبيا، حيث عُثر في وقت سابق على 6 مصريين غير شرعيين مكبلين بالسلاسل في مدينة طبرق.

القضاء

يعود غياب محاسبة مرتكبي الانتهاكات خلال السنوات العشرة الماضية إلى ضعف فاعلية منظومة العدالة في ليبيا واختلالها، وإلى ضعف السلطة المركزية والحكومات الانتقالية المتعاقبة وعدم قيامها بدورها الأمني كمقاومة الجريمة ومكافحة انتشار السلاح وتفكيك التشكيلات المسلحة، والأهم من ذلك هو استعانتها بهذه المليشيات حتى عقب سقوط النظام.

من جهة أخرى، فإن النزاعات المسلحة المتعددة والصراع السياسي في ليبيا لم يفض إلى تدمير الاقتصاد وتعطيل في الخدمات العامة فقط، فقد أدى إلى عطب مزمن في مرفق القضاء الضامن لما تبقى من أسس الدولة ولحياة البشر، وأفرز هذا الخواء نكوص العدالة والسلطة القوانين أمام سطوة الجماعات المسلحة المدعومة من الداخل (سياسيين قبيلة) أو من أطراف أجنبية تعمل على استدامة الفوضى لأغراض متعددة، فاقتطعت هذه الجماعات مجالات جغرافيا لتركيز نفوذها وهيمنتها (داعش في سرت) (جضران موانئ النفط) وغيرها.

ويُمكن القول إن التضحية بالمساءلة وتحقيق العدالة في ليبيا باسم السلام والاستقرار، كان أحد عوامل استقواء شوكة المليشيات، فبالإضافة إلى إفلاتهم من العقاب طيلة العشر سنوات، تم دمجهم في مؤسسات الدولة، وقد ترسخ فعليًا على مدى السنوات العشرة الماضية، خاصة أن القانون الصادر عام 2012 أتاح حصانة شاملة لأفراد الميليشيات عن الانتهاكات التي ارتكبت بهدف حماية ثورة 17 فبراير.

وكنتيجة لضعف السلطة وتشتت مراكز القوة وغياب عنف الدولة الشرعي، جرى إضفاء الشرعية على العديد من قادة المليشيات الليبيين واعتبارهم فاعلين سياسيين رغم أنهم لم يحاسبوا قط على جرائمهم المتمثلة في اغتيال المعارضين السياسيين وعمليات التعذيب والإخفاء القسري في السجون السرية، وبالتالي فإن عملية تقديمهم إلى القضاء أصبحت بعيدة المنال، خاصة أن القضاة والمدعين العامين معرضون للاغتيال والاختطاف.

على المستوى الخارجي، رغم أن بعثة تقصي الحقائق بشأن الانتهاكات في ليبيا التابعة للأمم المتحدة تتمتع بولاية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة في ليبيا منذ 2016، وكذلك الحال بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية لديها ولاية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في ليبيا منذ 2011، فإن فشل المجتمع الدولي، أعطى الميليشيات والكتائب غير النظامية الضوء الأخضر لمزيد من الانتهاكات.

يبدو أن تجاوز الليبيين للمرحلة الانتقالية ليس رهين نجاحهم في تشكيل حكومة تصريف أعمال تعمل على التحضير لإجراء انتخابات في ديسمبر/كانون الأول المقبل، بقدر ما هو مرتبط بقدرتهم على إرساء مصالحة وطنية كاملة وتحقيق عدالة شاملة تضمن تقديم مرتكبي جرائم الحرب إلى قضاء مستقل وتفعيل آليات جبر ضرر للضحايا، باعتبار أنها الخطوة الأساسية في بناء دولة القانون والمؤسسات.