تحفل صفحات الذاكرة النسوية في تونس بأمثلة لشهيرات أنرن التاريخ في مجالات شتى منذ تأسيس قرطاج إلى يومنا هذا، كزينب بنت عمر والكاهنة ديهيا وأم البنين الفهرية وأسماء بنت أسد بن الفرات وخديجة بنت الإمام سحنون وعزيزة عثمانة، وأسماء أخرى تم إقصاؤها وتهميشها في أثناء كتابة تاريخ تونس المعاصر والحركة الوطنية.

في هذا التقرير يستعرض موقع "نون بوست" أسماء لشهيرات تونسيات خلدهن التاريخ والذاكرة الجمعية، حيث رسمن النواة الأولى لبناء هوية المجتمع وروابطه الثقافية، وساهمن بأشكال نضالية متنوعة في دفع ماكينة الاستعمار المستبدة والقاهرة.

بشيرة بن مراد

مناضلة من عائلة اشتهرت بالمهن الثقافية التقليدية والمتمثلة أساسًا في التعليم الديني والدفاع عنه من أجل المحافظة على أسس المجتمع التقليدي، فقد اضطلع والدها محمد الصالح بن مراد وهو شيخ الإسلام الحنفي (زيتوني) في ثلاثينيات القرن العشرين بدور مهم في محاربة التيار الحداثي والتغريبي الذي انتشر في تونس بعد انتصاب الاحتلال الفرنسي، كما عُرف بمعارضته لكتاب الطاهر الحداد عن تحرير المرأة.

وُلدت بن مراد في أغسطس/آب 1913 بالعاصمة تونس ونشأت وسط عائلة محافظة وعريقة، حرص والدها على تعليمها بالبيت على أيدي عدد من الشيوخ الزيتونيين من بينهم محمد مناشو وفرج عباس ومحمد بوذينة، فحفظت جزءًا من القرآن الكريم وتعلمت العربية كما نالت شهادة التحصيل.

انخرطت المناضلة مبكرًا في العمل الاجتماعي والسياسي مدفوعة بحس وطني جارف، فعملت على مد يد المساعدة لرفقائها في المقاومة ضد الاستعمار من خلال الدعم المعنوي والمادي، إضافة إلى شروعها في خدمة قضايا المرأة من خلال تأسيس الاتحاد الإسلامي النسائي عام 1936 الذي ضم رموزًا نسائيةً لا تقل أهمية من مراد كحبيبة حجوج وجليلة مزالي ونبيهة بن ميلاد ونجيبة القروي وحميدة بن مراد ونعيمة بن صالح وتوحيدة بن الشيخ.

ورامت المناضلة من خلال هذه المنظمة، التوعية بأهمية تربية الفتاة في دائرة الأخلاق الإسلامية، وتوجيهها نحو التعليم وبث الثقافة الإسلامية والعربية في الوسط النسائي، بالإضافة إلى التعبئة لتأصيل مفهوم المساواة بين الجنسين والدفع بهن إلى الانخراط في الحياة الاجتماعية والسياسية.

لم تكتف بن مراد بنضالها في الداخل، بل عملت على مساندة ودعم القضية الفلسطينية في أواخر الأربعينيات وآزرت الحركة الكشفية التونسية، كما ساهمت في عملية التوعية الجمعية من خلال مقالاتها الصحفية في عدد من الدوريات من بينها مجلة المسرح (1937) ومجلة والدها "شمس الإسلام (1938) وقد تناولت كل كتاباتها تقريبًا مواضيع تهم المرأة والتربية والتعليم.

ومن إنجازات الاتحاد، تأسيس مدرسة للفتيات وتنظيم الملتقيات لفائدتهن وجمع التبرعات الموجهة لمساندة جهود نشر العلم والتعليم، كما عملت على توثيق جرائم الاحتلال وإعانة الأرامل والعائلات المنكوبة، إضافة إلى دورها في تكوين جزء كبير من النخبة التي حكمت تونس بعد الاستقلال عبر جمع التبرعات للطلبة التونسيين بالخارج وكان هدفها تكوين جيل جديد قادر على قيادة البلاد.

بعد جلاء المستعمر الفرنسي وقيام الجمهورية التونسية، استبعدت بشيرة بن مراد من المساهمة الفعلية في العمل النسائي، إذ عمد الراحل الحبيب بورقيبة إلى إقصائها بسبب خلفيتها الإسلامية وتناقضها مع برنامجه ورؤيته للمرأة، وذلك بعد أن استفاد من شعبيتها لدى عامة الناس، فهي التي فتحت له الأبواب ليتقرب من الباي ومن النخب البارزة، بحسب شهادتها.

تهميش المناضلة تواصل في حكم النظام السابق، فقد عاشت بقية حياتها في ظروف لا تليق بتاريخها النضالي إلى أن توفيت في بيت متواضع بضاحية حمام الأنف في 4 من مايو/أيار 1993.

راضية حداد

تُعد راضية الحداد من الشهيرات اللاتي خلدهن التاريخ كونها أول برلمانية تونسية ولمشوارها الزاخر بالمواقف الوطنية وشجاعتها السياسية فلم تقبل بالمساومة على مبادئها.

وُلدت راضية الحداد في 17 من مارس/آذار 1922 وتوفيت يوم 20 من أكتوبر/تشرين الأول 2003، وهي حفيدة العربي زروق أحد رموز الحركة الإصلاحية بتونس في القرن الـ19 ومن بين المعارضين القلائل لمعاهدة باردو التي أرست الحماية في البلاد التونسية.

نشأت المناضلة في عائلة برجوازية محافظة، ساهمت في إذكاء حسها السياسي والوطني، ورغم منعها من إكمال تعليمها، فقد حرصت على تعليم نفسها عبر مطالعة الكتب لتكتسب ثقافة واسعة أهلتها فيما بعد لتعتلي مناصب عليا في الدولة، كان أولها رئاسة الاتحاد القومي النسائي وهي أول منظمة وطنية نسائية تأسست في يناير/كانون الثاني 1956.

شاركت في أواسط الأربعينيات بدعوة من وسيلة بن عمار التي سيتزوجها بورقيبة، مع نساء أخريات في حملة لجمع التبرعات لفائدة الحي الزيتوني، كما انخرطت في الاتحاد الإسلامي لنساء تونس الذي أسسته بشيرة بن مراد، وشاركت في جمع التبرعات في إطار حملة التضامن مع مساجين "الزندالة" السياسيين.

مع اقتراب تونس من نيل استقلالها، انخرطت راضية الحداد في الحزب الدستوري الجديد سنة 1952 وبدأت في التخطيط لإنشاء الاتحاد القومي النسائي التونسي الذي ترأسته عام 1957 إلى حدود 1972، ما أفسح لها المجال لتكون أول امرأة تونسية تدخل البرلمان التونسي، بعدما احتجت على عدم إشراك النساء في انتخابات المجلس التأسيسي، وتحقق لها ذلك في الانتخابات البلدية سنة 1957، وذلك بالإضافة إلى انتخابها في اللجنة المركزية للحزب في الفترة بين 1968 و1972.

أما فيما يخص علاقتها بالسلطة، فراضية حداد عُرفت بمعارضتها وانتقادها لسياسة الحبيب بورقيبة خاصة في مسألة التعاضد التي وضعها أحمد بن صالح، فقد رفضت الأساليب القمعية التي استُعملت آنذاك لفرض الاشتراكية، كما دعمت التيار الليبرالي في الحزب الاشتراكي الدستوري الذي كان يقوده أحمد المستيري بمساندة الباجي قايد السبسي وحسيب بن عمار في بداية السبعينيات.

وتنقل بعض الشهادات أنها توجهت لبورقيبة بالقول: "أنت بطل الاستقلال وحان الوقت أن تكون بطل الديمقراطية"، وهذه المواقف الرافضة للحكم الأحادي والاستبدادي كلفت راضية الحداد الكثير، فتم التضييق عليها ودفعها إلى الاستقالة من الاتحاد القومي النسائي التونسي بالإضافة إلى اتهامها بالاستيلاء على أموال عمومية والحكم عليها بالسجن في مايو/أيار 1974 مع تأجيل التنفيذ.

بعد وفاة الحداد وسقوط النظام السابق، تم رد الاعتبار للمناضلة في 2015 بإطلاق البرلمان التونسي اسم "راضية حداد" على قاعة الجلسات العامة القديمة في البرلمان التي تمت فيها المصادقة على دستور 1959.

توحيدة بن الشيخ

هي قصة أخرى من النجاحات التي حققتها المرأة التونسية في وقت عرفت فيه البلاد انحطاطًا اجتماعيًا وتدهور اقتصاديًا بفعل الاستعمار وأدواته التغريبية، فلم تمنع البيئة المنغلقة للمجتمع التونسي توحيدة بن الشيخ من بلوغ حلمها في أن تكون طبيبة تساعد الفقراء وتدعم جهود العمل الخيري.

ولدت المناضلة التونسية في 2 من يناير/كانون الثاني 1909، لعائلة ميسورة انحدرت من محافظة بنزرت أقصى شمال البلاد، توفي والدها (فلاح) بعد أشهر قليلة من مولدها، فأشرفت والدتها، وهي أخت الطاهر بن عمار أول رئيس حكومة تونسية في 1954، على تربية الأبناء (3 بنات وولد) على الطريقة الإسلامية.

بحرص من الوالدة على تعليم أبنائها، التحقت بالشيخ وإخوتها بمدرسة نهج الباشا (1922) حيث أنهوا المرحلة الثانوية، فيما تم ترسيمها بمعهد أرمان فاليير حيث نالت شهادة البكالوريا عام 1928، فكانت أول تلميذة تونسية مسلمة تحصل على مثل هذه الشهادة.

وعلى الرغم من رفض العائلة الموسعة لسفرها إلى الخارج لإكمال دراستها، وجدت توحيدة في أمها السند والدعم الكافيين للانطلاق نحو باريس لتعلم الطب، كُللت بإحرازها شهادة في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، لتتخرج سنة 1936 طبيبة، وتعود إلى تونس وسط ترحيب من العائلة والأوساط الثقافية والسياسية، إذ احتفت بها الصحافة، ونظم لها "الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي" حفل تكريم في الـ18 من أبريل/نيسان عام 1937.

أما نشاطها الاجتماعي والسياسي، فانخرطت فيه بعد دعوة بشيرة بن مراد للانضمام إلى "الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي"، كما شغلت منصب نائب رئيس "الهلال الأحمر التونسي"، وقدمت تقارير تُدين الاستعمار الفرنسي عقب أحداث عام 1952 بالوطن القبلي.

وبعد استقلال تونس عام 1956، بدأت توحيدة بالشيخ نضالها في مجال الصحة النسائية والإنجابية، وانخرطت في مشروع سياسة تحديد النسل التي تبنتها الدولة، فأنشأت قسمًا خاصًا بالتنظيم العائلي في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة عام 1963، وعينت مديرة لبرنامج التنظيم العائلي عام 1970.

تعتبر توحيدة بالشيخ من عناصر النخبة المثقفة والمناضلة في تونس زمن الاستعمار والمساهمين في بناء الدولة الوطنية المستقلة، إذ انخرطت في الكثير من الأنشطة السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية، فانخرطت في جمعية طلبة شمال إفريقيا وأسست جمعية الإسعاف الاجتماعي وتولت الإشراف على مجلة "ليلى"، وهي أول مجلة نسائية تونسية ناطقة بالفرنسية بدأت بالصدور في ديسمبر/كانون الأول 1936.

من المؤكد أن النساء الوارد ذكرهن لم ينلن حظهن من التقدير في حياتهن، فقد عشن التهميش والجحود من النظامين البورقيبي والتجمعي، لكن الذاكرة الجماعية حفرت أسماءهن في كتاب التاريخ الشعبي وهي ورقات مضيئة يعسر على الحكام إطفاءها أو محوها بروايات رسمية تحمل بصمات التزييف.