نساء فلسطينيات يلوّحن بالأعلام الفلسطينية خلال مظاهرة للتنديد بخطة السلام الأمريكية في مدينة الخليل بالضفة الغربية يوم 30 كانون الثاني/ يناير 2020.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 15 آذار/ مارس، وبمناسبة شهر تاريخ المرأة، أطلق التجمع النسوي الفلسطيني الذي تم تأسيسه منذ فترة قصيرة أول مبادرة عامة له في شكل تعهّد ورسالة مفتوحة تطلب من النساء الأمريكيات والمنظمات النسوية والحقوقية وكل الشرفاء في العالم أن يتبنّوا القضية الفلسطينية باعتبارها قضية نسوية ملحّة.

في غضون دقائق قليلة، بدأت التواقيع تأتي بأعداد كبيرة من الولايات المتحدة وفلسطين، وكذلك من إنجلترا وأيرلندا وأستراليا والأرجنتين والسويد وكندا وكينيا وإيطاليا وغيرها من الدول.

يمثّل هذا التعهّد أكثر من مجرد بيان تضامن، حيث يقترح 6 خطوات وإجراءات عملية لبلورة رؤية نسوية متعدّدة الجوانب مناهضة لممارسات الاحتلال في فلسطين. تشمل هذه الرؤية تبني القضية الفلسطينية على أنها قضية نسوية ذات أولوية والتعهد بدعم حقوق الفلسطينيين في حرية التعبير والتنظيم السياسي، ورفض الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، ودعم حركات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وسحب الاستثمارات في المجال العسكري، والدعوة إلى إنهاء الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي لإسرائيل.

الحركات النسوية والقضية الفلسطينية

يُعَرِّف تجمع النسويات الفلسطينيات نفسه على أنه هيئة مقرها الولايات المتحدة تتكوّن من نساء ونسويات من فلسطين وجنسيات عربيّة أخرى "ملتزمات بدعم التحرر الاجتماعي والسياسي الفلسطيني من خلال مواجهة العنف الجنساني والاحتلال والقمع ومصادرة الأراضي".

وجاء في التعهّد الذي تم توزيعه على المنظمات المتضامنة "تمثّل رسالتنا رؤية لمستقبل مختلف جذريا يعتمد على الترابط الذي يمنحنا حياة أفضل، ودعم الطبقات العاملة وإشاعة الحب بين الناس والتعلق بالأرض والحياة والكوكب. لهذه الأسباب، نتعهد اليوم، وفي المستقبل، بالاعتراف بفلسطين على أنها قضيّة نسوية ودعم هذا الالتزام في حياتنا اليومية ومن خلال الأنشطة والفعاليات المختلفة".

"فلسطين هي قضية نسوية"، تمثّل هذه العبارة في حد ذاتها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى تفسير. مع ذلك، وكما هو الحال في جل القضايا التي تتعلق بفلسطين، فقد تطلّب الأمر مناقشات طويلة وتحليلات وتوثيقا مستمرا. لطالما تم عزل الفلسطينيين عن الساحات النسوية الرائدة، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث تصوِّر الأيديولوجية الصهيونية الفلسطينيين على أنهم الطرف المعتدي، وليس الصهاينة.

تنظر العديد من النسويات في العالم إلى الفلسطينيات على أنهن مضطهدات من قبل النظام الأبوي العربي، وليس من قبل الاحتلال الصهيوني. مع ذلك، لا يجب أن ننكر تضامن النسويات في مختلف أنحاء العالم منذ فترة طويلة مع ذوي البشرة السوداء، والسكان الأصليين، والحركات النسوية في العالم الثالث، والطبقات العاملة، والذين ناضلوا جنبا إلى جنب مع الفلسطينيين ضمن حركات مناهضة الاستعمار والعنصرية في الولايات المتحدة والعالم. 

لكن عندما يتعلق الأمر بالدعم الصريح لفلسطين في الولايات المتحدة، لا يمكن اعتبار هذا التأييد أمرا جليّا، وذلك لأن الخوف من الانتقام والاتهامات بمعاداة السامية يظلّ حاضرا في الأذهان بشكل مستمر. 

تقول عضوة تجمع النسويات الفلسطينيات سارة احمود: "بينما تواجه أخواتنا في فلسطين عنف ووحشية الاحتلال الصهيوني، فإن الفلسطينيين في الولايات المتحدة يواجهون مجموعة أخرى من التحديات، منها القمع الصهيوني للأصوات المساندة للقضية الفلسطينية، وتجريم عملنا السياسي، واستبعاد مساندة فلسطين من الأجندات النسوية".

مقاومة الاحتلال

تحدثت احمود، التي تُدرِّس حاليا في كلية الصليب المقدس بماساتشوستس، عن تجربتها الخاصة مع الحملات الصهيونية قائلة: "بعد تعييني في منصب أكاديمي بجامعة بوسطن سنة 2019، تعرضت لهجوم عنيف وحملة تشهير تروّج إلى أنني معادية للسامية، وذلك بهدف عرقلة الدراسة التي كنت أعمل على إعدادها حول العنف ضد المرأة الفلسطينية في الأراضي المحتلة".

وأضافت: "لأنني باحثة أمريكية من أصل فلسطيني، عمل أنصار الصهيونية على تشويه صورتي ونعتي بأوصاف عنصرية وأخرى مرتبطة بجذوري العربية. بصفتي عالمة في الأنثروبولوجيا، أرى أن النظرة الصهيونية تركز على الجانبين العرقي والجنساني، لذلك من الضروري أن ننظر إلى القضية الفلسطينيّة على أنها قضية نسوية".

كما كان متوقعًا، لم ينظر كثيرون إلى هذا التعهد الجماعي بعين الإعجاب، واعتبر البعض أن ذلك يعتبر فهما ضيقا جدًا للنسوية ورأوا أنّ فيه نوعا من الإقصاء، بدل أن يكون ركيزة لأيديولوجية التحرر المنشودة. وقد علّق أحدهم على صفحة الفيسبوك الخاصة بالصوت اليهودي من أجل السلام، التي أيدت التعهد ونشرته، قائلا إن قضية فلسطين هي قضية حقوق إنسان وليست مجرد قضية نسوية.

صورة
نساء فلسطينيات يردّدن هتافات أمام جنود إسرائيليون خلال مظاهرة في قرية سوسيا الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة يوم 14 آذار/ مارس 2021 

من جهتها، قالت العضوة في تجمع النسويات الفلسطينيات لبنى قطامي، وهي أستاذة مساعدة في قسم الدراسات الأمريكية الآسيوية بجامعة كاليفورنيا: "بالتأكيد، لفلسطين دلالات متنوعة عند الكثير من الناس، ولبّ القضية يتعلق بتفكيك الاستيطان، لكن يجب أن نفهم أنّ الاحتلال الصهيوني هو أيضًا مشروع عنف واضطهاد جنساني".

وتضيف: "عندما تُجبَر النساء الفلسطينيات على إنجاب أطفال ميتين عند نقطة تفتيش - لأنه لا يُسمح لسيارة الإسعاف بالمرور - فهذا بالتأكيد انتهاك لحقوق الإنسان، ولكنه أيضًا عنف قائم على الجنس واعتداء على الحرية الإنجابية. عندما يتحدث الجنود الإسرائيليون عن النساء الفلسطينيات الحوامل كهدف مشروع للقتل (كما فعلوا خلال حرب 2009 على غزة)، فهذه آلية عنف جنساني تهدف للسيطرة على التفوق السكاني الفلسطيني".

وتتابع القطامي: "عندما يتعرض الفلسطينيون (رجال ونساء) للتعذيب الجنسي والاغتصاب والإخصاء أثناء الاستجوابات، فهذا بالتأكيد انتهاك لحقوق الإنسان؛ ولكنه أيضًا اعتداء جنساني وجنسي في الآن ذاته. بالتالي، يجب أن يؤمن جميع النسويين بالقضية الفلسطينية، وإلا كانت النسوية مجرد شعار فضفاض فارغ من أي اهتمام بالحقائق المادية".

الانخراط في النقاش

كان من الواضح أنّ بعض المتابعين على حساب تجمع النسويات الفلسطينيات على إنستغرام، لديهم مشكلة مع مصطلح "النسوية". هذا المصطلح يرتبط في أذهانهم بنساء الطبقة الوسطى، ذوات البشرة البيضاء، الغربيات الليبراليات اللواتي يحملن وجهات نظر استشراقية عن فلسطين والعرب المجتمعات الإسلامية، واللاتي ينظرن إلى الحركة إسرائيل على أنها دولة "ديمقراطية"، وليست دولة احتلال.

كان من الجيّد أن نرى أن تجمع النسويات الفلسطينيات - وبدلاً من مناهضة  مثل هذه التعليقات أو تجاهلها - انخرط في حوار بنّاء مع هؤلاء المعلقين، حيث تم توضيح أهمية تحديد مفهوم النسوية بما يتماشى مع السياق الفلسطيني. (تذكرني هذه الردود بتجاربي المماثلة عندما كنت عضوة في منظمة إنسايت! حيث شاركت أيضًا في مناقشات مطولة حول تبني مصطلح "النسوية" والاعتراف به، على الرغم من دلالاته الإشكالية).

في شأن ذي صلة، وأمام استمرار تدفق مئات التواقيع على التعهد، أخبرني الأعضاء أنهم لاحظوا وجود تقدم مثمر، وانخراط المشاركين في نقاشات بنّاءة حول  قضايا العنصرية وكراهية النساء.

يؤكد التعهد الذي أطلقه تجمع النسويات الفلسطينية أنّ العدالة غير قابلة للتجزئة، وهو يعبّر عن رؤية شاملة للمجتمع وفهم عميق لقضية تحرّر لا تكتمل دون إنهاء كل أشكال العنف البنيوي

وحتى في خضم الجدل حول مدى ملاءمة مصطلح "النسوية" لظروف المجتمع الفلسطيني، بدا أن هناك اعترافًا واسع النطاق بأن الصهيونية، مثل جميع الأنظمة الاستعمارية الاستيطانية، تعتمد العنف الجنساني، وأن النساء الفلسطينيات يشاركن بشكل فعال في مناهضة الاحتلال. لطالما كانت المرأة الفلسطينية جزءًا من حركة المقاومة الشعبية في وجه المخططات الصهيونية، وساعدت على ترسيخ فكرة أنّ التحرر الوطني سيكون منقوصا دون تطبيق العدالة بين الجنسين.

يؤكد التعهد الذي أطلقه تجمع النسويات الفلسطينية أنّ العدالة غير قابلة للتجزئة، وهو يعبّر عن رؤية شاملة للمجتمع وفهم عميق لقضية تحرّر لا تكتمل دون إنهاء كل أشكال العنف البنيوي. في الواقع، لن يكون هناك مبرر لإطلاق هذا التعهد، ولا لوجود منظمات نسوية مثل حركة طالعات التي أيدتها في السابق، إذا لم يكن هناك مناهضة لكراهية المرأة والنظام السلطوي داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.

تكمن وجاهة هذه المقاربة التي يطرحها تجمع النسويات الفلسطينيات في أنها شاملة وتسعى إلى قطع جذور العنف من الداخل ومن الخارج.

المصدر: ميدل إيست آي