تشهد الساحة التركية منذ مطلع العام الحاليّ جملةً من التطورات التي تشي بالتحضر للتعاطي داخليًا وخارجيًا وفق التغيرات الدولية، التي يأتي على رأسها تولي إدارة بايدن ـ الليبرالية المثالية ـ مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.

نتج عن تولي بايدن الحكم تماهي الموقفين الأوروبي والأمريكي، والحديث عن العودة للتفاوض الأمريكي والإيراني، فضلًا عن الإشارة إلى عودة التزاحم الجيوسياسي بين المحورين الأمريكي والروسي ـ الصيني، لتُلامس ضرورة إحداث بعض التغييرات في مسار السياسة الخارجية.

أما على الصعيد الداخلي، فالتراجع الكبير للنمو الاقتصادي وتراجع شعبية الحزب بالتزامن مع ظهور منافسين منشقين عنه، وغيرها من العوامل الأخرى، هي ما دفعت نحو التغيير.

ملامح التحرك الداخلي والخارجي

  • داخليًا

لا شك أنه بحسب المسار الذي تتبعه الحكومة التركية في الوقت الحاليّ، فإنها تضع أول أهدافها تحسين الوضع الاقتصادي وإنعاش التراجع الحاد في سعر الليرة التركية، وذلك من خلال إطلاق برامج إصلاح اقتصادي وحقوقي تهدف لجذب الاستثمارات الخارجية وتشجيع الاستثمار الداخلي وإعادة ثقة المواطن، على كل المستويات الفئوية والعمرية، في الحزب.

ولا شك أن ضمان نجاح مثل هذه الإصلاحات الليبرالية مرتبط أيضًا بخطوات سياسية في الخارج لتخفيف حدة التوترات الجيوسياسية المحيطة، كالتوتر مع الأوروبين والخليجيين والغموض في مستقبل العلاقات التركية الأمريكية في عهد إدارة بايدن الجديدة وكيفية التعامل مع هذه الإدارة الجديدة. 

إجراء انتخابات داخلية للحزب، لم يظهر فيها أي تغييرات جوهرية، فتم إعادة اختيار معظم الأعضاء القياديين لكن مع إضافة بعض الأسماء الشابة، وإعادة بن علي يلدريم إلى منصب نائب زعيم الحزب، ليظهر تمسك أردوغان، حتى الآن، بمعيار الولاء وليس الكفاءة.

وفي هذه التشكيلة القديمة الجديدة يُلاحظ حفاظ حزب العدالة على التوزيع الفئوي والإيديولوجي في قيادة حزبه، فرجال الأعمال والشباب وتيارات المحافظين والليبراليين والقوميين، أبقت على مواقعها داخل الحزب، لكن مع محاباة نسبية للمحافظين والليبراليين على حساب القوميين، فقد طال التغيير هيئات القرار المركزي والمجلس التنفيذي والمجلس التنفيذي المركزي، وهي أعلى هيئة لصنع القرار في العدالة والتنمية، وطال التغيير الحقيقي اللجنة المسؤولة عن الحملات والنشاطات الانتخابية، إذ تسلم منصب رئاسة اللجنة بولنت ياغمور، ذو الخبرة الكبيرة في عمليات الحشد الانتخابي منذ تأسيس الحزب عام 2001. 

يسعى الرئيس التركي لجمع الأحزاب الإسلامية وأنصارهم من المحافظين من أجل الدستور الجديد الذي أكد حاجة البلاد المُلحه له

يعتزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إجراء تعديل وزاري على الإدارة التي تم تشكيلها عام 2018، إذ تتضمن هذه التعديلات إجراء تعديل على وزارة الداخلية والتعليم والصحة والثقافة والعمل والأسرة والزراعة، وفق معادلة تخفيف الروح القومية مقابل إعادة الروح الإسلامية والمحافظة، فالمُتوقع تسليم وزارة أو اثنتين لذوي التوجه الإسلامي داخل الحزب. 

توسيع مستوى اللقاءات التشاورية التحالفية مع الأحزاب والتيارات التركية، لضمان رفع مستوى الأصوات قبل قدوم موعد انتخابات 2023، وجاء تقريب القائد في حركة "ميلي غوروش" أوزغوزهان أصيل ترك، للحزب ضمن هذه المعادلة.

وفي ذات السياق يسعى الرئيس التركي لجمع الأحزاب الإسلامية وأنصارهم من المحافظين من أجل الدستور الجديد الذي أكد حاجة البلاد المُلحه له، وهذا ما دفعة للانسحاب من اتفاقية إسطنبول لحقوق المرأة والمثليين، بعد ضغوط كبيرة مارسها التياران القومي والمُحافظين، وفي هذه المعادلة طغت أولوية الحزب الداخلية على أولويته الخارجية، فقد خاطر بالضغط المحتمل من الإدارة الأمريكية نظير كسب الشارع، إذ يُمكن أن يمتص الضغط الأمريكي بأوراق مختلفة. 

  • خارجيًا

اتخذت أنقرة تحركات استباقية في عدة ملفات قبل نزول الإدارة الأمريكية بثقلها إلى الساحة، وشملت:

1ـ الملف السوري: راففت أنقرة الدوحة في مبادرتها الثلاثية مع موسكو للنظر في إمكانات تثبيت النفوذ في شمال غرب وشرق سوريا، كما مضت في التفاوض مع موسكو لفتح المعابر مع النظام مقابل إيقاف تحركات السطع الناري الاستفزازي لروسيا، وتوسيع نطاق نفوذها في عين عيسى شمال الرقة، لكن لم يتم التوصل لاتفاق نهائي في هذا الخصوص حتى الآن.

لكن تنظر أنقرة لهذه الورقة بعين إيجابية، رغبةً في توسيع مستوى تعاونها مع موسكو في سوريا وبعض الملفات المُشتركة الأخرى، وفي سوريا تُريد أن تُظهر لموسكو أنها عنصر توازن إقليمي قوي أمام طهران التي يُتوقع أن يتسع نطاق مناورتها بعد بدء التفاوض مع الجانب الأمريكي حول الملف النووي.

2ـ الملف العراقي: تحاول أنقرة تثبيت معادلة قواعد الاشتباك القائمة على الاستهداف الخفيف بطائرات دون طيار، والعمليات البرية المحدودة، عوضًا عن العمليات العسكرية عالية المستوى، التي خلفت جملة من التصريحات الحادة المتبادلة بين أنقرة وواشنطن.

وترى أنقرة أن دورها سيكون كبيرًا في الملف العراقي مستقبلًا، إذ تنظر إليها واشنطن كعنصر توازن قوى إقليمي جيد للنفوذ الإيراني، وفي إطار ذلك اجتمع السفير التركي لدى بغداد مع مستشار الأمني القومي العراقي قاسم الأعرجي.

3ـ الملف الليبي: التقى أردوغان برئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في 26 من مارس/آذارالحاليّ، لتنسيق العلاقات في ظل مسار الحل الدبلوماسي الماضي بدعمٍ أمريكي أوروبي، إذ تسعى أنقرة لسحب المقاتلين باسمها هناك، وضمان مصالحها قدر الإمكان، قبل وضع واشنطن ثقلها في الملف. 

4ـ الملف الإيراني: سارعت تركيا لدعوة وزير الخارجية الصينية لزيارة البلاد، للنظر في آليات التعاون متعدد التوجهات الاقتصادية والجيوسياسية مع بكين، في ظل توقيع الطرفين اتفاقية إستراتيجية جاءت بمثابة البديل للاتفاقية الإستراتيجية الموقعة بين طهران وموسكو، التي انتهت مطلع العام الحاليّ.

وكان الهدف من الزيارة واضحًا، فقد تم على مستوى تقني وليس رفيعًا، كما تم تباحث آليات الحفاظ على مستوى تعاون رفيع مع طهران من خلال استقبال وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف من قبيل نظيره التركي في إسطنبول، وهنا تجدر الإشارة إلى أن ظريف زار للنظر في آلية التعاون الثنائي بعد انطلاق المبادرة التركية ـ الروسية ـ القطرية بخصوص تفعيل بوادر الحل في سوريا، بانطلاق منصة جديدة موازية لآستانة، بما يعني استثناء طهران.  

سادت لغة العسكر في النصف الثاني من العام الماضي في هذا الملف، فأنقرة حاولت التخفيف من حدة التصريحات موخرًا

5ـ تخفيف مستوى المشاكل واتباع تكتيك الصراع التوافقي، وانعكس ذلك من خلال لقاء أردوغان بالمنفي، وترحيب الخارجية التركية بحفاوة بالبيان الصادر عن اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي، الذي أبدى استعداده لتطوير العلاقات مع أنقرة تدريجيًا وفق مبدأ المصالح المشتركة، فضلًا عن التحرك بواقعية من خلال بدء التفاوض والحوار مع برلين في ملفي البحر المتوسط وليبيا.

وتشمل هذه النقطة تخفيف التوتر مع كل الدول العربية بما فيها الإمارات والانفتاح تجاه العلاقة المقطوعة مع مصر، وسط تصريحات إيجابية صدرت عن الخارجية التركية باتجاه الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها فرنسا التي تُعد المنافس الأكبر لتركيا والدول العربية، فأردوغان شدد، خلال مؤتمر حزبه، على رغبة بلاده الجادة في توسيع دائرة الأصدقاء وإنهاء الخصومات. 

6ـ ليبرالية التوجه، إذ تحاول الحكومة التركية إظهار اهتمامها بالملفات الليبرالية التي تواكب طموح الإدارة الأمريكية الجديد، فقد رحبت الخارجية التركية بشدة بدعوة بايدن لأردوغان لحضور قمة المناخ، واتجهت أنقرة، عبر قنصليتها في الموصل، بتوقيع اتفاقية للتعاون البيئي مع بغداد. 

7ـ تدعيم مبادرات الحل الدبلوماسي التي تدعمها واشنطن بما يشمل عملية السلام بين الحكومة الأفغانية وطالبان، ومسار الحل التوافقي في ليبيا، وكذلك الحل التوافقي في الملف الأذربيجاني ـ الأرمني، إذ سادت لغة العسكر في النصف الثاني من العام الماضي في هذا الملف، وأنقرة حاولت التخفيف من حدة التصريحات موخرًا، فقد عبر وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو عن إمكانية بلاده إعادة بناء علاقات مع أرمينا في حال التزمت باتفاق وقف إطلاق النار في إقليم قره باغ، وأخيرًا سوريا، حيث يُتوقَع أن تتحول السياسة الخارجية من الصدام والمواجهة إلى التفاوض والتقارب عبر فتح قنوات التواصل الدبلوماسية والاستخباراتية. 

الخاتمة

يمثل الموقف الحاليّ للحكومة التركية من التعديلات، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي، توجهًا حقيقيًا لإحراز تغييرات فاعلة، وترمي الحكومة التركية إلى تحسين الوضعين الاقتصادي والحقوقي وإعادة هيكلة الحزب والحكومة والأحزاب من جديد، تمهيدا للانتخابات المقبلة 2023.

أيضًا، تسعى الحكومة التركية لإعادة بلورة نهج سياساتها الخارجية تماشيًا مع منهاج الإدارة الأمريكية الجديدة، إذ بدت الحكومة التركية تميل لتوجهات ليبرالية نسبيًا وأخرى ذات صبغة تصالحية، أملًا في الحفاظ على دورها الفعال في كل الملفات الساخنة في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز.