ترجمة وتحرير نون بوست

بالعودة إلى أوائل العقد الأول من القرن الحالي، عندما بدأت في استعمال الطائرات المسيّرة لأول مرة، توقعت في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز" أنه إذا تمكنت من امتلاك طائرة مسيّرة، فإنه يمكن لأي شخص امتلاكها، وهذا من شأنه أن يكون له عواقب وخيمة على السياسة العالمية. في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" تسيطران على تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة إلى حد كبير، لكنني لاحظت أنه من المحتم أن تنتشر على نطاق واسع وتغيّر طبيعة الصراع بين الدول. 

كان الاستخدام المحدد الذي تخيلته لهذه التكنولوجيا هو استعمالها في تنفيذ الاغتيالات، وقد تكهن هنري سوكولسكي مؤخرًا بأنه يمكن استخدامها أيضًا لاستهداف البنية التحتية الحيوية مثل محطات الطاقة النووية. لم تظهر أي من هذه التهديدات بشكل كبير حتى الآن، لكن الساحة العالمية قد تغيّرت بالفعل بسبب الطائرات العسكرية المُسيّرة.

تعتبر تركيا الفاعل الرئيسي في هذا التطور في ظل حكم رئيسها السلطوي رجب طيب أردوغان. لقد طورت البلاد أسطولها الخاص من الطائرات المُسيّرة محلية الصنع واستخدمته لإحداث تأثير مدمر في العديد من النزاعات العسكرية الأخيرة: على غرار ليبيا، وسوريا، في نزاع ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، وفي القتال ضد حزب العمال الكردستاني داخل حدودها. وفي إطار هذه العملية، أصبحت تركيا وسيطا إقليميا رئيسيا يتمتّع بقدرة أكبر على تغيير نتائج النزاعات مقارنة بروسيا أو الصين أو الولايات المتحدة.

طُوّرت الطائرات المسيرة التركية مثل "بيرقدار تي بي 2" و"تي إيه أي أنكا" من قبل شركة الدفاع التركية "بايكار" بقيادة مصمم الطائرات المسيّرة الذي تلقى تعليمه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، سلجوق أوزديمير بيرقدار، الذي تزوّج لاحقًا من ابنة أردوغان. 

كان الدافع وراء إنشاء طائرة مسيّرة مصنّعة محليا مدفوعا بالحظر العسكري الأمريكي في سنة 1975، وإحجام واشنطن عن بيع طائراتها المتطورة من طراز "بريداتور" و"ريبر" لتركيا. ويُذكر أن تركيا اشترت طائرات "هيرون" المُسيرة من "إسرائيل"، ولكنها وجدت هذه العلاقة إشكالية أيضًا. لا يعد تصنيع الطائرات المُسيّرة صعبًا، كما أن أحدث الطائرات التركية مثيرة للإعجاب. بعبارة أخرى، يمكن أن تحل طائرات "تي بي 2" في السماء لمدة 24 ساعة، ويمكنها القيام بمهام الاستطلاع والهجوم على حد سواء.

برزت فعالية هذه الأسلحة لأول مرة خارج الحدود التركية وتحديدا في حرب سوريا في شهر آذار/ مارس 2020، عندما شنّت أنقرة هجوما مدمرا على القوات المسلحة السورية التي كانت تزحف نحو محافظة إدلب على طول الحدود التركية، وذلك ردًا على هجوم سوري مدعوم من روسيا أدى إلى مقتل 36 جنديا تركيًا. وقد أظهرت لقطات الفيديو كيف دمّرت هذه التكنولوجيا السيارات المدرعة السورية واحدة تلو الأخرى، بما في ذلك أكثر من 100 دبابة، وناقلات جنود مدرعة وأنظمة الدفاع الجوية. أجهِض الهجوم السوري تمامًا، وتم تأمين محافظة إدلب لتكون ملاذًا للاجئين

في شهر أيار/ مايو، استُخدِمت طائرات تركية مُسيّرة لمهاجمة قاعدة جويّة في ليبيا يستخدمها الجيش الوطني الليبي المدعوم من الإمارات العربية المتحدة بقيادة المُنشق خليفة حفتر، مما وضع حدًا للهجوم الذي شنّه الجيش الوطني الليبي على طرابلس. وخلال نزاع ناغورنو كاراباخ في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، تدخّلت الطائرات التركية المُسيّرة للدفاع عن أذربيجان ضد أرمينيا ودمرت 200 دبابة و90 مركبة مدرعة أخرى و182 قطعة مدفعية، مما أجبر أرمينيا على الانسحاب من أراضي أذربيجان. وقد أصبحت هذه التكنولوجيا مصدر فخر قومي بالنسبة لتركيا، كما يوحي هذا الفيديو المؤيد لأذربيجان.

 

يبدو لي أن استخدام تركيا للطائرات المُسيّرة سوف يُغيّر طبيعة القوة البرية بطرق من شأنها أن تقوّض هياكل القوة الحالية، بنفس الطريقة التي أنهت من خلالها المدرعة البحرية الأصناف السابقة من السفن البحرية، وتفوقت من خلالها حاملة الطائرات على السفن الحربية نفسها في بداية الحرب العالمية الثانية. 

إن فعالية القوات البرية المسلحة من النوع الذي هزم العراق مرتين في حربي الخليج (سنة 1991 و2003) تقوم على الدبابات التي كان تفوقها يعود إلى حقيقة استمرت لسنوات عديدة مفادها أنه لا يمكن تدمير دبابة إلا باستعمال دبابة أخرى. وتمثلت إحدى الحقائق غير المعروفة عن حرب 1967 في الشرق الأوسط في أن اثنين فقط من الدبابات المصرية دُمّرت من الجو في الغارة الجوية التي شنتها إسرائيل، لأنه كان من الصعب للغاية إصابة هدف صغير جدا باستخدام طائرة. 

في السنوات التي تلت ذلك، بدأت الذخائر دقيقة التوجيه في الانتشار مما جعل استهداف الدبابات أسهل بكثير، ولكنها مازالت تحتاج إلى منصات باهظة الثمن مثل الطائرة الهجومية ذات الدعم الوثيق من طراز "أيه-10"، مما استدعى بدوره وجود دفاعات جوية باهظة الثمن لمواجهة طائرات الخصم المتطورة.

لقد غيّرت الطائرات المُسيّرة المشهد الآن إلى حد كبير لأنها رخيصة نسبيًا، ويصعب هزيمتها، ولا تعرض حياة الطيارين للخطر. تتدافع الجيوش الآن في جميع أنحاء العالم لمعرفة كيفية الدفاع عن أنفسها ضد الطائرات المُسيّرة، وليس من الواضح من سيفوز في سباق التسلح بالطائرات المُسيّرة والأنظمة الدفاعية المضادة لهذا النوع من الطائرات. ولكن من المرجح أن تكون آخر معركة ضخمة للدبابات شهدها العالم خلال حرب العراق في سنة 2003.

لقد ساهمت الطائرات المُسيّرة بشكل كبير في بروز تركيا كقوة إقليمية في سنة 2020. وقد تمكنت تركيا حاليا وبشكل حاسم من التأثير على نتائج ثلاثة صراعات، وهي تَعِد بالقيام بالمزيد. أصبح الشرق الأوسط، التي لطالما بدا أنه مستقطب على طول الخطوط السنية الشيعية بقيادة الخصمين الأساسيين المملكة العربية السعودية وإيران، متعدد الأقطاب بالفعل الآن. لم تظهر تركيا انحيازها بشكل دائم إلى أي طرف، وقد عارضت نظراءها من القوى السنية، وعلى وجه الخصوص دول الخليج، في ليبيا. تحالفت تركيا مع روسيا من خلال شراء نظام الدفاع الجوي إس-400 في الوقت الذي كانت تهاجم فيه القوات الروسية في سوريا، ورفضت مواءمة أهدافها مع واشنطن رغم استمرار عضويتها في حلف الناتو. كما باعت أيضًا طائرات مُسيّرة  من طراز "تي بي 2" إلى أوكرانيا، مما يهدد بتأجيج ذلك الصراع.

كان لهذه الاستراتيجية بعض النتائج الإيجابية. فقد نجحت تركيا من خلال تدخلها في سوريا في درء هجوم كان ليشكّل عملا من أعمال الإبادة الجماعية ضد اللاجئين الذين فروا إلى محافظة إدلب. ولو نجح الأسد في استعادة السيطرة على المحافظة، لتمكن من إثارة أزمة لاجئين ضخمة أخرى ذات تداعيات كبيرة على أوروبا. ومن غير الواضح ما إذا كان العالم سيكون أفضل حالا لو احتل الجنرال حفتر طرابلس. من ناحية أخرى، أدى التدخل التركي في ناغورنو كاراباخ إلى اندلاع أزمة لاجئين ضخمة للأرمن. في الحقيقة، إن الطبيعة متعددة الجوانب للصراعات في الشرق الأوسط تجعل حلها أكثر صعوبة، وهذا من أسباب استمرار الحرب الأهلية السورية التي مرّ حوالي عقد على اندلاعها.

لا يزال العديد من النقاد الأمريكيين لسياسة الطائرات الأمريكية المُسيّرة يعتقدون أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" هما المستخدمان الرئيسيان لهذه التكنولوجيا في العالم، ولكن هذه الحقيقة اضمحلت بالفعل وسرعان ما سيزاح الستار عن عالم تصبح فيه الطائرات المُسيّرة أسلحة أساسية في ساحة المعركة. وسوف يتساءل أي شخص عما  سيبدو عليه المشهد العالمي بعد عشر سنوات.

المصدر: أميريكان بوربوس