مسلمون يؤدون الصلاة في مسجد في أوترخت في هولندا، خلال شهر رمضان المبارك في 2019.

ترجمة وتحرير نون بوست

مرّت أكثر من سنة منذ اجتياح كوفيد-19 العالم. كنا نشاهد الدول في جميع أنحاء أوروبا تتسابق للسيطرة على الأزمة بعد سنوات من الخصخصة وسحب الاستثمارات من قطاع الخدمات الصحية العامة التي أصبحت تمثّل حاجة ملحة اليوم. لقد واجهنا واقع النظم الاقتصادية التي بنيت لتوفير الأرباح لأقليّة على حساب الأغلبيّة، والآثار المباشرة لتراجع قوّة دولة الرفاهيّة. حتى الآن، رغم كل الوفيات والفقر والبطالة في جميع أنحاء أوروبا، تركز حكوماتنا بشكل أساسي على قمع وتجريم المسلمين. 

مع دخولنا شهر رمضان المبارك، الذي يصوم خلاله ملايين المسلمين حول العالم، تَتبَعُنا أيضا نظرية المؤامرة العنصرية القائلة إن عدد الإصابات سيشهد ارتفاعا خلال هذا الشهر. ظهرت مجددا الرواية ذاتها المعادية للإسلام التي تبنتها الجماعات اليمينية المتطرفة والشخصيات العامة السنة الماضية، بينما يبدو أن غضبهم من عمليات الإغلاق التي "سرقت منهم فرحة عيد الميلاد" قد اختفى من الذاكرة الجماعية. 

هذا هو الخطاب السائد في هولندا. ومع أن إصابات كوفيد-19 ما زالت مرتفعة، إلا أن هولندا كانت آخر دولة في المنطقة تبدأ في تطعيم الناس. قد يعتقد المرء أن التعامل مع هذا الوباء أولوية رئيسية لجميع القادة السياسيين، لكن بدلا من ذلك، بعد أسابيع قليلة من الانتخابات الوطنية التي تحركها الكراهية والانقسام، ما زال الخطاب العام يركز على المسلمين وينظر إليهم على أنهم هم "المشكلة".

على خلفية تمديد حظر التجول الوطني من الساعة 10 مساء حتى 4:30 صباحا، أعرب رئيس بلدية روتردام، أحمد أبو طالب، عن مخاوفه من أن ذلك يتزامن مع شهر رمضان. وذكر أبو طالب أن المسلمين يرغبون في زيارة عائلاتهم خلال هذا الوقت، مشيرا إلى أنهم لن يحترموا القيود لأنهم يفطرون بعد غروب الشمس.

من الملفت للنظر أن السياسيين قد يصفون وجبات الإفطار على أنها أحداث مسببة للانتشار الفائق للعدوى، في الوقت الذي كان فيه أعضاء من اليمين المتطرف يتجمعون في مجموعات ضخمة في الأشهر الأخيرة خلال مظاهرات وتجمعات انتخابية. وعلى نحو مماثل، عندما امتلأت الكنائس التابعة لليمين في الفترة التي سبقت عيد الفصح، لم يتم إلقاء اللوم على أي أحد.

من المفارقات أن هذه التعليقات التي صدرت عن شخص اشتهر لكونه أول عمدة مسلم لمدينة كبيرة في البلاد، لم تمر مرور الكرام. يبدو أن البلد عنصري للغاية لدرجة أنه حتى عندما يؤيّد مواطن مسلم الرواية اليمينية، فإنه يتعرض للهجوم لمجرد كونه مسلمًا. لقد وجد أبو طالب نفسه عرضة لردود فعل يمينية متطرفة بسبب جرأته على الإيحاء بضرورة أن تأخذ الحكومة الهولندية بعين الاعتبار مصلحة المسلمين عند اتخاذ القرارات السياسية.

تدقيق غير متكافئ

لم يُفرض حظر تجول في هذا الوقت من السنة الماضية، وإنما كان الإغلاق الوطني في ذروته مع شعور بأن الرقابة غير المتكافئة ستركّز في الواقع على المسلمين. ولم يتم إعادة فتح المساجد بالكامل، وذلك على الرغم من تخفيف قيود الحماية من كوفيد-19. ربما لا يعد هذا الأمر مفاجئًا، نظرًا لأنه في خضم تفشي جائحة كورونا لم تتوقف الحكومة الهولندية عن تطبيق إجراءات التدقيق على المسلمين. فُرضت على المساجد رقابة أكثر صرامة بشأن مواردها المالية والتدخل "الأجنبي".

في الآونة الأخيرة، اشتد مناخ الكراهية خلال الفترة الانتخابية التي تنامت فيها الممارسات العنصرية المناهضة للمهاجرين والإسلاموفوبيا. وقد قاد هذه الحملة ما حزب منتدى الديمقراطية، الذي تروج قاعدته لمعتقدات ذات طابع تآمري تفيد بأن أفراد الجماعات المضطهدة يشكلون مصدرا للعدوى لأنهم لا يحترمون القيود  المفروضة.

ت

زعيم "حزب من أجل الحرية" خيرت فيلدرز وهو يتحدث إلى وسائل الإعلام في لاهاي في 22 آذار/ مارس 2021.

فاز حزب من أجل الحرية بزعامة خيرت فيلدرز، الذي يدعو إلى حظر المساجد والمصاحف والمدارس الإسلامية، بـ 17 مقعدًا في الانتخابات الوطنية. وقد دعا خلال حملته الانتخابية إلى إنشاء وزارة متخصصة في"الترحيل" والتخلص من الإسلام.

لكن هذه المسألة لم تتوقف عند الحدود الهولندية. خلال السنة الماضية، واجه المسلمون في المملكة المتحدة هجمات دعائية مماثلة من مجموعات وأفراد من اليمين المتطرف. انتشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص يصلون في المساجد، في محاولة لتغذية مشاعر الكراهية والاتهامات بأن المسلمين ومؤسساتهم لا يحترمون قواعد الإغلاق. وقد صوّر أحد المقاطع أشخاصا في مسجد ويمبلي المركزي وهم يؤدون الصلاة على الرغم من القيود المفروضة، إلى أن اكتشف أن المسجد مغلق منذ شهر كانون الثاني/ يناير. 

تقييد الحريات المدنية

على الرغم من السرعة التي يتم بها دحض بعض الاتهامات العنصرية الموجهة ضد المسلمين، إلا أن الضرر قد حدث بالفعل بمجرد وصول هذه القصص إلى الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي. تميزت بداية الجائحة بانتشار وسم # جهاد كورونا على تويتر. ووفقًا لتقرير نشر في مجلة تايم الأمريكية، يُحتمل أن ملايين الأشخاص شاهدوا مثل هذه التغريدات حوالي 300 ألف مرة في غضون أيام قليلة.

تنامت مشاعر الكراهية والممارسات القائمة على الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء أوروبا بدءًا من حظر البرقع في سويسرا، وحرب فرنسا ضد المسلمين من خلال ما يسمى بقوانين مناهضة الانفصالية، مرورا بارتفاع الهجمات ضد المسلمين في ألمانيا، ووصولا إلى تقليص الحريات المدنية في النمسا من أجل مكافحة التطرف.

للأسف، نحن ندخل رمضان في وقت تُفرض فيه المزيد من الإجراءات بهدف تقييد حرياتنا. لكن ديننا من الأديان التي نهتنا عن الاستسلام واليأس. في الحقيقة، ينبغي ألا ننسى أن الهياكل الأساسية للحرب على الإرهاب مثل المراقبة والحظر وغيرها مما يسمى بسياسات مكافحة التطرف قد تم تطويرها في بريطانيا قبل تصديرها إلى جميع أنحاء أوروبا. هذا يجعلنا في المملكة المتحدة في وضع يسمح لنا بتقديم الدعم والموارد للمجتمعات التي يتم تجريمها وإسكات صوتها في البلدان المجاورة. وهذا بدوره من شأنه أن يقوي نضالنا الوطني.

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن لا يمكننا التغلب على هذا المناخ القمعي وتجاوزه سوى بتنظيم المقاومة. لدينا شهر مخصص للتفكير الروحي وإعادة التمركز. ينبغي أن نعتمد عليه من أجل الاتحاد معا ووضع الاستراتيجيات التي من شأنها أن تساعدنا على خوض هذه المعركة واسعة النطاق.

المصدر: ميدل إيست آي