تعهّدت دول جوار ليبيا المجتمعة في الجزائر يومَي الاثنين والثلاثاء الماضيَين، بتكثيف تحركاتها من أجل تحقيق المصالحة الوطنية بين الأشقاء الليبيين، رغم صعوبة المهمة في لقاء يظهر أنه بدأ يحلّ الخلاف الذي كان موجودًا بين هذه الدول، خاصة بين الجزائر وتونس من جهة ومصر من جهة أخرى، لكن نجاح هذا الدور يبقى بتحقيق عدة جوانب، أهمها خروج المرتزقة من البلاد وتوحيد المؤسسات وإجراء انتخابات ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

ورغم الدور الضروري لدول جوار ليبيا في حل أزمة البلد الجار، إلا أن ذلك يبقى مرهونًا بمدى رغبة الليبيين أنفسهم في توديع سنوات الدم والدمار، وبمدى رغبة القوى الدولية الكبرى التي تدير الصراع هناك بإنهاء حالة اللاأمن في هذا البلد النفطي.

بادرة أمل

ما يبعث بصيصًا من التفاؤل في إمكانية لعب دول الجوار دور بارز في حل الأزمة الليبية، هو الحضور النوعي الذي ميّزَ هذا الاجتماع لأول مرة، فقد عرفَ إضافةً إلى مشاركة وزير خارجية الجزائر، البلد المستضيف، مشاركة وزير خارجية ليبيا المعنية بالقضية وكذا تونس ومصر، ولأول مرة وزراء خارجية النيجر وتشاد والسودان التي كانت سابقًا تغيب عن هذه الاجتماعات، حيث كانت تقتصر في الغالب على قمة ثلاثية بين الجزائر والقاهرة وتونس.

حسب رئيس الدبلوماسية الجزائرية، فإن مشاركة وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في اجتماع الجزائر، يعتبر "مؤشّرًا هامًّا على التقدم الكبير الذي أحرزته العملية السياسية لحل الأزمة الليبية".

كما عرفَ اللقاء حضورَ مختلف الهيئات الإقليمية المعنية بالقضية مباشرة، ممثلة في أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، ويان كوبيش المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، وجان كلود غاكوسو وزير خارجية الكونغو، الذي ترأّست بلاده الاتحاد الإفريقي حاليًّا، إضافة إلى بانكول أديوي مفوّض الاتحاد الإفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن.

وقال وزير الشؤون الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، إن هناك مخططات من بعض القوى الأجنبية لتعزيز نفوذها في ليبيا، واستعمالها كمنصّة لإعادة رسم التوازنات الدولية على حساب المصالح الاستراتيجية لليبيا وجيرانها، لذلك وجبَ على دول الجوار الليبي التعاطي والتفاعل مع مستجدّات ما يحدث في ليبيا وفق مقاربة استباقية ورؤية واضحة.

وأضاف لعمامرة أن "أمن واستقرار ليبيا هو من أمننا واستقرارنا جميعًا وازدهارها من ازدهارنا، وليبيا مستقرة وقوية ستشكّل لا محالة ركيزة الأمن والتكامل الاقتصادي الإقليميَّين، لذلك تبقى مجموعة دول جوار ليبيا معنية أكثر من غيرها بالتداعيات المباشرة الناجمة عن الأوضاع المضطربة في هذا البلد المجاور والشقيق، وهو ما أكّدته للأسف البالغ الكثير من الأحداث المأساوية التي تعرّضت لها بلداننا جرّاء غياب الاستقرار في ليبيا".

وحسب رئيس الدبلوماسية الجزائرية، فإن مشاركة وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في اجتماع الجزائر، يعتبر "مؤشّرًا هامًّا على التقدم الكبير الذي أحرزته العملية السياسية لحل الأزمة الليبية".

وما يبعث على الأمل في إمكانية مساهمة دول الجوار في حل الأزمة الليبية، هو اقتناع الجميع وتعهّدهم بأن حل الأزمة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مسار ليبي-ليبي، بدعم وتأييد من قبل المجتمع الدولي، وفي مقدمته دول الجوار.

حضور دول الجوار الجنوبية هي رسالة واضحة على أن كل حلٍّ لهذه الأزمة يجب أن يراعي السيادة الليبية على كل مناطقها، حتى الجنوبية منها التي كانت تغيب في لقاءات سابقة.

وبدا الارتياح من أهمية اجتماع الجزائر على لسان وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، التي قالت إن دول الجوار الليبي "لطالما كانت محرومة من المشاركة في جهود الاستقرار في ليبيا، رغم أنها الأكثر تأثرًا بما يجري في ليبيا".

وأكملت: "لكن بفضل جهود الوزير لعمامرة، وفّرَ هذا الاجتماع فرصة لتبادُل وجهات النظر، ومناقشة الكثير من القضايا المتعلقة بالشأن الليبي، منها التوصُّل إلى قرار تفعيل الاتفاقية الرباعية لتأمين الحدود المشترَكة بين هذه الدول".

وأشارت المنقوش إلى أن رسالة اجتماع الجزائر كانت "واضحة وواحدة وهي دعم ليبيا والتوجُّه الليبي، وهذا ما لمسناه من خلال العمل على توفير المناخ الملائم لمناقشة كافة التفاصيل المتعلقة باستقرار ليبيا، فما لمسناه في هذه المحادثات التي دامت يومَين، هو أن استقرار أمن أي دولة من دول الجوار هو مسألة مصيرية لكل الدول المجاورة".

ويظهر من خلال المناقشات التي تمّت في اجتماع الجزائر، أنه لأول مرة تمّت مناقشة مختلف المشاكل الميدانية بكل وضوح دون تزيين، إضافة إلى أن حضور دول الجوار الجنوبية هي رسالة واضحة على أن كل حل لهذه الأزمة يجب أن يراعي السيادة الليبية على كل مناطقها، حتى الجنوبية منها التي كانت تغيب في لقاءات سابقة.

التزامات

خرج البيان الختامي لاجتماع الجزائر بعدة التزامات ومواقف لدول الجوار الليبي، والتي يرون فيها أنها قادرة على تحقيق المصالحة الوطنية التي قد تعيد الأمن إلى طرابلس.

وأكّد الوزراء التزامهم بمخرجات مؤتمرَي برلين 1 و2، وتمسُّكهم بسيادة ليبيا ووحدتها الوطنية وسلامتها الترابية، ورفضهم القاطع لجميع أشكال التدخُّلات الأجنبية في الشؤون الداخلية اللّيبية.

كما أدانوا استمرار توريد الأسلحة والمرتزقة إلى التشكيلات المسلحة، حيث في ذلك انتهاك صارخ لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وكذلك المحاولات المتعمّدة لبثّ الفرقة بين الليبيين لتقويض كافة الجهود الهادفة إلى حل الأزمة في ليبيا.

وشدّد البيان الختامي على "الدور المحوري لآلية دول الجوار في دعم المسار الليبي برعاية أممية، وأهمية التشاور في منتدى الحوار السياسي الليبي والعمل على التنسيق ما بين اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" ودول الجوار الليبي بشأن موضوع انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية، لوضع آلية فعّالة وعملية بين الجانب الليبي ودول الجوار".

من بين محاور البيان الختامي، تظهر أهمية الاتفاق على توحيد المؤسسة العسكرية لأنها تشكّل نهاية دعاية جيش ليبي يقوده الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

واتّفقَ المجتمعون على تكريس اهتمام خاص بتأثير الأوضاع في ليبيا على دول الجوار الليبي الجنوبي، والعمل على إشراكها في كافة الاجتماعات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالأزمة، وهو الالتزام الأبرز مقارنة بالاجتماعات السابقة.

فقد كانت دول النيجر وتشاد والسودان مغيّبة بالكامل، سواء بسبب المشاكل الداخلية لهذه الدول، أو بشكلٍ متعمّد لإطالة الأزمة في ليبيا، ومن ثم إن هذا القرار قد يحلّ مشكلة تنقّل الأسلحة إلى الساحل الإفريقي، ويمنع تصدير المرتزقة من تشاد وقبائل الجنجويد إلى الجارة الشمالية.

والتزمت الدول السبع المجتمعة في الجزائر على ضرورة التنفيذ الفعلي للأولويات الرئيسية لخارطة الطريق المتّفق عليها، من حيث إجراء الانتخابات في موعدها المقرَّر وفقًا لقرار مجلس الأمن 2570، ومخرجات مؤتمر برلين 2، وخارطة الطريق المنبثِقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي.

كما أنه يجب على المؤسسات الليبية المختصة القيام بتمهيد الأرضية القانونية والدستورية لذلك، وانسحاب القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإنجاز المصالحة الوطنية.

ومن بين هذه المحاور، تظهر أهمية الاتفاق على توحيد المؤسسة العسكرية لأنها تشكّل نهاية دعاية جيش ليبي يقوده الجنرال المتقاعد خليفة حفتر، ما يعني أن مصر التي كانت على الدوام داعمة له أصبحت مرغمة هي الأخرى على التخلي عنه، خاصة بعد التطورات الجديدة التي تحدّق بالشرق الأوسط مع عودة العلاقات بين قطر وتركيا.

وقرر المجتمعون قيام وفد وزاري بزيارة إلى ليبيا لإبداء التضامن مع الشعب الليبي، والتواصُل مع جميع الأطراف الليبية بهدف تقييم مسار العملية السياسية التي تسبق الانتخابات المقرّر إجرائها في نهاية العام الجاري، مع دعم المبادرة الليبية لاستقرار ليبيا بتنفيذ قرارَي مجلس الأمن 2570 و2571 ومخرجات برلين 1 و2 وتنسيق الجهود.

أيضًا القيام بعقد اجتماعات تشاورية قبل استحقاقات قادمة يدعو إليها الجانب الليبي، مع إعادة تفعيل اللجنتَين الفرعيتَين الخاصتَين بالسياسة والأمن، اللتين ترأّسهما على التوالي مصر والجزائر، مع تحديد المواضيع والمسائل التي تتكفّل بها وتأطيرها، على أن تجتمع في أقرب الآجال الممكنة.

عقبات

رغم الصراحة التي ميّزت اجتماع الجزائر، إلا أن الالتزامات التي قدّمها المشاركون وتضمّنَها البيان الختامي، قد تصنَّف في خانة الكلام الوردي، بالنظر إلى حجم العقبات التي تواجه تحقيق تلك الأهداف، وأهمها أن هذه الدول جميعها تواجهُ مشاكل داخلية سياسية وأمنية واقتصادية، تبقى ذات أولوية مقارنة بالأزمات الخارجية والإقليمية، حتى إن كان لهذه الأخيرة تأثيرًا مباشرًا على بعض الأزمات الداخلية.

ويبيّن ذلك أنه من الصعب، على سبيل المثال، تقديم وعود تتعلق بالممارسة الديمقراطية وسيادة مؤسسات الدولة واستقلاليتها في ليبيا، وهو ما تفتقره أغلب دول الجوار.

وتتعلق العقبة الثانية بمدى استطاعة الدول الكبرى المتناحرة حول الخيرات الليبية، القبول بفكرة أن مصلحة الجميع ستكون في ليبيا خالية من العنف وعدم الاستقرار، فحتى إن كان نظام العقيد الراحل معمر القذافي يتحمّل جزءًا كبيرًا ممّا وصلت إليه ليبيا، إلا أن القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وإيطاليا وروسيا كانت لها يد في تحول ليبيا إلى بلد للصراعات الطائفية وتجارة الأسلحة والتنظيمات الإرهابية، بسبب تبايُن أجندة كل طرف هناك.

لعلّ أهم عقبة في تحقيق مخرجات اجتماع الجزائر تتعلق بالأساس بقدرة الليبيين أنفسهم على تخطّي الخلافات التي زرعتها سنوات الحرب والاقتتال الداخلي، والتخلُّص من التخندُق بين جناح طرابلس وجناح بن غازي.

ولا يمكن أيضًا إغفال الخلاف بين دول الجوار، حتى إن أبانت مصر هذه المرة توافقًا مع الموقفَين الجزائري والتونسي، إلا أنها تبقى محلَّ شكّ بالنظر إلى تناغمها مع الأطماع الروسية والإماراتية في المنطقة، وعدم تصريحها الواضح والعلني بإدانة تحركات خليفة حفتر التي تعيق اليوم توحيد المؤسسات الأمنية وفي مقدمتها الجيش.

وأيضًا محاولته المتكررة رفقة عقيلة صالح للتشكيك في عمل حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لذلك أي نجاح لمبادرة دول الجوار تبقى مقترنة بالتخلي عن الأطماع الشخصية لكل بلد، وتغليب مصلحة الليبيين وشعوب المنطقة.

ولعلّ أهم عقبة في تحقيق مخرجات اجتماع الجزائر، تتعلق بالأساس في قدرة الليبيين أنفسهم على تخطّي الخلافات التي زرعتها سنوات الحرب والاقتتال الداخلي، والتخلُّص من التخندق بين جناح طرابلس وجناح بن غازي، حتى إن كان فتح الطريق الساحلي الرابط بين المدينتَين خطوة تصبُّ في هذا الإطار، إلا أن حلحلة ما في نفوس المواطنين وتطييبها من سنوات العنف والإرهاب يبقى الأهم لتحقيق المصالحة الوطنية الليبية، التي تبقى أساسَ نجاح أي خطوة لحلِّ الأزمة التي تعيشها البلاد.

من المؤكد أن اجتماع الجزائر شكّل فرصةً ليس لليبيين فقط في حل أزمة طرابلس، إنما أيضًا لدول الجوار الستّة المتأثِّرة سلبًا بعدم الاستقرار في شمال إفريقيا، خاصة الأمني منه، لكنّ استغلال هذه الفرصة يبقى مرهونًا بتنفيذ ما تعهّد به المجتمعون وبالعمل الميداني والدبلوماسي الذي سيلي هذا الاجتماع، لدفع المسار السياسي في ليبيا خطوة نحو الأمام، ولكي لا يكون اجتماع القاهرة المقبل لقاءً من أجل اللقاء فقط.