أينما حليت في الجزائر وجدت أثرًا عثمانيًّا، يحكي قصة العثمانيين الذين سكنوا البلاد لأكثر من 3 قرون؛ آثار بقيت صامدة رغم محاولات الاستعمار الفرنسي طمسها والتقليل من شأنها، ضمن سياسة اتّبعها المستعمر مع شعوب المناطق التي استعمرها واضطهدها لعقود طويلة.

ضمن هذه الآثار نجدُ المساجد التي أبدع العثمانيون في بنائها وتفنّنوا في تزويقها، وفي هذا التقرير لـ"نون بوست" ضمن ملف الجزائر العثمانية، سنجوب معًا بعض المساجد المنتشرة في عدة أماكن من الجزائر، تلك المساجد التي تعدّ بالعشرات وتحكي جمال العمارة العثمانية.

جامع السفير

أول مسجد عثماني بُني للمذهب الحنفي في الجزائر هو مسجد سفير، حيث بُني عام 1534، في أراضٍ ضُمَّت إلى مدينة القصبة، بعد بناء السور الجديد الذي كان يحيط بالمدينة لتوسيعها.

يعتبر هذا الجامع من أبرز الكنوز الأثرية في القصبة التي قاومت الاحتلال الفرنسي، الذي طالما حاول هدم المعالم الإسلامية في الجزائر العاصمة.

جاءت تسمية جامع سفير من اسم سفر بن عبد الله، أكبر قادة الطائفة البحرية العثمانية بالجزائر في فترة حكم الإخوة بربروس، يظهر الجامع من الخارج على شكل مكعّب، وله واجهتان: واجهة رئيسية تحتوي على مدخلَين يطلّان على شارع الإخوة بشارة، ويوجد مدخل آخر في الواجهة الجنوبية الغربية المطلّة على شارع عبد الحميد روان، يؤدّي مباشرة إلى حجرة الصلاة مربّعة الشكل ومغطاة بقبّة كبيرة قاعدتها مثمّنة الأضلاع، وتتصل القبّة بقاعة الصلاة بـ 4 أعمدة.

يتميّز هذا المسجد بمئذنته ذات الأضلاع الثمانية التي ترجع إلى الأصل الشرقي، الذي بدأ تأثيره يظهر على الطابع المغاربي ذي الأضلاع الأربعة، وأسطح الأروقة المحيطة بالقبّة المركزية تستند إلى سيباطات وأقواس حادة ذات بناء أكثر بساطة وأكثر فعالية، ويوحي المحراب بشيء من الثروة والألوان بزخرفته الخزفية، وهو مغطى بالزليج الأبيض والأزرق.

مسجد سيدي عبد الرحمان

يعود تاريخ المسجد إلى بداية القرن السابع عشر، وهو عبارة عن مسجد وضريح صغير (القبّة) مخصَّص للمفكّر واللاهوتي سيدي عبد الرحمان الثعالبي (1384-1471)، الذي كان فخر أئمة علماء الجزائر في عهد الباشا مصطفى كوسة الذي حكم بين عامَي 1610 و1623.

تُعدّ مئذنة المسجد الذي يوجد في القصبة بالعاصمة الجزائر، من أجمل الآثار التاريخية، ويزيد ارتفاعها على 14 مترًا، وترتكز على أعمدة أسطوانية مزيّنة بزليج، وتتميز بغطاء مقبَّب مماثل لغطاء مساجد الأناضول، كما يوجد في مسجد عبد الرحمان الثعالبي مقبرة دُفن فيها أفراد من سلالته وشخصيات دينية مرموقة. 

مسجد كتشاوة

يعود تاريخ بناء مسجد كتشاوة إلى أكثر من 4 قرون، تحديدًا إلى سنة 1520، على يد أحد أكبر قادة الأساطيل العثمانية وحاكم الجزائر آنذاك خير الدين بربروس (1470-1546)، وتمَّ توسيعه عام 1794 بأمر من الداي حسين باشا، وسُمّي بهذا الاسم نسبة إلى سوق الماعز الذي يُقام في ساحة مجاورة له، ويُعتبَر هذا المسجد تحفة معمارية عثمانية نادرة.

بقيَ المسجد محافظًا عبر مآذنه وصومعته وأعمدته المرمرية وفسيفسائه ونقوشه البديعة، التي تكسو جدرانه الخارجية المقابلة للواجهة البحرية لساحة الشهداء، على طابعه العمراني العثماني والإسلامي، رغم ما مرَّ به أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر وتغييره إلى كنيسة وتضرُّره من الزلزال الذي ضربَ البلاد عام 2003.

 

بعد دخول الاستعمار الفرنسي، تمّ تحويل المسجد إلى مستودع للسلاح ومسكن لرؤساء الأساقفة إلى إسطبل، وبعدها تمَّ تحويله إلى كنيسة بأمر القسيس كولان، فحوّلَ المنبر إلى قداس وضع فيه تمثال السيدة مريم، وسُمّيت فيما بعد كنيسة سان فيليب.

الجامع الجديد

يعود تاريخ تشييد الجامع، الذي يقع بالقصبة السفلى بساحة الشهداء بالعاصمة الجزائر، إلى عام 1660 في عهد الداي مصطفى باشا، عُرف سابقًا بجامع الحواتين نسبة إلى المكان الموجود به المعروف عند عامة الناس بـ"لا بيشري" أو "السماكة"، حيث يُصطاد ويُباع السمك طازجًا.

يتميز الجامع الجديد بوفرة النقوش والفسيفساء، ويضمُّ مجموعة من التحف النادرة منها 4 كراسي من الخشب يتربّع عليها مشايخ العلماء أثناء حلقات العلم، وشمعدان مصنوع من النحاس الخالص.

كما يتزيّن الجامع أيضًا بقبّة مركزية بصلية الشكل، تحملها دعائم ضخمة، وبزخارف جصية منقوشة ومخرَّمة تحمل موضوعات كتابية وهندسية ونباتية، فضلًا عن الرخام الأبيض المطعَّم بالحجارة الملونة.

 

يحتوي المسجد أيضًا على منبرَين، منبر خشبي عتيق يتوسّط قاعة الصلاة، ومنبر ثانٍ جيء به من مسجد سيدة الذي أحرقته فرنسا بعد عامَين من احتلالها الجزائر، وهو مصنوع من الرخام، فضلًا عن محراب، وتوجد فيه نوافذ صغيرة مصنوعة من الرخام الأبيض تُستعمَل لإضاءة المكان.

جامع علي بتشين

بُني جامع علي بتشين عام 1622، بأمر من علي بتشين رئيس أسطول البحرية الجزائرية في الفترة الممتدة ما بين عامَي 1630 و1646، وأسس على شكل هندسي عثماني فيما اتّخذَت المئذنة شكل مربع وفق المعمار المغاربي الأمازيغي.

 

تحوّل المسجد خلال فترة الاحتلال الفرنسي إلى ثكنة عسكرية للفرنسيين، ليبقى الأمر على حاله إلى غاية عام 1843 حيث تحول المسجد إلى كنيسة تحمل اسم "نوتر دام دي فيكتوار"، قبل أن يستعيد طابعه الأول كمسجد عند استقلال الجزائر عام 1962.

مسجد حسن الباشا

المساجد العثمانية توجد أيضًا في مدينة وهران، حيث نجدُ هناك مسجد حسن باشا، يعود تاريخ تشييده إلى عام 1797 في عهد الباي محمد الكبير، بأمر من بابا حسن باشا الجزائر العاصمة.

عقب الاحتلال الفرنسي للجزائر، سيطرت القوات الاستعمارية على المسجد، لكنها أعادته للجزائرين لممارسة الشعائر فيه عام 1833 بناءً على أوامر الجنرال دي ميشال، مع ذلك سرعان ما تمَّ السيطرة عليه مجدّدًا بأمر من نابليون الثالث، وأُلصقت على أبوابه الأسلحة، وتمَّ إعادة فتحه للمسلمين مرة أخرى بعد فترة.

 

يُزيِّن مدخل هذا المسجد مجموعة من المنحوتات وآيات من القرآن الكريم بالخطّ الكوفي، ومدخل المسجد على شكل الهلال وتحيط بالممرّ العديد من الأعمدة، ويتزيّن بحوض لغسل الأرضية الرخامية البيضاء وهي مغطاة بقبّة صغيرة، فيه يُلاحَظ أثر العثمانيين على صنع المئذنة المتاخمة والمغطاة بالقرميد.

مسجد سيدي الأخضر

نمرُّ الآن بمساجد قسنطينة، تحديدًا مسجد سيدي الأخضر الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1743، كما تدلُّ عليه كتابة الرخامة الموجودة فوق باب مدخل بيت الصلاة، بُني بأمر من الباي حسين بن حسين المعروف ببوحنك الذي دُفن بهذا المسجد بعد وفاته، ويقع بحي الجزارين بمدينة قسنطينة، يعطي المسجد لحي السويقة بقسنطينة مسحة من هيبة التاريخ، فهو من أهم مساجد المدينة.

 

سُمّي الجامع الأخضر أيضًا باسم الجامع الأعظم، وتستندُ شهرته إلى أبي النهضة الجزائرية، الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، الذي قامَ بالتدريس فيه لمختلف طبقات التلاميذ طيلة 21 عامًا، كما فسّر فيه القرآن الكريم على مدى 25 عامًا.

مسجد سيدي الكتاني

تأسّسَ المسجد عام 1776 بأمر صالح باي بسوق العاصر في مدينة قسنطينة، سُمّي بالكتاني نسبة إلى الولي الذي يحمل هذا الاسم والمدفون هناك.

يقع المسجد بالسوق الأسبوعي المعروف بقسنطينة بسوق العاصر، تزيِّن المسجد لوحتان مخطوطتان، الأولى من الرخام والثانية فوق باب المنبر يعود تاريخها إلى عام 1790 تؤرِّخ فترة بنائه.

 

مسجد سوق الغزل

يُطلَق عليه أيضًا اسم جامع الباي حسين، وهو من أهم مساجد مدينة قسنطينة والمراد بالغزل "الصوف المهيَّأ للنسج". أمرَ ببنائه الباي حسين، المعروف باسم "قليان"، يعود تاريخ بنائه إلى عام 1741، عقب الاحتلال الفرنسي تمَّ تحويله إلى كنيسة كاتدرائية وظلَّ كذلك إلى أن رجع إلى أصله بعد الاستقلال.

 

يضمُّ المسجد قبابًا وعقودًا متصالبة مغطاة بالقرميد المستدير أحمر اللون، ويتّخذ شكل المستطيل ويتكوَّن من مدخلَين رئيسيَّين يقعان في الحائط الغربي وينفتحان على رواق عرضي.

هذه المساجد العثمانية المنتشرة في عدة أماكن من الجزائر، تحكي حضارة وعمارة العثمانيين والشراكة بينهم والجزائريين طيلة قرون طويلة، رغم محاولات الاستعمار الفرنسي الممنهَجة لطمس هذه الآثار.