يتصاعد التوتر بين الجزائر وفرنسا يومًا بعد يومٍ، فالتصريحات والإجراءات التي تتخذها الجزائر في الفترة الأخيرة لا تبشر بانفراجة  في العلاقات على المدى القريب، وهو ما تعكسه قرارات ثلاث وزارات بإلزام موظفيهم بضرورة استعمال اللغة العربية فقط في محرراتها الرسمية والتخلي عن اللغة الفرنسية، يصاحبها تحضير البرلمان لإعادة بعث مشروع قانون تجريم الاستعمار.

تعتبر هذه الخطوات استجابةً لمطالب ملايين الجزائريين الداعين للتخلي عن اعتبار الفرنسية اللغة الأجنبية الأولى في المنهاج التعليمي، واستبدالها بالانجليزية باعتبارها لغة العلم الأكثر استعمالًا عالميًا، وهي خطوات اعتبرت أنها ردة فعل واضحة على تصريحات الرئيس الفرنسي التي زعم فيها عدم وجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي في 5 يوليو/تموز سنة 1830.

الثالثة

وجه الأمين العام لوزارة العمل مراسلة إلى المسؤولين والمؤسسات التابعة لقطاعه، اطلع عليها "نون بوست" يطالبهم فيها بوجوب الاستعمال الحصري للغة العربية في جميع المراسلات والتقارير ومحاضر الاجتماعات وكل الوثائق، دون تهاون أو تقصير.

وشدّدت الوزارة على ضرورة الشروع الفوري في تطبيق هذه التعليمات، واتخاذ التدابير التي من شأنها ضمان التطبيق الصارم للقرار، ولم تتضمن التعليمات قرارًا صريحًا بالتخلي عن استعمال اللغة الفرنسية، إلا أن الإلزام  بالاستعمال الحصري للعربية في الوثائق الرسمية يعني آليًا التخلي عن استعمال لغة المستعمر في قطاع وزارة العمل.

وصنفت خطوة وزارة العمل على أنها رسالة موجهة للخارج ولفرنسا بالذات، كونها الثالثة بعد أيام من اتخاذ وزارتي الشباب والرياضة والتكوين المهني الخطوة ذاتها، التي تزامنت مع توتر في العلاقات بين البلدين، استدعت فيها الجزائر سفيرها بباريس للتشاور عقب تصريحات مستفزة صادرة عن الرئيس إيمانويل ماكرون باتجاه الجزائر.

وتتوقع أوساط جزائرية أن يتوسع هذا القرار القاضي بالتخلي عن استعمال لغة مولير لعدة قطاعات وزارية حتى تلك التي يصعب فيها تقنيًا حسب البعض التخلي عن الفرنسية، كقطاع الصحة والمعاملات الطبية، وهو ما أقدمت عليه المؤسسة العمومية الاستشفائية حكيم العقبي بولاية قالمة شرق الجزائر التي أمرت موظفيها بإنهاء استعمالهم للغة الفرنسية، وإلزامية استخدام العربية فقط في المراسلات الرسمية للإدارة.

خلال كل موسم دراسي وجامعي، يعود في الجزائر جدل يدعو للتخلص من الفرنسية في البرنامج التعليمي والعمل على تعزيز تعلم اللغة الإنجليزية، وهو المطلب الذي أصبح مشروع عمل على مستوى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عهد الوزير السابق الطيب بوزيد، والمستمر حتى اليوم

ورغم أن هذا القرار لم يصدر بصفة رسمية من جهات عليا كرئاسة الجمهورية أو الوزارة الأولى، فإن تقارير متطابقة تحدثت عن توجيه تعليمة شفوية من السلطات العليا في الجزائر لمختلف القطاعات تأمرهم بضرورة الالتزام بقانون استعمال اللغة الوطنية في الإدارة الجزائرية.

ثورة التعريب

تخوض الجزائر التي بقيت طول 132 سنة تحت وطأة الاستعمار الفرنسي منذ استقلالها حربًا ضد فرنسة مختلف قطاعات الدولة، فقد بدأت ثورة التعريب في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، حينما تم الشروع في تعريب البرامج الدراسية، وهي الخطوة التي تعززت بقانون تعميم استعمال اللغة العربية الصادر في يناير/كانون الثاني 1991، الذي بقي تطبيقه مجمدًا، ونفذ في عهد الرئيس السابق اليامين زروال، لتعود بعده الإدارات التي يسيطر عليها تيار فرانكفوني، خاصة في المجالات الاقتصادية إلى عادتها القديمة في عهد الرئيس الراحل منذ أسابيع عبد العزيز بوتفليقة، الذي عزز عودة الفرنسية بقوة إلى الجزائر بالإصلاحات التي أجراها على المنظومة التربوية باستعانته بخبراء تغريبيين ومستشارين فرنسيين في تغيير المنهاج التربوي.

وتلتزم بقانون تعميم اللغة العربية اليوم وزارة الدفاع ومختلف الهيئات التابعة للجيش، وكذا بعض القطاعات الأخرى مثل وزارة الشؤون الدينية، وإن كان في يد الدولة إمكانية التخلص من الفرنسية في وثائقها الرسمية، فإن الحرب على ما زرعه الاستعمار سابقًا يتطلب أيضًا إلزام القطاع الخاص بتطبيق هذا القرار.

وخلال كل موسم دراسي وجامعي، يعود في الجزائر جدل يدعو للتخلص من الفرنسية في البرنامج التعليمي والعمل على تعزيز تعلم اللغة الإنجليزية، وهو المطلب الذي أصبح مشروع عمل على مستوى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عهد الوزير السابق الطيب بوزيد، والمستمر حتى اليوم رغم اتهامات للوزير الحاليّ عبد الباقي بن زيان بعدم تسريع المشروع بالشكل المطلوب منذ توليه مقاليد هذا القطاع.

تجريم

لم تتوقف ردة الفعل تجاه الاستفزازات الفرنسية على الدعوة للتخلي عن استعمالها لغة فولتير في المعاملات الرسمية، إنما تعالت من جديد الأصوات المنادية بسن قانون تجريم الاستعمار الذي تم رفضه في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وطُرح مشروع قانون تجريم الاستعمار كمقترح من البرلمان عام 2012، لكن الحكومة رفضته في عهد بوتفليقة بحجة عدم توتير العلاقات مع باريس، رغم إصدار فرنسا في 23 فبراير/شباط 2005 قانونًا يمجد الاستعمار الفرنسي.

وحسب القانون الداخلي للبرلمان، فإن أي مقترح قانون يقدمه النواب يعرض على رئاسة المجلس الشعبي الوطني لدراسته، ثم يتم تحويله للحكومة التي تملك حق رفضه أو قبوله، قبل عرضه للنقاش والمصادقة ليدخل حيز التنفيذ بعد أن يوقعه رئيس الجمهورية.

وبداية أكتوبر/تشرين الأول، أعلن برلمانيون نيتهم إعادة بعث مشروع قانون تجريم الاستعمار عقب التصريحات المستفزة لماكرون تجاه الجزائر، وهو المشروع الذي يلقى موافقة من مختلف الكتل البرلمانية سواء المعارضة أم الموالية للحكومة.

وقال النائب عن حركة مجتمع السلم (حزب إسلامي) يوسف عجيسة: "هذا المشروع يجري حاليًّا النقاش بشأنه مع نواب من عدة كتل في هدوء، ووفق دراسة جادة من جميع الجوانب القانونية ليكون عملًا جماعيًا من جميع الكتل النيابية قبل عرضه".

يفتح قانون تجريم الاستعمار الباب لإمكانية محاكمة مختلف المسؤولين الفرنسيين الذين ارتكبوا جرائم بحق الجزائريين خلال فترة الاحتلال الفرنسي، إضافة إلى إمكانية مقاضاة الدولة الفرنسية بحد ذاتها والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تسببت فيها

الإثنين الماضي، نظم البرلمان الجزائري يومًا دراسيًا تحت عنوان: "البرلمان الفرنسي.. كفى حروبًا بالوكالة"، أكدت فيه مختلف الكتل البرلمانية تمسكها بمشروع قانون تجريم الاستعمار.

ويوحي تنظيم هذه الندوة وبمشاركة أحزاب الموالاة أن السلطات العليا في البلاد أعطت الضوء الأخضر لتحريك ورقة قانون تجريم الاستعمار ضد فرنسا، وهي التي جمدته في السنوات الماضية بحجة المحافظة على التوازنات في العلاقات، إلا أن الوضع اليوم يختلف بسبب تصاعد الاستفزازات الفرنسية.

وحسب صحيفة المساء الحكومية، فقد ركزت مداخلات رؤساء الكتل البرلمانية الست على ضرورة "المرور السريع والرسمي إلى سن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي بالجزائر. 

ونبه رئيس الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم أحمد صادوق إلى ضرورة أن يتضمن المشروع ثلاث نقاط أساسية هي: "الاعتراف والاعتذار والتعويض"، لأن "وقت الاستنكار والتنديد انتهى، ولا بد من الرد على فرنسا الاستعمارية، التي لم تجد حرجًا في سن قانون لتمجيد الاستعمار سنة 2005، ثم تكريم الحركى، وإيواء رؤوس الفتنة لحركة "الماك" الإرهابية، دون مراعاة لمشاعر الشعب الجزائري والعلاقات الودية التي تربط البلدين".

ويفتح قانون تجريم الاستعمار الباب لإمكانية محاكمة مختلف المسؤولين الفرنسيين الذين ارتكبوا جرائم بحق الجزائريين خلال فترة الاحتلال الفرنسي، إضافة إلى إمكانية مقاضاة الدولة الفرنسية بحد ذاتها والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تسببت فيها، وهو إجراء يراه الجزائريون ضروريًا، بل يعيبون على السلطة عدم إصداره، لأن مطالب الاعتذار والاعتراف لا تتحقق دون سند قانوني.

لقاء

في خضم هذا التوتر بين البلدين، التقى وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة الثلاثاء نظيره الفرنسي جون إيف لودريان دون بكيغالي، على هامش اجتماع للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي.

وقال لودريان لوكالة الأنباء الفرنسية: "التقيت لعمامرة وتبادلنا حديث مجاملة"، مضيفًا أنهما تحدثا خصوصًا عن عملية الانتقال في ليبيا، التي ستشكل محور مؤتمر دولي في 12 نوفمبر/تشرين الثاني في باريس.

ولم يحمل تصريح لودريان أي إشارة لمناقشة التوتر الحاصل في العلاقات بين البلدين، كما لم يشر إلى مشاركة الجزائر في لقاء باريس من عدمه، أما الخارجية الجزائرية فقد تجاهلت اللقاء، ولم تصدر أي بيان بشأنه كما جرى بشأن مسؤوليين أوروبيين وإفريقيين آخرين.

ويظهر أن السلطات الجزائرية لا ترغب في الوقت الحاليّ التغاضي عن الاستفزازات الفرنسية كما كان يتم في بعض الحالات سابقًا، إذ انتقدت الثلاثاء وكالة الأنباء الجزائرية بث وكالة الأنباء الفرنسية ريبورتاجًا عن الهجرة غير الشرعية، قالت إنه تضمن محتوى يحمل "مغالطات كبيرة وزيفًا إعلاميًا واضحًا، مسجلة بذلك انزلاقًا خطيرًا آخر يضاف إلى سجلها الحافل بالأخبار الكاذبة الموجهة حصريًا ضد الجزائر".

إن كان الإعلام الفرنسي قد استهجن ما أسماه "حملة ضد استعمال اللغة الفرنسية في الجزائر"، فإن ذلك يبقى مجرد تمويه لحقيقة الحرب الخفية بين البلدين، التي يبقى الاقتصاد والذاكرة أساسها

وتضمن الريبورتاج  تصريحات لمهاجرين جزائريين يقولون إنهم "يفضلون الموت غرقًا في رحلتهم إلى إسبانيا على البقاء في الجزائر".

وقالت وكالة الأنباء الرسمية الجزائرية إن وكالة أنباء فرانس برس "نصبت نفسها في الفترة الأخيرة جهاز بروباغندا مسخر بامتياز لخوض حرب إعلامية بالوكالة لفائدة جهات تكن العداء للجزائر، بسبب ثباتها على مواقفها التاريخية إزاء القضايا الدولية العادلة، ونجاحها كفاعل إقليمي وإستراتيجي في إحلال السلم والأمن والتوافق الدولي".

وبدورها طالبت وزارة الاتصال وكالة الأنباء الفرنسية بـ"التوقف الفوري" عما أسمته "حملتها العدائية البغيضة ضد الجزائر"، محذرة من تطبيق القانون الساري في مثل هذه الحالات المتمثل حسب الحالة في عدم منحها الاعتماد ومنعها من الممارسة في الجزائر تحت أي غطاء وبأي صفة كانت.

ويعكس هذا الخطاب الصادر عن وزارة الاتصال ووكالة الأنباء الجزائرية لسان حال الحكومة أن اللقاء الذي جرى بين لعمامرة ولودريان لم ينجح في إذابة الجليد الذي يميز العلاقات الفرنسية الجزائرية، ما ينبئ بمزيد من التصعيد، وفي ظل تواصل خسارة باريس للامتيازات الاقتصادية في الجزائر سيكون النبش في ملفات الذاكرة واستهداف الجزائريين السبيل الذي ستنتهجه إدارة ماكرون لتعويض هزائمها الأخيرة في القارة السمراء، خاصة أن الأمر يتعلق بحملة رئاسية مسبقة لانتخابات أبريل/نيسان المقبل.

وإن كان الإعلام الفرنسي قد استهجن ما أسماه "حملة ضد استعمال اللغة الفرنسية في الجزائر"، فإن ذلك يبقى مجرد تمويه لحقيقة الحرب الخفية بين البلدين، التي يبقى الاقتصاد والذاكرة أساسها.