يُلاحق المرزوقي بتهمة التحريض ضد أمن الدولة.

مباشرة إثر انقلابه الدستوري، شدّد الرئيس التونسي قيس سعيّد على ضرورة حماية الحقوق والحريات في بلاده وألّا سبيل للعودة إلى الوراء في هذه المسألة، لكن ليس كل ما يُقال يمكن أن يتمَّ تصديقه، فالواقع يقول عكس ذلك.

مرَّ أكثر من 100 يوم على انقلاب سعيّد الدستوري، وواقع الحريات في هذا البلد العربي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فهناك رئيس سابق مُلاحق، ونواب وصحفيون في السجن، ومؤسسات إعلامية خاصة تمَّ إغلاقها بالقوة.

ملاحقة المرزوقي

في سابقة من نوعها، أصدرَ القضاء التونسي بطاقة جلب دولية بحقّ الرئيس الأسبق، المنصف المرزوقي، وفق ما أفادت وكالة "تونس أفريقيا" الرسمية للأنباء أمس الخميس، ونقلت الوكالة عن مكتب الاتصال بالمحكمة الابتدائية في تونس العاصمة قوله إن المذكرة أصدرها قاضي التحقيق المسؤول عن قضية المرزوقي.

يأتي هذا القرار بعد أسابيع قليلة من طلب الرئيس التونسي قيس سعيّد -أثناء ترؤُّسه أول اجتماع للحكومة الجديدة- من وزيرة العدل ليلى جفال، فتح تحقيق قضائي "بحقّ من يتآمرون على تونس في الخارج".

كما شدّد على أنه "لن يقبل أن توضع سيادة تونس على طاولة المفاوضات"، في إشارة للمرزوقي الذي عبّر عن فرحه بتأجيل عقد القمة الفرنكفونية في تونس، التي كان من المزمع تنظيمها يومَي 20 و21 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي.

سجّلت تونس بعد انقلاب قيس سعيّد الدستوري ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي، ارتفاعًا في التضييقات ضدّ الصحفيين.

في الاجتماع نفسه أيضًا، قال قيس سعيّد إنه سيسحب جواز السفر الدبلوماسي من المرزوقي بدعوى التحريض ضد أمن الدولة، بعد أن شارك المرزوقي في وقفة احتجاجية في باريس ضد قرارات سعيّد التي وصفها بالانقلابية، كما وصف سعيّد بالدكتاتور وطالب السلطات الفرنسية بعدم التعاون مع النظام الانقلابي في تونس.

في أول ردّ له على إصدار مذكرة اعتقال دولية بحقّه، قال المرزوقي لـ"الجزيرة" إن الأمر فيه رسالة تهديد لكل التونسيين، مضيفًا أنه لم يستغرب هذا القرار من السلطات، وقال إنها "خطوة متوقّعة بسبب مواقفي من الانقلاب".

وسبق أن نفى المرزوقي دعوته قوى خارجية للتدخُّل في شؤون تونس، وقال -خلال مقابلة مع قناة "الجزيرة مباشر"- إنه "في الوقت الذي طلبتُ فيه من فرنسا عدم دعم الانقلاب وعدم التدخُّل في قضايا تونس، اتّهموني بأني أدعو للتدخُّل الخارجي. هذا الكلام أقوله للدول الأخرى منذ 30 سنة، لا تتدخلوا في تونس ولا تدعموا الدكتاتورية".

أضاف: "لم تعطني الإذاعات الوطنية حق الرد. هو (سعيّد) ثالث دكتاتور أتعامل معه، كأن التاريخ يعيد نفسه؛ هذه هي التُّهم نفسها التي سمعتها في عهد بن علي وبورقيبة". ومضى قائلًا: "الدكتاتورية لا تقبل المعارضة، المعارض هو خائن دائمًا في عيونهم".

عقب صدور مذكرة الاعتقال، تتالت المواقف والردود الرافضة لها، إذ قال وزير التربية الأسبق والقيادي بحزب التيار الديمقراطي، محمد الحامدي، إن قرار إصدار بطاقة جلب دولية بحقّ رئيس الجمهورية الأسبق محمد منصف المرزوقي، ''فضيحة ستزيد من تردّي صورة بلادنا في الخارج''.

بدوره دعا السياسي أحمد نجيب الشابي إلى سحب بطاقة الجلب الدولية الصادرة بحقّ رئيس الجمهورية الأسبق منصف المرزوقي، معتبرًا أن ما صرّح به المرزوقي رأي وموقف سياسي، ''اتفقنا معه أم خالفناه''.

نوّاب وصحفيون في السجن

الملاحقات القضائية في حق التونسيين لم تتوقف هنا، حيث عدة نواب أودعوا السجن على غرار النائب والمحامي سيف الدين مخلوف، بتهمة "المسّ من معنويات الجيش ونشر أخبار زائفة"، وذلك على إثر حوار بين مساعد وكيل جمهورية عسكري والنائب سيف الدين مخلوف في بهو المحكمة العسكرية حول أمن البلاد بمناسبة تواجُد الأستاذ سيف الدين مخلوف صدفة في المحكمة.

إلى جانب مخلوف، كان قاضي التحقيق الأول بالمحكمة العسكرية الدائمة بتونس، قد أصدر بطاقة إيداع بالسجن بحقّ النائب عن "ائتلاف الكرامة" نضال سعودي، في ما يُعرَف بقضية المطار التي أثيرت من قِبل النقابات الأمنية.

كما يُلاحق النائب عن ائتلاف الكرامة ماهر زيد على خلفية قضايا متعدّدة، وحُكم عليه قبل أيام بـ 4 سنوات بالسجن، وعلى إثر النطق بالحكم اقتادت فرقة أمنية ابن ماهر زيد (16 سنة) وابنته (19 سنة) لوجهة غير معلومة، بعد "ترويعهما وبعثرة محتويات المنزل وأخذ بعض اللأغراض"، وفق تعبير محامية زيد، ليتمَّ إطلاق سراحهما فيما بعد.

لم يسبق أن شهدت تونس قرارات مماثلة بإغلاق مؤسسات إعلامية، الأمر الذي أثار مخاوف العديد من التونسيين بشأن حرية الصحافة والتعبير في بلادهم.

إلى جانب ذلك، سجّلت تونس بعد انقلاب قيس سعيّد الدستوري ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي، ارتفاع التضييقات ضدّ الصحفيين، إذ تمَّ إصدار بطاقة إيداع في السجن بحقّ الإعلامي في قناة "الزيتونة" عامر عياد، على خلفية برنامج تلفزيوني بثّته القناة وقراءة قصيدة لأحمد مطر.

كما سبق أن أصدرت دائرة الاتهام بمحكمة سوسة في الساحل التونسي، في أكتوبر/ تشرين الأول، بطاقة إيداع بالسجن بحقّ الصحفية شذى الحاج مبارك و3 موظفين، وإدراج صاحب الشركة وقرينته وشخص ثالث في التفتيش لوجودهم خارج تونس، فيما يُعرَف إعلاميًّا بقضية شركة "إنستالينغو".

ووُجِّهت الاتهامات للعاملين في الشركة بأنهم قاموا بـ"الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة أو حمل السكّان على مهاجمة بعضهم بالسلاح" و"إثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي"، إضافة إلى تهمة "ارتكاب أحد الاعتداءات ضد أمن الدولة الداخلي" و"ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة".

ويُعتبَر الزجّ بالصحفيين والنواب سابقة في تاريخ تونس ما بعد الثورة، إذ لم يسبق الزجّ بهم في السجون بسبب آرائهم، وهو ما اعتبره الكثير من المتابعين للشأن التونسي مؤشِّرًا خطيرًا على تراجُع حرية التعبير في تونس، بعد قرارات قيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021، والتي قرّر فيها تجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة والجمع بين السلطتَين التشريعية والتنفيذية.

إغلاق مؤسسات إعلامية

فضلًا عن ذلك، شهدت تونس هذه الأيام إغلاق عدة مؤسسات إعلامية، إذ قرّرت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، الهيئة المسؤولة عن تنظيم القطاع السمعي البصري في تونس، إغلاق قناة "نسمة" و"الزيتونة" و"حنبعل" و"إذاعة القرآن الكريم"، علمًا أن هذه المؤسسات تعمل منذ سنوات في البلاد.

"حرية التعبير" مكسب انتزعه التونسيون منذ ثورة 2011 بعد عقود من القمع والاستبداد، إلا أن الواقع الذي تعيشه تونس منذ 25 يوليو/ تموز الماضي يوحي أن هذا المكسب مهدّد بالزوال

ولم يسبق أن شهدت تونس قرارات مماثلة بإغلاق مؤسسات إعلامية، الأمر الذي أثار مخاوف العديد من التونسيين بشأن حرية الصحافة والتعبير في بلادهم، فهذه القرارات مؤشِّر على وجود مساعٍ جدّية نحو الحد من حرية التعبير وقمع المؤسسات الصحفية المعارضة لقيس سعيّد.

إلى جانب ذلك، تتالت قرارات منع السفر بحقّ المواطنين، وفرض الإقامة الجبرية على عدد من نواب البرلمان، في وقت أكّد فيه الرئيس قيس سعيّد أنه لا مساس بالحقوق والحريات، ما أعاد للأذهان أجواء الاستبداد التي ظنَّ التونسيون أنهم ودّعوها بعد الثورة.

"حرية التعبير" مكسب انتزعه التونسيون منذ ثورة 2011 بعد عقود من القمع والاستبداد، إلا أن الواقع الذي تعيشه تونس منذ 25 يوليو/ تموز الماضي يوحي أن هذا المكسب مهدّد بالزوال، في ظلّ الحرب التي يشنّها الرئيس وأنصاره على الحريات.