قبل نحو 10 سنوات من اليوم، عرفت الجزائر في عدة ولايات منها عاصمة البلاد احتجاجات واسعة لشبابٍ يعبرون عن رفضهم لزيادات أسعار المواد الغذائية، وعلى رأسها السكّر والزيت، التي يحتكر تجارتها وتصنيعها واستيرادها حتى اليوم رجل الأعمال يسعد ربراب، المصنَّف من قبل مجلة "فوربس" ضمن أغنياء العالم؛ في مشهد اعتبره المتابعون إخفاقًا للسياسة الاقتصادية المتّبعة من طرف الحكومة والمعتمِدة على تقلُّبات سعر برميل النفط، والتي شجّعت على وجود قطاع خاص طاغٍ مخالف لما هدفت إليه المخططات الحكومية المتعاقبة.

وبعد 10 سنوات من هذه الاحتجاجات، التي كانت ربما الشرارة الأولى التي وجّهت رسالة لنظام الرئيس السابق الراحل عبد العزيز بوتفليقة بضرورة التخلي عن السلطة، بسبب فشل مختلف المخططات الاقتصادية؛ تجدُ الجزائر نفسها تراوح مكانها في هذا المجال إلى الآن، حتى إن القدرة الشرائية للمواطن تنخفض سنويًّا جرّاء عدم رفع أجور العمّال منذ عام 2012، في حين أن أسعار المواد الاستهلاكية ترتفع من فترة لأخرى، فما الذي ميّز الاقتصاد الجزائري خلال السنوات العشر الماضية، وهل هو مستمر وفق المنحى نفسه حتى بعد حراك فبراير/ شباط 2019؟

غير مهيكَل

يعتقد الخبير الاقتصادي الدكتور إسحاق خرشي، أن الاقتصاد الجزائري من الناحية العامة لم يعرف تغيُّرًا ملموسًا أو جذريًّا منذ عام 2011 حتى اليوم، بالنظر إلى أنه حافظَ على وصفه بـ"اقتصاد غير مهيكَل"، مثلما أوضح لـ"نون بوست".

ويفصّل خرشي موضّحًا أن اقتصاد أكبر بلد أفريقي من حيث المساحة، يظلّ معتمدًا على عائدات النفط بنسبة 93%، وهو ما أثّر على جدوى المشاريع التنموية المنفَّذة، مشيرًا إلى أنه منذ عام 2011 حتى عام 2014 كانت أسعار النفط مرتفعة ووصلت حتى 130 دولارًا للبرميل، غير أن المشاريع التي تمَّ تنفيذها كانت دون روح لأن الكفاءات غُيِّبت في تنفيذها.

ن

وأضاف أن العشرية الماضية عرفت في جانب إيجابي ظهورًا لبعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والناشئة، وتحسُّنًا في قطاع الصناعة الصيدلانية التي ارتفعت مساهمتها في تغطية الاحتياجات الوطنية من 18% عام 2011 إلى أكثر من 55% العام الماضي، لكن هذه الفترة عرفت أيضًا تراجُعًا في إسهامات قطاع النسيج مقابل انتعاش قطاع البلاستيك والزجاج.

أما بعض القطاعات الأخرى كالمصرفي مثلًا، فلا تزال متأخِّرة وعلى حالها، خاصة مع فشل مختلف المبادرات التي قدّمتها الحكومة والخبراء في القضاء على سوق الصرف الموازية، التي تزال هي المتحكم الرئيسي في تحديد قيمة العملة الوطنية الدينار مقابل العملات الأجنبية.

لم تسنح الفرصة للاقتصاد الجزائري بالتعافي مطلقًا، قبل أن يصطدم بجمود تجاري عالمي أنهكَ جميع القطاعات الداخلية.

وبدوره لا يرسم دكتور الاقتصاد أنور سكيو صورة وردية عن اقتصاد الجزائر، ويصنّفه ضمن الاقتصاديات الضعيفة التي عرّت حقيقتها ما عاشته البلاد والعالم في السنتَين الأخيرتَين جرّاء جائحة كورونا.

وقال أنور سكيو لـ"نون بوست" إن "المتابع للمشهد الاقتصادي في السنتَين الأخيرتَين فقط، بإمكانه ملاحظة نتائج العقد الأخير من توجُّه ومناخ اقتصادنا الوطني، ففقدان ما يقارب 10 مليارات دولار ليس بالهيّن نتيجة تهاوي أسعار النفط واستفحال الفساد والبيروقراطية، ناهيك عن سياسة التقشُّف التي تُعتبر دومًا الوجه الآخر لضعف أي نظام اقتصادي تقليدي (سياسة حكومة 2014)".

وأضاف سكيو: "لم تسنح الفرصة للاقتصاد الجزائري بالتعافي مطلقًا، قبل أن يصطدم بجمود تجاري عالمي أنهكَ جميع القطاعات الداخلية، وفرض مزيدًا من سياسة الإنفاق العمومي والتعويض رغم ضرورة خفضها بنسبة الثلث، وتخفيض مشاريع الاستثمار بالنصف في الشركة الحكومية للطاقة سونطراك".

وبالنسبة إلى أنور سكيو، فهذا الوضع كان متوقعًا بالنظر إلى أنه دليل على فشل مشروع الإنعاش الاقتصادي الأول الذي طُبّق أعوام 2001-2004، والتعثُّر الملحوظ للبرنامج الخماسي أعوام 2010-2014 بسبب الفساد، ما جعل الاقتصاد الجزائري في حالة عدم استقرار وعدم اتّضاح أفقه.

تبعية النفط

إن الاقتصاد الجزائري بقيَ تابعًا لتقلُّبات النفط رغم الوعود التي أطلقتها مختلف الحكومات في الخروج من سجن القطاع النفطي، فحتى في ميدان الطاقة لم يستطع البلد العضو في منظمة أوبك تطوير مصادره الطاقوية خارج البترول والغاز، رغم الإمكانات التي يتوفّرها لتطوير قطاع الطاقات المتجددة، بعد فشل الشراكة مع الألمان في مشروع "دزيرتك". 

ويعتقد دكتور الاقتصاد أن الخروج من الحيّز النفطي الذي يميّز الاقتصاد الجزائري ليس بالأمر السهل، بالنظر إلى أن الأمر يتعلق بأبعاد استراتيجية وأمنية، والمرتبطة باتفاقيات مع دول أجنبية، كتلك الموقّعة مع ''ناتيرجي'' لتصدير الغاز الجزائري إلى أسبانيا حتى عام 2030، وأخرى مع "إيني" تتضمّن تصدير الغاز إلى إيطاليا طيلة 3 عقود.

وتخوض الجزائر هذا العام حربًا غازية في شمال أفريقيا والمتوسط، لتبقى المورد الأساسي لزبائنها التقليديين، حيث تتّجه لوقف التصدير عبر أنبوب غاز المغرب العربي المار على المغرب، ووقف إمداداتها لهذا البلد بعد قطع العلاقات الدبلوماسية معه، إضافة إلى أنها سارعت في الأشهر الماضية من مفاوضاتها مع نيجيريا لتنفيذ أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي سيربط مدينة لايقوس بأوروبا مرورًا بالنيجر والجزائر.

وقال أنور سكيو لـ"نون بوست" إن سردية الخروج من فاعل المحروقات غير واردة بسهولة، لما يحمله من حيثيات استراتيجية في الدور الجزائري إقليميًّا وأفريقيًّا، لكن يبقى التوجُّه نحو التنويع الاقتصادي هو المعوَّل عليه خاصة لحتمية انخفاض معدل صادرات الغاز الطبيعي لأسباب تنافسية دولية.

ؤ

أما الدكتور إسحاق خرشي فيعتقد أن التبعية للمحروقات سببها عدم عمل الحكومة على تنويع الاقتصاد خارج المحروقات، بل إن هذه النظرة تظهر كلما انخفضت أسعار النفط وتغيب كلما كان برميل النفط يُباع بأسعار عالية، ويوضّح أنه في السنوات العشر الأخيرة قدّمت الحكومة 3 برامج اقتصادية كانت كلها مربوطة بأسعار النفط، حيث لم يتم تقييم هذه البرامج لتقويمها وتصحيحها، لأن فعالية كل البرامج تُبنى في الأساس على عائدات المحروقات.

عرفَ اقتصاد الجزائر المبني على ريع البترول العام الماضي انتكاسة بتراجع مداخيل النفط إلى 20 مليار دولار فقط.

ولقد شكّلت عائدات النفط الضخمة التي دخلت خزينة البلاد في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، المتوفى حديثًا، مصدرًا لإطلاق مشاريع متعددة، غير أنها تحولت إلى باب مفتوح على مصراعَيه لارتكاب كل جرائم الفساد المالي التي كشفت بعضها المحاكمات التي جرت بعد حراك 22 فبراير/ شباط 2019.

ويقول الدكتور أنور سكيو: "لا يخفى على الجميع البرامج السابقة في عهد بوتفليقة، وما تركته من نتائج وتبعات نتعايش معها اليوم، هذه التجارب الاقتصادية ستبقى بشكل أو بآخر مؤثّرة على نموذجنا الجديد حتى عام 2030، فالارتباط بالريع وبيئة الأعمال تلك غير المواتية وتقلُّبات أسعار البترول هي عوامل لم نسلم منها، نتكلم هنا عن 19% ناتج محلي يهيمن عليه ريع الغاز عام 2018، و94% صادرات نفطية من إجمالي الصادرات عام 2017، في سيناريو غير مشجّع تمامًا لخلق تنويع أو توازن اقتصادي بعيد المدى".

وعرفَ اقتصاد الجزائر المبني على ريع البترول العام الماضي انتكاسة بتراجع مداخيل النفط إلى 20 مليار دولار فقط، ما تسبّب في عجز في الميزان التجاري وفي موازنة البلاد، وهي التي وصلت عام 2011 إلى 71.5 مليار دولار.

تدنّي القدرة الشرائية

استطاع نظام الرئيس السابق الراحل عبد العزيز بوتفليقة عام 2011 من امتصاص احتجاجات السكّر والزيت، بفضل البحبوحة المالية التي كانت تعيشها البلاد خلال الفترة الذهبية لأسعار النفط في القرن الجديد، والتي تعدّت وقتها 100 دولار.

وبفضل سياسة شراء السلم الاجتماعي التي كان ينتهجها، استطاع أن يتجنّب الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، بل كان يفاخر بنجاحه في ذلك وراح يربط الأمر باستقراره السياسي الذي كان يُنسَب كله إلى الرئيس الراحل بوتفليقة.

غير أن هذه السياسة الاقتصادية العرجاء لم تنجح في كبح ارتفاع أسعار مختلف المواد خاصة ذات الاستهلاك الواسع، وهو ما أثّر سلبًا على القدرة الشرائية التي تبقى المرآة الحقيقية لتقييم نجاعة أي سياسة اقتصادية، خاصة بعد انتهاج سياسة التقشُّف الاقتصادي عام 2014 مع بداية تهاوي أسعار النفط.

وبالنسبة إلى الخبير الاقتصادي إسحاق خرشي، فإن المضاربة هي السمة التي لا تزال تحكم العمليات التجارية لمختلف المواد الاستهلاكية في الجزائر، خاصة مع تراجُع أداء المجمعات الصناعية وضعف المؤسسات العمومية التي تواصل استنزاف الخزينة العمومية، مع طغيان القطاع الخاص.

وحسب الرئيس تبون، فإن القطاع الخاص في الجزائر يبقى غير مسهم في الثروة، إذ يبني أغلب نشاطه على القروض التي يحصل عليها من البنوك العمومية.

ن

ويوضِّح خرشي أن تواصُل ارتفاع المواد الاستهلاكية، ومنها السكّر والزيت، رغم تجربة عام 2011، يعود بالأساس لعدم تقديم الحكومة حلولًا حقيقية، رغم أن هذه الحلول واضحة وبسيطة، وتتمثّل اليوم في رقمنة العملية التجارية سواء لنشاط كبار أو صغار تجّار البيع بالجملة، إضافة إلى ضرورة تطبيق قوانين العمل بالفاتورة في مختلف النشاطات التجارية من يوم خروج السلعة من المصنع إلى تاريخ وصولها إلى المستهلك، حتى يمكن مراقبة الجميع وعدم السماح بالاحتكار والمضاربة فوق هوامش الربح المعقولة.

ويلفت الدكتور أنور سكيو أن السياسة الحكومية مبنيّة في الأساس على ضمان وفرة وسهولة وصول جميع السلع خاصة الأساسية للجزائريين، من خلال سياسة الدعم المتّبعة التي تحاول الحفاظ على مفهوم الدولة الاجتماعية، غير أنه يوضّح لـ"نون بوست" أن "هذا لم يستطع محو سياسات الاحتكار والمضاربة الباقية من السنوات الماضية، والتي تطفو للسطح في أول فرصة ممكنة".

ويُرجع سكيو هذا الوضع إلى "سياسة الاستيراد التي بُني عليها الاقتصاد الجزائري، لذلك يجب القيام بمراجعة واضحة لسياسات النقل البحري والاستيراد التي لا تنفكّ تدفع لارتفاع الفاتورة لنِسَب تصل %50 حسب تصريحات أخيرة لمنتدى التصدير والاستيراد الجزائري والتجارة الدولية والاستثمار، ما ينعكس بصفة مباشرة على قيمة السلع وأسعارها في السوق الجزائرية المحلية".

ويعتقد سكيو أن هذا الوضع سببه أيضًا فشل المصالح التابعة لوزارة التجارة في تنفيذ سياسة التحكُّم في الأسعار، باستخدام لوائح تنظيم العمليات التجارية مثل مرافقة سلوك تجّار التجزئة، والدفاع عن مصالح الفلاحين، وتأطير السوق لمحاربة استفحال السوق الفوضوية التي تحتكر 75% من السوق الاستهلاكي الغذائي الجزائري.

وقُدِّرت نسبة التضخم في الجزائر العام الماضي على أساس سنوي بـ5.5%، وهي لا تختلف عمّا كان قبل 10 سنوات، إذ كانت تبلغ عام 2011 نسبة 4.5% و8.9% عام 2012، لكن ما يبعث على التفاؤل أنها انخفضت هذا العام بعد أن بلغت في شهر مايو/ أيار الماضي 3.9%.

مفتاح الخروج

لا تعطي المؤشرات الدولية حول الأداء الاقتصادي أخبارًا سارة بالنسبة إلى الجزائر، حيث يشير أنور سكيو إلى أن أرقام مؤشر ممارسة الأعمال دومًا جدّ متواضعة، بل متأخرة كثيرًا بما يقارب 20 إلى 25 نقطة، بدرجة ائتمان متواضعة في المرتبة 181 عالميًّا وإطلاق الأعمال في المرتبة 152 عالميًّا.

استطاع الاقتصاد الجزائري هذا العام تحقيق نتائج مشجّعة حتى لو تبقى غير كافية.

غير أن المتحدث ذاته يشير إلى "بوادر بعض السياسات التي قد تضفي نوعًا من التحسُّن، رغم أن موضوع التبعية والتحرر الاقتصادي شائك ومعقّد بعض الشيء".

ويعتقد سكيو أن إلغاء الضريبة على المداخيل، ورفع الأجر الوطني الأدنى المضمون، وتجميد دفع ضرائب الشركات بهدف تخفيف آثار إجراءات العزل العام المرتبطة بفيروس كورونا بصفة عامة، هي إجراءات مستحبّة؛ لكن غياب مضامين موثِّقة لنِسَب نمو وفواتير تدعيم واستشراف أهداف قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، تمنع الجميع من القول إن اقتصاد الجزائر سوف يخرج إلى برّ الأمان حتمًا.

ا

ويؤيد سكيو توجُّهات الحكومة الأخيرة الطامحة للتوجه نحو السوق الأفريقية، والاستثمار في مقدرات ثروات الجزائر في الجنوب الغربي كمناجم الحديد التي قد تحدِثُ ديناميكية نوعية الإنتاج الداخلي، إذا ما تمَّ الاستثمار فيها مع الشريك الأصحّ.

ويدعو دكتور الاقتصاد إلى مراجعة الجزائر لاتّفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والتي لم تعطِ أي نتيجة تُذكر لصالح اقتصاد البلاد، مثلها مثل منطقة التجارة العربية الحرة الميّتة حتى الآن.

أما الخبير الاقتصادي إسحاق خرشي، فيربط أي إقلاع اقتصادي للبلاد بمدى تنفيذ المخططات المرسومة من قبل الحكومة وضرورة تقييمها، حتى لو كانت هذه الحكومة اقتصادية بامتياز كما هو حال طاقم الوزير الأول الحالي أيمن بن عبد الرحمان، متسائلًا في هذا الإطار لماذا لم يتمَّ حتى الآن تقييم خطة الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي التي أتى بها الرئيس تبون بعد عام من إطلاقها، لتقويم الخلل وتصحيح الأخطاء، لمعرفة مدى التقدُّم في أي قطاع ومستوى تنفيذه.

واستطاع الاقتصاد الجزائري هذا العام تحقيق نتائج مشجّعة حتى لو تبقى غير كافية، إذ يتوقع أن تبلغ الصادرات خارج المحروقات 4.5 مليارات دولار، كما بلغت مساهمة الفلاحة في اقتصاد البلاد العام الماضي 20 مليار دولار.

بإلقاء نظرة عامة على اقتصاد الجزائر، لا يمكن إلا إصدار حكم واحد أنه لا يزال على حاله طيلة العقد الأخير، بل ربما ازداد سوءًا في انعكاساته على المواطن، لكن يكون من الإجحاف الحكم عليه في السنتَين الماضيتَين بالوصف ذاته بالنظر إلى التغيُّرات السياسية التي عرفتها البلاد وتبعات جائحة كورونا وانخفاض أسعار البترول.

لذلك ستكون الحكومة الحالية أمام امتحان حقيقي لإثبات نفسها أنها أحدثت قطيعة مع ما كان قبل حراك فبراير/ شباط 2019، ولعلّ الاقتصاد هو أحسن مثال لإثبات ذلك لأن الأرقام هي أقوى البراهين والحجج.