منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديسمبر/ كانون الأول 1948، بدأت الجهود الدولية تنصبّ في مناهضة العنف وضمان حقوق الإنسان دون تمييز بسبب جنسه وعرقه ولونه ودينه ومعتقداته، وإن اختلفت النسبة بين درجة احترام حقوق الإنسان في البلدان العربية وفلسطين المحتلة والشرق عمومًا وفي الغرب الأوروبي وأمريكا.

وبالتوازي مع ذلك، تصاعدت الحركات النسوية الداعية لضمان حقوق المرأة ومناهضة العنف ضدها، وعلى إثر ذلك أعلنت الأمم المتحددة عام 1993 عن الإعلان بشأن القضاء عن العنف ضد المرأة، وعرّفته بأنه "أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتّب عليه، أو يرجَّح أن يترتّب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة".

وبينما يحيي العالم اليوم، 25 من نوفمبر/ تشرين الثاني، اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة، ما زالت المرأة الفلسطينية تحت عنف يومي ومستمر في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وهو بشكل طبيعي كأي احتلال لم يلقِ بالًا لا لإعلان حقوق الإنسان ولا لمكافحة العنف ضد المرأة، بل يمارس بحقهن الفصل العنصري وأبشع أنواع الاضطهاد والعنف الذي يبدأ من التضييق على الحرية وحرمانها، وليس انتهاءً بارتقائهن شهيدات، وما يتبعه من احتجاز لجثامينهن، ومحاربة الوداع الأخير لعائلاتهن.

الاستعمار: وجه العملة الأخرى للعنف

قد يكون من الساذج الحديث عن العنف في ظل قوة استعمارية، لما يحمله لفظ الاحتلال والاستعمار في معنَيهما من مجمل معاني العنف والإرهاب بحق البشرية، وإن حاول الاحتلال التزيُّن في المحافل الدولية وأمام المؤسسات الحقوقية بأنه الطرف المُسالم والحمل الوديع في القضية.

وفي ورقة بحثية، يقول مركز المرأة للإرشاد القانوني والنفسي إن المرأة الفلسطينية تعاني من ويلات الاحتلال ابتداءً من نكبة 48 ولغاية يومنا الحالي، سواء كانت هذه المعاناة مباشرة تجاه المرأة أو غير مباشرة من خلال الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يخلّفها العنف والاحتلال الإسرائيلي بالمجتمع الفلسطيني.

وقد أدّى تواصل اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي إلى تدهور الوضع الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والأمني في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة، وإلى التأثير بشكل سلبي ومباشر على أوضاع النساء الفلسطينيات من حيث السلامة والأمن، والمشاركة الاقتصادية والسياسية، وعلى إمكانية النساء من الحصول على الخدمات الأساسية بما فيها الخدمات الصحية والتعليمية.

وفي فلسطين المحتلة، وفي ظل العنف الاقتصادي الذي يمارَس عليها، تتحمّل النساء أعباءً مضاعفة عند استشهاد او اعتقال او جرح أحد أفراد الأسرة، حيث يتحولن إلى المعيل الوحيد للأسرة، وكذلك الحال عندما تُصادر الأرض أو مصدر رزقها وحياتها، أو عند هدم منزل العائلة، حيث لا تفقد فقط حقها في السكن والاستقرار في ظروف نفسية واجتماعية، وإنما يزداد العبء النفسي الواقع عليها في توفير العناية والرعاية لأسرتها التي تشتّتت بفعل ذلك.

"ما في زيارة اليوم"..

في الأثناء، بينما يحتجز الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد عن 4650 أسيرًا، فإن لهؤلاء الأسرى قصة اعتقال تخبّئ خلفها الدموع، فبينما ينقل الاحتلال الأسير في "البوسطة" تكون أمه وأخته وزوجته وابنته قد ارتكزت على حائط البيت وأعينهن تذرف الدموع، وقلوبهن تشتكي إلى الله قهر الاحتلال وألم الفقد.

عدا عن ذلك، فإن مرحلة الاعتقال لا تخلو في كثير من الأحيان من الاعتداءات الجسدية واللفظية على ذوي الأسير، وقد تجد الأم والزوجة نفسها في مواجهة جندي يحاول ضربها ببندقيته، فخلال اعتقال أحد الفلسطينيين، قام جندي بضرب زوجته الحامل بتوأم بعقب بندقيته، ما أدّى إلى وفاة أحد الجنينَين، واستمرار نزيفها وألمها لـ 40 يومًا حتى حان موعد الولادة، وفي حادثة أخرى انهال جنود الاحتلال بالضرب على أمّ فلسطينية، بعد محاولتها منع الاحتلال من اعتقال طفلها، وانهالوا عليها ضربًا بوحشية.

 

ولا يكتفي الاحتلال بجريمة الاعتقال التي يمارسها، بل يمارس الضغط النفسي على ذويهم وعائلاتهم، ويثخن الألم والاشتياق في قلب الأم والزوجة التي لا يتوانى عن منعها زيارة أسيرها في السجون، من خلال كلمة بسيطة مليئة باللامبالاة على إحدى الحواجز: "ما في زيارة اليوم، ارجعوا لبيوتكم".

الأسيرات الفلسطينيات: صورة العنف الإسرائيلي

عند الحديث عن عنف الاحتلال ضد المرأة، لا بدّ من الحديث عن 34 أسيرة تقبع حاليًّا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، منهن من حرمهن الاحتلال أطفالهن، ومنهن من غيّبتهن القضبان عن محاضراتهن الجامعية، ومنهنّ من تعرّضن لتعذيب قاسٍ خلال فترة التحقيق، وفي المحصلة جميعهنّ قد حرمن من حق الحرية الذي كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي استنكره إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة.

وفي سياق اعتداءاته النفسية والجسدية على الأسيرات، وثّق التاريخ الفلسطيني الحديث اعتقال الاحتلال الإسرائيلي لشابة عشرينية لمدة تزيد عن سنة، وكانت تهمتها "قليها الفلافل خلال إحدى فعاليات الطلابية في جامعة بيرزيت"، فيما انهالت المحققات العسكريات بالضرب والتعذيب والتنكيل بحق طالبة الإعلام في جامعة بيرزيت حينها ميس أبو غوش، وذلك خلال التحقيق معها على نشاطها الصحفي والطلابي.

وفي استعراض معاناة الأسيرات والعنف الذي يتعرضن له، يأتي إلينا بشكل جليّ صورة القهر في الأسيرة إسراء الجعابيص، وقد تعرضت لأبشع أنواع الضغط النفسي والأذى الجسدي حيث تعرض 60% من جسدها للحروق وتحتاج إلى 8 عمليات جراحية، وقد تغيّرت بعض ملامحها، ما شكّل ضغطًا نفسيًّا وصل بها إلى أن تخاف أن ينكرها ابنها حين تحرُّرها من السجن، وأن يخاف منها.

الجعابيص صانعة الفرحة والمرح، يحكم الاحتلال المتباكي عليها بـ 11 عامًا من الاعتقال، أمضت فيها 6 سنوات من القهر والعذاب والآلام، ومُنعت عنها بعض الأدوية التي تساعدها في تخفيف آلامها، وحرمها من ضمّ طفلها الصغير وممارسة أبسط حقوق الإنسان: الحق في أن يعيش بحرية، ورغم جميع الدعوات المحلية والعالمية للإفراج عن الجعابيص، ما زال الاحتلال يمارس بغضه عليها، ويستمرّ في محاكمتها على "عدم استجابة مكابح السيارة لها".

 

من يكافح ضدّ عنف الشهيدات الفلسطينيات؟

لا يقتصر عنف الاحتلال على التضييق وحرمان الحرية أو لوعة القلب لأمّ مشتاقة لابنها أو حتى ضرب الفلسطينية، بل يتمادى في ظلمه وعنفه حتى يطلق رصاصة من فوّهة بندقيته، أو يغير بطائراته الحربية ويهدم بيتًا فوق رؤوس أصحابه، ويحرم النساء من حقهنّ الأساسي: الحق في الحياة.

منذ بداية العام الحالي، ارتقت 45 شهيدة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، 39 شهيدة منهنّ ارتقين خلال الحرب على قطاع غزة في مايو/ أيار 2021، وقد كنّ في بيوتهن يخفن أصوات الصواريخ المنهمرة من طائرات الاحتلال، إلا أن صاروخًا ما لم يسمعنه تلطّخ بدمائهن وهنّ يحضن أطفالهن مذعورات من ضجيج العدوان على القطاع.

فيما ارتقت الـ 6 شهيدات الأخريات في الضفة الغربية، وقد زعم الاحتلال نيّتهن ارتكاب عملية فدائية، وسواء كانت نيّتهن الفعل من عدمه، فإن لا أحد ينفي حقهن في الدفاع عن أرضهن ومقاومة المحتل، ولا يزال الاحتلال يحتجز جثامين عدد من الشهيدات الفلسطينيات لديه ويمنع ذويهن من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهن.

حين جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، جاء في شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام النكبة، أي بعد 6 أشهر فقط من أكبر مأساة عرفتها التاريخ؛ وحين جاء الإعلان عن القضاء على العنف ضد المرأة، جاء في عام 1993 بعدما بدأت تخمد نيران الانتفاضة الأولى، وكأن كلا الإعلانَين جاءا في عالم موازٍ، حيث لا يلتفتا إلى ضحايا الاحتلال الإسرائيلي ومعنّفات الاستعمار في فلسطين المحتلة، ومع ذلك، ومع صدور الإعلانَين، يبقى الإعلان الأكيد أن لا احتلال دون عنف.