تبادلت كل من تركيا وأرمينيا حزمة من الرسائل الإيجابية خلال الساعات الماضية، في أعقاب إعلان يريفان تعيين مبعوث لها لتطبيع العلاقات مع أنقرة، غداة إعلان وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو عن أن بلاده ستعيّن مبعوثًا لها في الجارة الأرمينية وستطلق قريبًا رحلات بين البلدَين.

لم تكن تلك التصريحات الإيجابية هي الأولى من نوعها بين البلدَين خلال الآونة الأخيرة، حيث شهدت الأشهر الماضية مساعي لتبريد الأزمة المشتعلة بين البلدَين، تجسّدت في فتح أرمينيا أجوائها أمام الطائرات التركية المتجهة إلى أذربيجان، في خطوة اعتبرها البعض وقتها بداية تقارب محتمل.

وكان أوغلو قد قال خلال جلسة لمناقشة ميزانية وزارة الخارجية في البرلمان التركي، في 13 من الشهر الجاري: "سنعيّن مع أرمينيا في الوقت الأقرب مبعوثَين خاصَّين لاتخاذ خطوات من أجل تطبيع العلاقات"، ليأتي الردّ في اليوم التالي مباشرةً على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأرمينية، فاخان هونانيان، الذي أشار إلى أن بلاده "مستعدة لعملية تطبيع العلاقات مع تركيا"، معلنًا أن البلاد ستعيّن "ممثِّلًا خاصًّا للحوار" مع أنقرة.

وإن كان التوتُّر بين البلدَين يعود رسميًّا إلى عام 1993، إلا أن خلفياته التاريخية كانت الأبرز حضورًا لعقود طويلة مضت، لكنه تصاعدَ مرة أخرى في خريف 2020 في أعقاب النزاع العسكري بين أرمينيا وأذربيجان بشأن إقليم نافورني قره باغ الأذري المستولى عليه أرمينيًّا، هذا النزاع الذي حقق فيه الأذر -بفضل الدعم التركي- انتصارًا كبيرًا على الأرمن الذين اضطروا التنازل عن مساحات من الإقليم المتنازع عليه.

التصريحات المتبادلة بين البلدَين، والتي يمكن قراءتها في إطار استجابة الطرفَين للتحديات الإقليمية الراهنة التي تضع المصالح في مرتبة أسبق من الخلافات التاريخية، أثارت الكثير من التساؤلات، على رأسها هل تتجه تركيا وأرمينيا إلى تطبيع كامل في العلاقات بعد 3 عقود تقريبًا من انقطاع العلاقات وغلق الحدود بينهما؟

مؤشرات إيجابية

الأشهر الأربع الماضية شهدت تبادلًا في التصريحات الإيجابية بين البلدَين، أضفت نوعًا من التفاؤل بشأن التقارب بينهما بعد عقود من العداء، لعلّ أبرزها حديث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في سبتمبر/ أيلول الماضي، حين قال إن بلاده مستعدة لبدء حوار مع أرمينيا.

وفي مقال له، أشار وزير الخارجية الأسبق، أحمد داوود أوغلو، إلى أنه إذا كانت هناك تسوية إقليمية واسعة "سينتصر الجميع"، موضِّحًا أن فتح الحدود بين البلدَين سيساعد في استقرار منطقة القوقاز بأكملها، ويسمح لأرمينيا بتحسين اقتصادها عبر الانفتاح على الأسواق التركية ومنها إلى أوروبا وآسيا.

وكان أوغلو وزير خارجية تركيا خلال محاولة تطبيع العلاقات مع يريفان عام 2009، لكنها محاولة باءت بالفشل بعد رفض هذه الخطوة من قبل المعارضة في كلا البلدَين، ففي تركيا كان الانسحاب الأرميني من قره باغ شرط قبول التطبيع، فيما طالب قوميو أرمينيا الجانب التركي بالاعتراف أولًا بأحداث عام 1915 بوصفها "إبادة جماعية"، وهو ما رُفض من الجانبَين وقتها، لتظلَّ الأزمة لا تبارح مكانها.

 

الدوافع المشتركة صعّدت من منسوب التفاؤل لدى كثير من المراقبين بشأن حلحلة الأزمة وإنهاء الخصومة بين البلدَين، لكنَّ الأمر ليس بهذه السهولة، إذ إن نقاط الخلاف التاريخية التي عززت عداء الدولتَين تاريخيًّا لا تزال قائمة

المؤشرات الإيجابية بين البلدَين دفعت موسكو للإعراب عن استعدادها للمساهمة في تطبيع العلاقات بينهما عبر وساطة لتقريب وجهات النظر، كما جاء على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في مؤتمر صحفي عقدته بالأمس: "إن تطبيع العلاقات الأرمينية التركية سيسهم في تحسين الأوضاع العامة في المنطقة وخلق الأجواء السليمة من الثقة وحسن الجوار في المنطقة، وكذلك بين البلدَين والشعبَين"،

وتابعت: "من هذا المنطلق نحن نرحّب بما تظهره أنقرة ويريفان في الفترة الأخيرة من التوجُّه نحو إطلاق الحوار الثنائي حول تطبيع علاقاتهما. ويمثل تعيين الطرفَين مبعوثَين خاصَّين عنهما لهذا الغرض خطوة منطقية ورشيدة في تطوير هذا التوجُّه. ونحن من جهتنا مستعدّون لتقديم كل أشكال المساعدة لتسيير هذه العملية".

دوافع مشتركة

لا يمكن قراءة مؤشرات هذا التقارب بمعزل عن التحديات التي فرضتها التطورات والمستجدات التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية مؤخرًا، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، بجانب التحديات التي فرضتها جائحة كورونا، الأمر الذي دفع كل دولة إلى إعادة تموضع لتوجُّهاتها الخارجية وسياستها التقليدية.

فعلى الجانب التركي، لا تنفصل إشارات أنقرة الإيجايبة تجاه يريفان عن التغيُّر الطارئ على السياسة الخارجية التركية منذ عام تقريبًا، والذي يهدف إلى تخفيف درجة سخونة البؤر المتوترة والصراعات في المنطقة، وهو ما يمكن قراءته في قنوات الاتصال المفتوحة مع القاهرة والرياض وأبوظبي.

استمرار التوتر في جنوب القوقاز يضع الأمن القومي التركي في مرمى التهديد، حتى إن خفّت وطأته وتأرجحت بين الحين والآخر، لكنه يبقى تهديدًا محتملًا ولو في منسوبه الصفري، ومن ثم تحاول أنقرة فرض سياج من التهدئة على جدران تلك البقعة الاستراتيجية.

وفي ضوء ذلك، تولي أنقرة ملفَّ التطبيع مع أرمينيا أهمية فائقة، بموجب الخطة المقترحة سابقًا (3 + 3)، لتدشين منتدى إقليمي يتألَّف من دول جنوب القوقاز وجيرانها: أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، إضافة إلى إيران وروسيا وتركيا، وهي الخطوة التي تضمن تبريدًا شبه تام لكافة بؤر التوتر في المنطقة.

وعلى الجانب الأرميني، فإن البلاد التي تعاني من تبعات الحرب الأخيرة حتى اليوم على المستوى الاقتصادي، تبحث بشتّى السُّبل عن الخروج من هذا المأزق، بعد الأزمات المتتالية التي حلّت باقتصادها الوطني ومن ثم الوضع المعيشي للشعب، والتي من المتوقع أن تستمرَّ وتيرتها حال بقاء الوضع على ما هو عليه.

حتى الخطوات التي اتخذتها يريفان لتخفيف تداعيات تلك الحرب، أبرزها التبعية للاقتصاد الروسي، لم تحقق أهدافها المنشودة، لتزداد الأزمة تأزُّمًا، ومن ثم يرى البعض أن الأرمن الآن بحاجة ماسّة إلى تركيا لفتح منفذ لهم على الأسواق الخارجية، على أمل إنعاش اقتصاد البلاد المترهِّل.

وفي الإطار ذاته، إن العزلة الجيوسياسية التي فرضتها الخصومة التاريخية مع تركيا وغلق الحدود، وتعززت مع تصعيد التوتر مع أذربيجان منذ الحرب الأخيرة، كان لها تبعاتها السلبية على أداء الدولة بصفة عامة خلال العقود الماضية، وعليه لن يكون كسر تلك العزلة إلا بتطبيع العلاقات مع أنقرة.

تلك الدوافع المشتركة صعّدت من منسوب التفاؤل لدى كثير من المراقبين بشأن حلحلة الأزمة وإنهاء الخصومة بين البلدَين، لكنَّ الأمر ليس بهذه السهولة، إذ إن نقاط الخلاف التاريخية التي عززت عداء الدولتَين تاريخيًّا لا تزال قائمة دون أي تغيير، فهل يمكن أن تكون -كما كانت في السابق- عقبات في طريق تطبيع العلاقات؟

 

التاريخ في مقابل الجغرافيا، والشعارات الشعبوية في مواجهة مصالح الدولة العليا... معركة حامية الوطيس من المتوقع أن تخوضها تركيا وأرمينيا لفتح صفحة جديدة من العلاقات الطبيعية

التاريخ.. عداء الماضي والحاضر

تبقى مذابح الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى (1915-1918) هي المتحكم الأبرز في مسيرة العلاقات بين البلدَين، والعقدة الأغلظ في مواجهة مساعي التقارب والتطبيع، فهي سجال تاريخي لم يحسمه أي من الطرفَين، واستدعاء غير مفهوم بين الحين والآخر لتشويه أي حراك من شأنه النظر إلى الأمام، بعيدًا عن التشبُّث بتلابيب الماضي الأليم.

وقد وقفت تلك العقدة حجر عثرة أمام أي محاولات للتقارب بين أنقرة ويريفان، كما أنها كانت السبب الرئيسي وراء فشل اتفاق التطبيع عام 2009، في ظلِّ إصرار تركي على تأويل تاريخي خاطئ لتلك المجازر التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الجانبَين على حد سواء، الأتراك والأرمن، مقابل تمسُّك أرميني بسردية "الإعدام الجماعي" الممنهَج.

ومن العقبات المحتملة أيضًا ذلك الممر الذي تريد أنقرة فتحه للربط بين أذربيجان وجيبها ناخيتشيفان في جنوب غرب أرمينيا، على الحدود مع تركيا وإيران، والمسمّى بـ"ممر زنغازور"، ومن ثم إن الأولوية هنا هي فتح خط سكة حديد عبر غازاخ-إيجيفان، وكذلك عبر أراضي أرمينيا بأكملها.

وأكّد وزير الخارجية الأرميني، آرارات ميرزويان، أكثر من مرة أن بلاده ترفض إقامة هذا الممر، معتبرًا أنه شرط تركي لاستئناف العلاقات، مؤكدًا أن التطبيع بين البلدَين لا بدَّ أن يكون دون شروط مسبقة، في حين صرّح رئيس الوزراء، نيكول باشينيان، بأن بلاده مستعدة لبدء عملية ترسيم الحدود مع أذربيجان.

ارمينيا وتركيا

هل بات التطبيع ممكنًا؟

رغم العقبات التاريخية والجيوسياسية التي تفرض نفسها على مسار التقارب، إلا أن خبراءً ألمحوا إلى إمكانية التطبيع حال توفرت إرادة البلدَين، والتي ربما تتضح من خلال المؤشرات الإيجابية التي خيّمت على الأجواء خلال الأشهر الأربع الأخيرة.

الباحث المساعد في مركز البحوث العالمية (TRT)، توران غفارلي، يرى في تصريحاته لـ"الحرة" أن التوقيت الحالي مناسب جدًّا لتمرير مشروع التطبيع بين البلدَين، ملمِّحًا إلى أن تزامُن تصريحات وزير الخارجية التركي بشأن تعيين مبعوث لدى يريفان مع اجتماع 3 + 3 المتعلق بالتعاون في جنوب القوقاز، فرصة جيدة لاتخاذ خطوات جادّة في مسار التقارب.

فيما استعرض الأكاديمي الأرميني، هاكوب مقديس، المحاضر في أكاديمية الإدارة العامة في أرمينيا، تحركات بلاده للبدء بالنقاش مع تركيا، منها الردّ الفوري من جانب الناطق باسم وزارة الخارجية الأرمينية على تصريحات تشاوش أوغلو، مضيفًا أن الحكومة الأرمينية مستعدة وجاهزة للتفاوض والنقاش.

ويتفقُ مع الباحثَين الأكاديميَّين باسلُ الحاج، الباحث المتخصص في شؤون آسيا الوسطى والقوقاز، والذي يعتبر أن فرص التطبيع بين البلديَن كبيرة هذه المرة في ضوء الظروف المحيطة، والتي باتت أكثر ملاءمة لفتح قنوات اتصال، خاصة بعد استعادة أذربيجان أراضيها المحيطة بإقليم قره باغ، وفق اتفاق رسمي موقّع من البلدَين، ومن ثم انتفت أسباب التوتر.

ويرى الحاج أن الإعلان عن تعيين مبعوثَين خاصَّين لكلا البلدَين خطوة ستشكّل بداية مسار للتقارب، في ظل رغبة أنقرة في تصفير مشاكلها الإقليمية ورغبة يريفان كسر عزلتها الجيوسياسية، متوقّعًا أن يكون سريعًا نظرًا إلى تسارُع التطورات في المنطقة، ما لم تطرأ مستجدات إقليمية تعرقل العملية برمّتها.

التاريخ في مقابل الجغرافيا، والشعارات الشعبوية في مواجهة مصالح الدولة العليا... معركة حامية الوطيس من المتوقع أن تخوضها تركيا وأرمينيا لفتح صفحة جديدة من العلاقات الطبيعية، فيما يلعب الوسيط الروسي دورًا محوريًّا في الدفع بها للأمام -إن كانت لديه الإرادة- في ظل التأثير الروسي القوي على يريفان، فلمن تكون الغلبة؟