أحكام بالحبس تترواح بين 4 و5 سنوات ضد 3 نشطاء مصريين.

أحكام بالحبس تترواح بين 4 و5 سنوات ضد 3 نشطاء مصريين.

قضت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ في مصر، أمس الاثنين، 20 ديسمبر/ كانون الأول 2021، بالسجن 5 أعوام للناشط علاء عبد الفتاح، و4 أعوام لكلٍّ من المحامي الحقوقي محمد الباقر والمدوِّن المعروف باسم محمد أوكسجين، بتهمة "نشر أخبار كاذبة" من شأنها تهديد الأمن القومي.

ويأتي هذا الحكم الصادر عن المحكمة المصرية بعد يومَين من دعوة وجّهتها برلين، عبر بيان لسفارتها بالقاهرة، للسلطات المصرية، من أجل إطلاق سراح النشطاء الثلاثة، وهو ما ردّت عليه الخارجية المصرية بالرفض القاطع، وسط تنديد من جمعيات وكيانات حقوقية بتلك الأحكام التي تفتقد أدنى قواعد العدالة، وتزيد من الخناق على المعارضين المصريين.

واعتقلت السلطات المصرية النشطاء الثلاثة في سبتمبر/ أيلول 2019، وتعود وقائع محاكمتهم إلى 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعدما جاء قرار الإحالة متضمّنًا "نشر أخبار كاذبة"، والانضمام إلى جماعة إرهابية (وهي التهم التي توجَّه للغالبية العظمى من النشطاء والمعارضين)، وذلك بالمخالفة للمادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية.

وتتزامن أحكام الأمس مع مرور 100 يوم على الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أعلنَ عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي اعتبرها البعض حينها إيذانًا بفتح صفحة جديدة في الملف الحقوقي المشين، لكن ما شهدته الأشهر الثلاثة الماضية، وختامًا بهذه الأحكام، يشير إلى إصرار ممنهَج على المضيّ في المسار ذاته، وأن التصريحات الوردية والشعارات الرنّانة كانت بهدف مغازلة الغرب لتبريد حدّة الانتقادات الموجَّهة للقاهرة لا أكثر.

أحكام سياسية

أشارت والدة الناشط علاء عبد الفتاح المحكوم بـ 5 سنوات، الأكاديمية ليلى سويف، في أول تعليق لها على تلك الأحكام، أنها عرفت القرار قبل نطق القاضي به عن طريق الحاجب، وأنها في انتظار تصديق الحاكم العسكري عليه، رغم أنها ولا المحامي تعرف حيثيات هذا الحكم.

الناشطة والأكاديمية المصرية كشفت عن المعاناة النفسية والصحية التي يعاني منها نجلها، حيث أصيب بفيروس كورونا المستجد منذ أسابيع، هذا بخلاف المشاكل النفسية التي بدأ يعاني منها داخل محبسه، فضلًا عن منعه من القراءة والتمتُّع بأدنى حقوق السجناء وفق ما هو منصوص عليه قانونًا، مضيفة: "أنا لست متفاجئة، ولكن غاضبة، هذه قرارات سياسية".

وكانت شقيقته (منى سيف) قد نشرت رسالة بخطّ يده قبل أيام أشار فيه إلى الضغوط التي يتعرض لها داخل السجن، ومعاناته اليومية بسبب المعاملة السيّئة وحرمانه من حقوقه الطبيعية، وفي نهايتها هدّدَ بالانتحار بسبب تلك المعاناة، حيث إنه مقيّد في سجنه 24 ساعة يوميًّا دون خروج أو تريُّض، وهي الرسالة التي أثارت حالة من التعاطف معه وبقية زملائه.

 

في آخر الجلسات، تحدّث علاء عن بعض من تلك المعاناة وملامح قضيته المتّهَم فيها، وطالب بإحالته إلى قاضيه الطبيعي، والتصريح لدفاعه بزيارته والحصول على صورة رسمية من القضية، الأمر ذاته تحدث به محمد الباقر الذي أشارَ إلى انتهاك نيابة أمن الدولة لضمانات المحاكمة العادلة، وطلب إعادة الأوراق إلى النيابة العامة، وندب قاضٍ للتحقيق في القضية، بالإضافة إلى إحالتهم إلى القاضي الطبيعي.

وفي الجلسة قبل الأخيرة، التي عُقدت بتاريخ 8 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، لم تنفذ المحكمة طلبات المحامين (التصريح بإقامة دعوى عدم دستورية المادة رقم 19 من قانون الطوارئ، مع التصريح بالحصول على شهادات من المحكمة الدستورية حول هذا الشأن، بناءً على قرار رئيس الجمهورية في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 بإلغاء حالة الطوارئ في البلاد) التي قدّموها خلال جلستَي 18 أكتوبر/ تشرين الأول و1 نوفمبر/ تشرين الثاني، ما دفعهم لإبداء عدم طمأنتهم للمحكمة، وتقدّموا بمذكرة لردّ القاضي، الأمر الذي قابله الأخير برفع الجلسة ليعود سريعًا بعد ذلك طالبًا من النيابة إبداء طلباتها التي كانت المطالبة بتوقيع أقصى عقوبة على المتّهمين.

 

تجاهل للمناشدات الدولية

تجاهلت القاهرة كافة المناشدات الدولية الواردة بشأن تلك المحاكمة قبيل وعقب إصدار الحكم، حيث أصدرت الخارجية المصرية بيانًا عبّرت فيه عن استيائها تجاه بيان الخارجية الألمانية الذي طالبَ بالإفراج عن النشطاء الثلاثة، مضيفة أن "هذا الأسلوب ينطوي على تجاوزات غير مقبولة، ويُعدّ تدخلًا سافرًا وغير مبرر في الشأن الداخلي المصري، ويُصادِر على مسار قضائي من دون دليل أو سند موضوعي"، على حد زعم البيان الصادر عنها.

كما أضاف البيان أنه "من المُستغرَب أن تطلب الحكومة الألمانية احترام القانون، وتدعو في ذات الوقت إلى التدخل والتأثير على أحكام القضاء المصري الشامخ، والمشهود له بالاستقلالية والحيادية والنزاهة، وهو ما نرصد معه ازدواجية المعايير".

وكانت برلين، وعلى لسان خارجيتها، قد أعلنت أن "الحكم بحقّ المحامي محمد الباقر يعدّ بالنسبة إلى الحكومة الاتحادية بمثابة إشارة إلى الاتجاه الذي تتطور إليه حالة حقوق الإنسان في مصر"، مضيفة أن "الحكومة الألمانية تتوقع أن تعمل الحكومة المصرية على تحقيق محاكمة عادلة، وكذلك الإفراج عن الباقر والمتهمَين الآخرَين علاء عبد الفتاح ومحمد إبراهيم (أوكسجين)".

وشددت على أنه "لا تجوز معاقبة المحامين على ممارسة نشاطهم المهني"، وتابعت أنه "من وجهة نظر حكومة ألمانيا الاتحادية، فإن حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي، ومشاركة جميع الأوساط الاجتماعية، والاستقرار المستدام".

وعقب الحكم مباشرة أعربت الولايات المتحدة الأميركية، على لسان المتحدث باسم الخارجية نيد برايس، عن "أسفها وخيبة أملها"، مضيفًا أن مسؤولي بلاده قد "أثاروا قضايا حقوق الإنسان مع نظرائهم المصريين، وأبلغوا القاهرة أنه يمكن تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر إذا تمَّ إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان".

وردَّ عليه المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، أحمد حافظ، بأنه "ليس من المناسب إطلاقًا التعليق بأي شكل أو التطرق إلى أحكام تصدر من القضاء تنفيذًا لقوانين، واستنادًا لأدلة وأسانيد دامغة وقاطعة، في إطار مسار قضائي عادل ونزيه ومستقلّ"، مشددًا على أنه "لا يجوز تناول مثل تلك المسائل القضائية في أي أطر سياسية، أو ربطها بمسار العلاقات بين البلدَين، لما ينطوي عليه ذلك من تعقيدات غير مبررة".

 

تزييفٌ للعدالة

بدورها، وصفت منظمة العفو الدولية الحكم الصادر بحق النشطاء المصريين بأنه "تزييف للعدالة"، وغرّدت على حسابها على تويتر أن "ذلك تذكير ببطش السلطات المصرية بالمعارضين"، مضيفة: "طالبوا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإلغاء هذه الأحكام الآن، وإطلاق سراحهم فورًا".

أما نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، جو ستورك، فعلّقَ على الحكم قائلًا إن "الإنكار السافر للعدالة في الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة الاستثنائية لمعاقبة التعبير السلمي، يكشف إلى أي مدى أصبح نظام العدالة في مصر نفسه أداة للقمع. ينبغي للمحكمة إلغاء الحكم والإفراج عن عبد الفتاح والباقر وإبراهيم فورًا".

ووصفَ معاقبة المعارضين السلميين بأنها "ظلم فادح لأن سلطة الرئيس الواسعة على هذه المحاكم تقوّض استقلاليتها وحيادها. مسارعة الحكومة إلى استخدام محاكم الطوارئ قبل إعلان إنهاء حالة الطوارئ، بعد حبس هؤلاء الأشخاص احتياطيًّا بشكل غير قانوني لسنوات، يؤكد أن القمع الشرس بحق المنتقدين السلميين لا يزال سائدًا في مصر".

وكشفت المنظمة أن هناك ما لا يقلّ عن 48 حقوقيًّا وناشطًا سياسيًّا ومعارضًا محتجزين ظلمًا داخل السجون المصرية، قضوا أشهرًا وسنوات محبوسين احتياطيًّا، قد أُحيلوا بصورة سريعة إلى محاكم الطوارئ لمحاكمتهم، قبل أن يرفع الرئيس حالة الطوارئ، ملمّحة إلى أن هذا التحرك يعكس نية الحكومة في إخضاع هؤلاء المعتقلين للقواعد الاستثنائية لهذه المحاكم.

صفحة "الموقف المصري" المعارضة على فيسبوك، علّقت على الحكم بأنه "استمرار لنهج قمعي قرر النظام أنه حيكمل فيه للآخر، فيه كلام عن استراتيجية حقوق انسان، وتواصل محمود من أشخاص زي أنور السادات مع النظام للإفراج عن معتقلين وكلام عن انفراجة طول الوقت، لكن على أرض الواقع مفيش حاجة، فيه استمرار في نفس النهج القمعي وتقويض أسس العدالة والقضاء المستقل في البلد وده شيء خطير مش بس على حرية التعبير في مصر ولا على الديمقراطية ولكن على أدني مكونات السلام الاجتماعي والاستقرار"، محذِّرة من أنه "لو الثقة انعدمت في القضاء وفي حكم القانون في البلد فده خطير على الدولة قبل المواطنين، لو الأحكام القضائية وسير المحاكمات حتبقي كده في البلد فده خطير جدًّا".

 

إصرار على الانتهاكات

حين أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 10 سبتمبر/ أيلول 2021، "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، في 78 صفحة، وتهدف بحسب ديباجتها إلى "النهوض بكل حقوق الإنسان في مصر، من خلال تعزيز احترام وحماية كل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتضمّنة في الدستور والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية المنضمة إليها مصر، تحقيقًا للمساواة وتكافؤ الفرص دون أي تمييز"؛ توقّع البعض أن مصر على أبواب صفحة جديدة من تصحيح مسارها الحقوقي، بعد الانتقادات المتتالية التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، بسبب الانتهاكات المستمرة التي وضعتها في مؤخرة الترتيب العالمي حقوقيًّا.

الاحتفاء الذي قوبلت به تلك الاستراتيجية حينها، صعّد منسوب الأمل لدى أهالي وذوي المعتقلين بأن الأيام القادمة ستشهد انفراجة كبيرة بشأن المحبوسين، لا سيما من هم على ذمة قضايا سياسية، لكن المفاجأة أنه وبعد مرور قرابة 100 يوم على هذه الخطوة لم يتغيّر شيء، بل على العكس تزايدت وتيرة الاعتقالات والانتهاكات بمختلف أشكالها الاجتماعية والاقتصادية.

رصدت منظمة "كوميتي فور جستس" الحقوقية (مستقلة) في تقرير لها 1046 اعتقالًا تعسفيًّا في 10 محافظات مصرية مختلفة، و187 حالة اختفاء قسري، منهم 11 شخصًا تمَّ إخفاؤهم داخل مقارّ الاحتجاز بعد حصولهم على حكم بالبراءة من محكمة أمن الدولة طوارئ وتمَّ تدويرهم على قضايا جديدة، خلال 3 أشهر في الفترة من 10 سبتمبر/ أيلول 2021 إلى 10 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.

وخلص التقرير إلى أن الاستراتيجية وما سبقها من خطوات مسبقة، كإلغاء قانون الطوارئ والإفراج عن بعض المعتقلين، ليست أكثر من بروباغندا إعلامية هدفها تجميل صورة النظام بالخارج، حيث ركّزت على مخاطبة الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية، فيما بقيَ الوضع الداخلي في الإطار ذاته: مزيد من القمع، مزيد من الانتهاكات، مزيد من التنكيل، وهو ما أثبتته أحكام أمس التي تعكس إصرار وعناد سلطوي على مواصلة الانتهاكات، ظنًّا أنها السبيل الوحيد لبقاء هذا النظام على قيد الحياة.