الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الصيني شي جين بينغ، خلال احتفال في موسكو بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والصين، في 5 حزيران/ يونيو 2019 .

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الصيني شي جين بينغ، خلال احتفال في موسكو بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والصين، في 5 حزيران/ يونيو 2019 .

ترجمة وتحرير: نون بوست

تمتلك كل دولة خطوطا حمراء، وهي عبارة عن حدود مصطنعة ومتغيرة تضعها الدول ولا تسمح للآخرين بتجاوزها. 

استخدمت الولايات المتحدة مفهوم المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية الحيوية منذ أوائل القرن التاسع عشر ضمن ما يُعرف بمبدأ مونرو الشهير (1823)، وهو جوهر السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عهد الرئيس جيمس مونرو (1817-1825). 

من الأمثلة الأخرى على الخطوط الحمراء، أزمة الصواريخ الكوبية وأزمة برلين في مطلع ستينيات القرن الماضي، وحرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل، عندما وُضعت القوات الأمريكية في حالة تأهب قصوى.

وفي شهر كانون الثاني/ يناير 1980، مثّل مبدأ كارتر خطا أحمر للاتحاد السوفيتي بعد غزو أفغانستان سنة 1979 بعدم تجاوز حدود ذلك البلد.

وفي سنتي 1991 و1999، أسفر تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية في الخليج والبلقان عن اندلاع حربين ضد العراق وصربيا. تكرر السيناريو ذاته مرة أخرى خلال الغزو الأمريكي لأفغانستان سنة 2001، والعراق سنة 2003، والحرب التي قادها الناتو على ليبيا سنة 2011.

لاحقا، قدم دونالد ترامب استراتيجيته للأمن القومي، وتلاه الرئيس جو بايدن الذي حدد توجهه الاستراتيجي، وكلاهما ينظر إلى النظام الدولي الحالي باعتباره ساحة للتنافس بين القوى العظمى.

ينظر الأمريكيون إلى الصين وروسيا، وبدرجة أقل إيران وكوريا الشمالية، باعتبارها تهديدا لمصالح وأمن الولايات المتحدة، وعلى نطاق أوسع، تهديدا للنظام العالمي القائم على القواعد التي صاغتها وفرضتها واشنطن منذ سنة 1945.

تعريف النظام الدولي باعتباره منافسة بين القوى العظمى يعني ضمنا أنه يجب الاعتراف بجميع القوى ومراعاة مصالحها التي قد تتعارض أحياناً

تتجلى هذه المنافسة حول قضايا عالمية مثل تغير المناخ، وشبكة الجيل الخامس، والنزاعات التجارية، وسلاسل التوريد، ومنع انتشار الأسلحة النووية، والأمن السيبراني، والتشابك الكمي والحوسبة، وحقوق الإنسان، وكذلك الأزمات المحلية مثل أوكرانيا وتايوان وبحر الصين الجنوبي وغيرها من القضايا.

لعبة خطرة

من أجل التصدي على نحو أفضل للمخاطر التي تهدد الاستقرار الدولي، طالب بايدن القوى العظمى بتحديد قواعد المنافسة، ويبدو ذلك للوهلة الأولى تصرفا حكيما. 

مع ذلك، فإن تعريف النظام الدولي باعتباره منافسة بين القوى العظمى يعني ضمنا أنه يجب الاعتراف بجميع القوى ومراعاة مصالحها التي قد تتعارض أحيانا.

ونظرا لأن المصالح المتضاربة قد تؤدي إلى تجاوز الخطوط الحمراء، فإن المسؤولية الأساسية لكل طرف في هذه اللعبة الخطرة تتلخص في منع تصعيد المنافسة إلى صراع عالمي. قد يبدو ذلك منطقيا على مستوى نظري، لكن من الصعب تخيل كيف يمكن إدارة المنافسة عمليا إذا رفضت كل قوة عظمى الاعتراف بالخطوط الحمراء لخصومها، أو تجاوزت تلك الخطوط.

في العقود الثلاثة الماضية، أعطت الولايات المتحدة وحلفاؤها انطباعا قويا بأنها تعتبر خطوطها الحمراء هي الخطوط الشرعية الوحيدة عالميا. والواقع أن انهيار الاتحاد السوفيتي أسفر عن صمود دولة واحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، ولكن سرعان ما تبدد هذا التفوق في أعقاب سلسلة من الهزائم على المسرح العالمي. لم تعد الولايات المتحدة حاليا القوة العظمى الوحيدة في العالم، وبدأ يتشكل نظام عالمي جديد.

لا يعتبر هذا الأمر مفاجئا بالنسبة للولايات المتحدة، فقد أشار تقرير حول الاتجاهات العالمية، صدر في شهر كانون الثاني/ يناير 2017 عن مجلس المخابرات الوطني الأمريكي إلى أن "المشهد العالمي الجديد يقترب من نهاية الحقبة القائمة على الهيمنة الأمريكية التي بدأت في أعقاب الحرب الباردة، بغض النظر عما إذا كانت الأمور تتجه للأفضل أو للأسوأ. قد نشهد أيضا نهاية القواعد التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية".

عندما تقرأ بين السطور في استراتيجية بايدن للأمن القومي لسنة 2021، ستصل إلى نفس الاستنتاج، أي أنه يتعين على الولايات المتحدة مراعاة الخطوط الحمراء للقوى الأخرى. لكن من المؤسف أن ما تقوم به الولايات المتحدة على أرض الواقع لا ينسجم مع هذا التوجه.

منذ سنة 1991، لم تتردد الولايات المتحدة وحلفاؤها في استخدام القوة لتحقيق مصالحهم. في بعض الحالات، لم يكن لديهم أسس قانونية للقيام بتلك التدخلات، على غرار ما حدث في كوسوفو سنة 1999، والعراق سنة 2003، وليبيا سنة 2011.

الخطوط الحمراء

تم التذرع بالخطوط الحمراء في هذه الحروب الثلاث، لكن لم تكن المصالح الأمنية الحيوية للولايات المتحدة مهددة في أي منها. 

في الوقت الراهن، تزعم الولايات المتحدة وحلفاؤها أن الصين وروسيا وإيران تشكل تهديدا للنظام العالمي. تبدو بعض هذه الاتهامات مشروعة، لكن المشكل أن القواعد التي تستند إليها تلك الاتهامات تُطبق على الجميع باستثناء الدول الغربية، والنتيجة هي مزيد من التوتر وعدم الاستقرار على مستوى عالمي.

قد يكون الأمر مفاجئا لكثيرين، لكن موسكو وبكين وطهران تضع أيضا خطوطا حمراء. ورغم أنه يمكن التشكيك في شرعيتها، إلا أننا لا نملك عصا سحرية لطمس هذه الخطوط. إذا كانت الولايات المتحدة -كما يدعي رئيسها- تهدف إلى وضع قواعد للمنافسة الدولية، عليها أن تأخذ في الحسبان الخطوط الحمراء التي يضعها خصومها.

صورة
 ممثلون عن الوفود المشاركة في مفاوضات الملف النووي الإيراني في اجتماع استضافته فيينا في 1 آيار/مايو 2021.

يرى أعضاء حلف الناتو أن الأزمة بين أوكرانيا وروسيا سببها سلوك موسكو العدائي، مدعوما بالانتشار العسكري المكثف على طول الحدود. لكن الكرملين يعتقد أن انضمام أوكرانيا إلى الناتو يمثل خطًا أحمر ويشكل تهديدا أمنيا كبيرا وطمسا للهوية الروسية في البلاد. 

لم تبدأ الأزمة سنة 2008، أو بين سنتي 2013 و2014، عندما استولت روسيا على شبه جزيرة القرم ودفعت باتجاه أجل انفصال المقاطعات الشرقية عن أوكرانيا؛ بل يعود تاريخها إلى عقدين من الزمان، مع توسع الناتو باتجاه دول الشرق، والذي شكّل انتهاكا للضمانات التي قدمتها إدارة بوش سنة 1990، على حد تعبير روسيا.

تجاهل بيل كلينتون هذه الضمانات، ولم يأبه بالتحذير الذي أطلقه جورج كينان، مهندس سياسة الاحتواء ضد الاتحاد السوفييتي، بشأن العواقب السلبية لتوسّع الناتو شرقا. لم تأت مطالب فلاديمير بوتين وتهديداته بشأن أوكرانيا خلال الأسابيع القليلة الماضية من فراغ، بل تعود إلى 10 شباط/ فبراير 2007 والخطاب الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للسياسات الأمنية.

بعد مكالمة الفيديو التي دارت بين بايدن وبوتين في 7 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بدت الولايات المتحدة مستعدة للنظر في الطلبات الروسية، وقد قدمت موسكو بعض المقترحات المحددة. يأمل كثيرون أن تكون هذه بداية لوضع خارطة طريق لخفض التصعيد.

تتخذ الولايات المتحدة وحلفاؤها موقفا مماثلا بشأن أزمة الصين وتايوان، حيث يتهمون بكين بتهديد تايبيه عسكريا، ويرون أن النمو الاقتصادي والعسكري الهائل الذي حققته الصين في العقود القليلة الماضية دفع قيادتها المتغطرسة إلى التصرف بتهور، والتحرك لاسترداد الجزيرة المتنازع عليها عسكريًا.

من جانبها، ترى الصين أن جذور الصراع تمتد إلى ما لا يقل عن 70 سنة، عندما تدخلت الولايات المتحدة في المنطقة في أعقاب الحرب الأهلية الصينية سنة 1949. في ذلك الوقت، هزم الشيوعيون بقيادة ماو تسي تونغ القوميين بقيادة تشانغ كاي شيك الذي هرب مع طياري سلاحه الجوي وفلول جيشه إلى تايوان التي بسطت واشنطن مظلتها الأمنية عليها. تتخذ الصين موقفا مماثلا بشأن هونغ كونغ وإقليم شينجيانغ، منددة ببقايا الاستعمار الغربي وتدخله في الشؤون الداخلية، لكن واشنطن مازالت تتجاهل الخطوط الحمراء الصينية الثلاث.

نظام هجين

تعتبر إيران برنامجها النووي خطا أحمر، وهي غير مستعدة لكبحه ووضعه تحت رقابة دولية صارمة إلا إذا رفع المجتمع الدولي بشكل دائم العقوبات المفروضة عليها. لكن الجهود لحل هذه المشكلة باءت بالفشل، بعد إلغاء اتفاق 2015، ولم تكن طهران هي السبب.

مازالت الصراعات الجيوسياسية التقليدية تلقي بظلالها على الساحة الدولية

تسير المحادثات الجديدة في فيينا في جو من عدم الثقة والاتهامات المتبادلة. تريد إيران أن تحصل من الأمريكيين على تعهد بأن أي اتفاق يتم التوصل إليه في فيينا لن تخرقه الإدارة الأمريكية المقبلة، على غرار ما فعله ترامب سنة 2018 عندما انسحب من الاتفاق النووي.

وتريد إسرائيل -التي لا تشارك رسميا في المفاوضات ولكنها تلعب دورا مؤثرا للغاية في صنع القرار الأمريكي- الحصول على ضمانات أمريكية بمشروعية شن هجمات على إيران حتى في حال التوصل إلى اتفاق. لكن لا يمكن لأي إدارة أمريكية أن تقدم هذين التعهدين في وقت واحد، على الأقل إدارة بايدن الحالية المحاصرة من عدة جبهات في الداخل والخارج.

وفيما يتنبأ بعض الخبراء بأن تلعب المنافسة التكنولوجية والرقمية دورا محوريا في تشكيل النظام العالمي الجديد، مازالت الصراعات الجيوسياسية التقليدية تلقي بظلالها على الساحة الدولية.

من المنتظر أن تكون قضايا المستقبل - أي من سيتحكم في البيانات وشبكة الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والثورة الكمية ووضع المعايير التكنولوجية - الأهم في المرحلة القادمة، بغضّ النظر عما يعتقده الأمين العام لحلف الناتو، والصراعات الجيوسياسية على طريقة الحرب الباردة. ما نعيشه اليوم هو نظام هجين يتميز بالتقلبات وعدم اليقين والغموض.

المصدر: ميدل إيست آي