قررت حكومة أبو ظبي حصر الفتوى في "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي"، محذرة من "نشر أو إعادة نشر أي فتوى شرعية غير معتمدة من المجلس والجهات الرسمية المخولة بالفتوى في الدولة"، وذلك تفاديًا "لانتشار الكراهية والطائفية والتكفير والتشدد، والتطرف"، حسب البيان الصادر عن المجلس.

وأوضح المجلس الذي يرأسه الموريتاني الأصل، إماراتي الجنسية، عبد الله بن بيّه، أن هذا القرار جاء نتيجة للتجاوزات والمخالفات التي منيت بها منظومة الإفتاء في البلاد، وأنه يهدف لضبط الفتوى وتنظيمها وحمايتها، داعيًا "أفراد المجتمع ومؤسساته كافة إلى عدم الخوض في مسائل الفتوى الشرعية دون ترخيص أو تصريح".

القرار أثار جدلًا كبيرًا لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فوصفه البعض بأنه محاولة مباشرة لـ"تأميم الفتوى" بصورة رسمية في الدولة الخليجية، بما يتعارض مع شعارات اللبرلة والثراء الثقافي وحرية الاعتقاد التي يرفعها أبناء زايد، ويطعن في حقيقة "دولة التسامح" كما يطلق عليها المسؤولون والإعلام الرسمي الإماراتي.

تأميم الفتوى

منذ 2017 وضعت الإمارات خطةً ممنهجةً لإحكام السيطرة على الفتاوى والآراء الشرعية والفقهية، تزامن ذلك مع توجهات أبناء زايد في تلك الفترة، التي كانت تنحصر في ثلاثة مسارات رئيسية هي: وضع أسس ما سمي بـ"الإسلام المعتدل" لمغازلة الغرب والحصول على صكوك البركة والغفران، والتطبيع مع دولة الاحتلال بصفته البوابة الرئيسية لتحقيق الأجندة التوسعية الإقليمية، ثم التخلي عن المرتكزات الوطنية والقومية، إذا كانت تتعارض مع صورة الدولة الجديدة التي يسعى حكامها لتصديرها للخارج.

وكانت باكورة تلك الخطة تدشين "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي" ليكون الجهة الوحيدة في الدولة المخولة بإصدار الفتاوى الشرعية العامة، وعليه فلا يحق لأي جهة أو فرد إبداء رأيه في هذه المسائل الدينية، كما أن المجلس هو المسؤول عن تحديد هوية من يمارس الفتوى من خلال سلطة منح التراخيص والتصاريح.

قصر الفتوى على جهة معينة وشخوص محددين، يتم اختيارهم عبر معايير لا علاقة لها بالدين، نوع من الاحتكار المحرم شرعًا بحسب العلماء، هذا من وجهة النظر الدينية، غير أن المسألة أكبر من تلك النظرة الضيقة، فالأمر له أبعاد سياسية بحتة، تتعلق بسد كل نوافذ الإفتاء التي ربما تضع النظام في حرج خاصة أن معظم توجهاته في الفترة الأخيرة تتعارض مع صحيح الدين وأحكامه ومرتكزاته الأساسية، وهو ما قد يكون له تداعيات إزاء استثارة الشارع وزيادة درجة الاحتقان، الأمر الذي لا يمكن أن يُسمح به في عقيدة أبناء زايد الإقصائية.

طمس الهوية الدينية

يعلم ابن زايد جيدًا قيمة الدين في حياة أبناء الخليج، وأنه مهما حاول طمس الهوية الدينية التقليدية بما يخدم أهدافه السياسية، فإنه حتمًا سيصطدم بالشارع المتدين بطبعه، ومن ثم كان لا بد من البحث عن نسخة بديلة من المنهج الإسلامي، ترضي الشعب من جانب وتخدم مشروعه من جانب آخر، ومن هنا جاءت خطة الإسلام المتعدل الذي يتناغم مع الأمريكان خصوصًا والغرب بوجه عام.

ولم يجد ابن زايد أفضل من الصوفية لأداء هذا الدور، لكنها الصوفية الممزوجة بالليبرالية التي تعلمها في بريطانيا، فجعل من بلاده مركزًا رئيسيًا لنشر الفكر الصوفي بمفهومه الجديد، ذلك المفهوم الذي يسهل من تطويعها لأغراض سياسية، وحشد لذلك جهود مؤسسات الدولة كافة وفتح لأجل هذا الغرض خزائنها.

ويأتي على رأس الأدوات التي استخدمها حاكم أبو ظبي لنشر هذا التوجه الجديد، "مؤسسة طابة" تلك المؤسسة التي تضم بين ثناياها نخبة من أقطاب الصوفية في العالم الإسلامي، الحبيب علي الجفري وعبد الله بن بية والسوري سعيد البوطي، بجانب استمالتها لبعض الأسماء الأخرى كمفتي مصر الأسبق علي جمعة، وتهدف إلى صياغة نهج إسلامي جديد يتفق مع مخرجات العولمة والحداثة، تحت مظلة التعايش الإنساني الذي تروج أبو ظبي له.

حارب ابن زايد من أجل تلميع صورته الخارجية كمصلح من الطراز الأول يستحق الدعم والتأييد والمساندة من العواصم الغربية، شأنه في ذلك شأن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، الذي لم يدخر جهدًا لتجميل صورته ولو على حساب مرتكزات بلاده الدينية والعربية والمجتمعية.

وخلال السنوات السبعة الماضية تحديدًا، أنفق حكام الإمارات مئات المليارات من الدولارات من أجل تحويل بلادهم إلى قلعة التسامح الكبرى، بل وصل الأمر إلى اختراع منهجية دينية جديدة تسمى "الإبراهيمية" التي تهدف كما هو معلن التقريب بين الديانات السماوية الثلاثة، لكنها في حقيقتها امتداد لمشروع التوسع وتمرير الأجندة الإماراتية في المنطقة من خلال عباءة الدين.

ضرب الليبرالية في مقتل

يمكن القول إن ابن زايد مصاب بما يسمى "الشيزوفرينيا السياسية"، لكنها من النوع المتطرف نسبيًا، فالرجل يسير في ممارساته وإجراءاته عكس الشعارات التي يرفعها تمامًا، وهو ما بات واضحًا للجميع خلال الآونة الأخيرة، وكانت سببًا رئيسيًا في تقزيم دور بلاده إقليميًا بعدما سقطت الأقنعة المزيفة التي كان يرتديها لخداع الجميع.

ففي الوقت الذي يعزف فيه ولي عهد أبو ظبي على أوتار الليبرالية، عذبة الصوت واللحن، ليل نهار، يمارس كل ما يتعارض مع تلك الأوتار، فبينما يدعي أن بلده دولة التسامح تمتد يد بطشه لتشمل كل من يغرد خارج السرب، أكاديميين وحقوقيين وصحفيين ونشطاء.

وكانت المحاكمة الجماعية التي أقامها للأكاديميين في 2013 إثر مطالبهم الإصلاحية إبان اندلاع ثورات الربيع العربي، خير دليل على القناع المزيف الذي يرتديه الرجل أدرج أكثر من 80 منظمةً إسلاميةً حول العالم على قائمة الإرهاب منها، جمعيات خيرية مشهورة، ومنظمات مجتمع مدني لها ثقلها، في أمريكا وأوروبا.

هذا بخلاف الخطاب التحريضي ضد المساجد في الغرب، الذي بلغ ذروته في تحميل وزير التسامح الإماراتي، نهيان مبارك آل نهيان، المساجد في أوروبا مسؤولية الهجمات الإرهابية، داعيًا إلى تشديد المراقبة عليها، وتشديد القوانين في بنائها واقترح إرسال أئمة من الإمارات للإشراف عليها، وهو الخطاب المطابق لخطاب اليمين المتطرف في أوروبا.

وبلغت كراهية محمد بن زايد لكل ما هو إسلامي، أن ساهم بشكل أو بآخر في مناهضة كل التيارات التي تتخذ من الإسلام شعارًا لها، فالأزمة لم تكن مع جماعة الإخوان المسلمين كما يحاول أن يصدر، وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال بعض الشواهد على رأسها اعتراف الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند، بتقديم ابن زايد له 400 مليون دولار لتمويل عمليات الجيش الفرنسي في مالي خلال قتاله ضد الإسلاميين.

ثم جاء الربيع العربي ليكشف أبناء زايد عن الوجه الحقيقي لهم في إجهاض إرادة الشعوب ومحاربة الإسلاميين في كل المحطات التي مر بها قطار الثورات منذ 2011، ليقود ابن زايد وحلفاؤه في الرياض والمنامة وبعض العواصم الغربية ثورتهم المضادة التي هدفت إلى دعم الأنظمة الانقلابية الجنرالية، كونها الأداة الوحيدة لتقليم أظافر التيارات الإسلامية وتمييع الدين باسم التسامح وقبول الآخر.

وقد كشف سفير ابن زايد في واشنطن، يوسف العتيبة، عن هذا التوجه بشكل مباشر دون تأويل، خلال تعليقه على الأزمة مع قطر في 2017، حين قال: "الخلاف مع قطر ليس دبلوماسيًا، بقدر ما هو فلسفي بشأن رؤية الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين لمستقبل الشرق الأوسط"، مؤكدًا أن: "رؤية الدول الثلاثة لحكومات الشرق الأوسط بعد عشر سنوات هي حكومات علمانية".

ابن بيه.. شيخ ابن زايد المعمم

وتحول عبد الله بن بيه، الذي كان بالأمس مصطفًا إلى جوار الشيخ يوسف القرضاوي، وهو أحد أقطاب جماعة الإخوان، محتفيًا بالثورات العربية قبل عقد من الآن، إلى معول ابن زايد الهدام لكل الثوابت الدينية، سواء عبر مؤسسة "طابة" سابقًا، واليوم على رأس مجلس الإفتاء الشرعي.

وسقط العالم الموريتاني في مستنقع حكام الإمارات بعد غواية الشيخ اليمني، المقرب من أبناء زايد، الحبيب علي الجفري، له، ليدشن بعد ذلك "منتدى تعزيز السلم" الذي تحول من كيان مؤسسي يعزز العفو كمفهوم مقدم على العدالة، إلى غطاء لمؤسسات دينية تناهض خصوم الإمارات السياسيين.

وفي 19 أبريل/نيسان 2021 ظهر ابن بيه إلى جوار ولي عهد أبو ظبي خلال ترويج الأخير لفيديو عن اتفاق أبراهام التطبيعي بين الإمارات ودولة الاحتلال، وعلق حينها قائلًا: "فعل الخير والمعروف والتضامن هو السبيل لإنقاذ البشرية"، وهو التصريح الذي فهم منه الترويج الكامل والمطلق للتطبيع الإماراتي الإسرائيلي.

كما أن العالم الموريتاني الإماراتي ومجلسه الموقر التزما الصمت إزاء الاعتداءات والانتهاكات التي شنتها قوات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني في غزة، بل على العكس من ذلك، حين أجبرا على الوجود من باب حفظ ماء الوجه، وضعا الطرفين في سياق واحد، الفلسطينيين والمحتل، داعين إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد.

وكان نتاجًا لتلك المواقف المخزية أن قرر أعضاء الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فصل عبد الله بن بيه ومعه مفتي مصر الأسبق علي جمعة والمستشار الديني في ديوان ولي عهد أبو ظبي، فاروق حمادة، في يوليو/تموز 2021، حسبما أشر عضو المجلس وصفي أبو زيد.

وفي المجمل.. فإن كان قرار احتكار مجلس الإفتاء بإصدار الفتاوى المتعلقة بالمسائل الشرعية، وحرمان أي جهة أو شخص آخر من القيام بهذا الدور دون العودة لهذا الكيان، يأتي - ظاهريًا - في إطار ضبط منظومة الفتوى من الفوضى كما قال المجلس، فإنها في حقيقة الأمر - عمليًا - خطوة في إطار منهجية تمييع الدين وتحويله إلى أداة لخدمة المشروع السياسي الإماراتي في المنطقة، لتواصل دولة التسامح إصرارها على إبقاء شعاراتها القديمة مجرد لافتات - دون قيمة - لا تفارق جدران المنظمات وعناوين الصحف والمواقع ومنصات السوشيال ميديا.