"أتمنى لو لم أولَد على الإطلاق" أو "أتمنى أن أنام وألّا أستيقظ أبدًا"، عبارات يردّدها أطفال وقد نسمعها باستمرار في بيوتنا دون أن ندرك خطورتها، لكن تزايُد حالات الانتحار بشكل لافت بالسنوات الأخيرة بين صفوف الأطفال والمراهقين، حتّم على الآباء القيام بكل ما هو ممكن لمنع وصول أبنائهم لهذه النتيجة الكارثية.

وما بين المزاح والجدّ، وبين التلويح والتهديد وإمكانية تحولها إلى فعل حقيقي، تحوّلت هذه العبارات إلى كابوس حقيقي يلاحق الآباء خشية أن ينزلق أبنائهم للقيام بهذا الفعل، الذي لا يمكن إصلاحه لاحقًا ولا يمكن توقعه مسبقًا، بسبب دوافع قد تكون غير مفهومة أو مبرَّرة، منها التقليد أو عقاب الذات والأهل، أو كردّ فعل مبالغ به وغير محسوب النتائج اتجاه مشاكل بسيطة، قد تكون اجتماعية أو نفسية أو اقتصادية.

وفي ظلِّ التكتُّم الكبير من قبل الحكومات والجهات الرسمية والقيود الاجتماعية والأبعاد الدينية، يصعب الوصول إلى إحصاءات دقيقة حول نِسَب الانتحار في العالم العربي، سواء في صفوف الكبار والشباب أو الأطفال والمراهقين، لكنَّ القصص التي تنتشر على نطاق ضيّق في المجتمعات أو تنجح بعض الجهات في إثارتها بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهرُ بشكل واضح ازديادًا ملموسًا في حالات الانتحار في صفوف صغار السن.

لم يتجاوز 14 عامًا

في قصة شهدها قطاع غزة في فلسطين المحتلة، ولم تُثِرْها وسائل الإعلام الرسمية، كما أنها لم تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أقدمَ مراهق لم يتجاوز الـ 14 عامًا على الانتحار شنقًا، وذلك عقب أسابيع من إقدام قريبه (ابن عمه) على الانتحار بطريقة مشابهة، بسبب خلافات عائلية عادية، ما خلّفَ صدمة هائلة لدى العائلة، وتسبّب في ارتدادات نفسية كبيرة على المحيطين بالعائلة المكلومة.

وبحسب مصدر مقرَّب من العائلة، فإن (أ.ع) من سكّان شمال قطاع غزة، أقدم على الانتحار في نوفمبر/ تشرين الثاني من خلال شنق نفسه بحبل ربطه بمروحة سقف منزل يعود للعائلة، وذلك بعد خلافات "عادية" مع عائلته حيث قنّنَ والده مصروفه اليومي، بسبب علمه بأنه يستخدمه لشراء السجائر والتدخين الذي كان يرفضه، والذي لم يتوقع بدوره على الإطلاق أن تصلَ الأمور إلى هذا الحدّ.

يقول المصدر المقرَّب من العائلة لـ"نون بوست": "لم يكن يعاني من أي مشاكل حقيقية، ولم يكن فاشلًا دراسيًّا، ولم يتعرّض لأي صدمات نفسية أو اجتماعية، وأوضاع عائلته الاقتصادية جيدة"، ويضيف المصدر: "في الأشهر الأخيرة كان يرغب في مصادقة شبّان أكبر منه سنًّا، وهو ما جرّه لتقليدهم بتدخين السجائر، الأمر الذي حاول والده منعه بكل الطرق، ومنها تقليل المصروف اليومي الممنوح له، ما دفعه للتهديد مرارًا بالانتحار دون أن يلتفت أهله لخطورة ما يقوله".

تشير تقارير غير رسمية إلى أن الأراضي الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة المحاصر، شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد حالات الانتحار عند فئات مختلفة، ولأسباب ودوافع مختلفة كان أبرزها الصعوبات الاقتصادية والظروف الاجتماعية.

وبحسب المصدر، فإن اليوم الذي أقدمَ فيه المراهق على الانتحار لم يشهد أي خلافات كبيرة، حيث وُجد معلَّقًا بحبل على شكل مشنقة في سقف إحدى الغرف بمنزل العائلة، وأشار تقرير للشرطة والطبّ الجنائي أنه حاول التراجُع وفكّ الحبل عن رقبته لكنه لم يتمكّن ما أدّى إلى وفاته.

ويقول مقرّب من العائلة إن "الجميع يعيش في حالة ذهول وصدمة وخوف"، ويكمل المصدر: "أطفالي كانوا يعرفون الطفل وتأثروا كثيرًا بالحادثة، حتى أنهم هددوني بالانتحار على أشياء بسيطة جدًّا، لم نعد متيقّنين من صحّة ما نتصرّف به، هل نمنع أطفالنا عن التصرفات الخاطئة في إطار تربيتنا التقليدية، أم نسكت عنها لنتجنّب إقدامهم على الانتحار؟ هذا الأمر تحول إلى كابوس".

وتشير تقارير غير رسمية إلى أن الأراضي الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة الذي يعاني من حصار إسرائيلي منذ أكثر من 15 عامًا، شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد حالات الانتحار عند فئات مختلفة ولأسباب ودوافع مختلفة، كان أبرزها الصعوبات الاقتصادية والظروف الاجتماعية.

الانتحار بسبب "الحب"

قصص الحب والزواج عامل متكرِّر يدفع المراهقين والشباب للانتحار، ومؤخرًا برزت قصة اليوتيوبر العراقي حمودي المولى الذي لم يتجاوز الـ 18 عامًا، عندما أقدمَ في نوفمبر/ تشرين الثاني على الانتحار شنقًا داخل منزله بمنطقة سوق الشيخ في محافظة ذي قار العراقية، وقالت مصادر عراقية عدة إن سبب انتحار المولى هو زواج "عشيقته" من شاب آخر.

وفي حادثة أخرى شهدها العراق مؤخرًا، أقدمَت فتاةٌ تُدعى هدى سليمان على الانتحار بحرق جسدها، عقب سكب مواد قابلة مساعدة للاشتعال عليه، ما أدّى إلى إصابتها بحروق بالغة جدًّا، حيث قالت مصادر مختلفة إن الفتاة أقدمت على ذلك بسبب إجبارها على ترك المدرسة والزواج من أحد أقاربها الذي لم تقبل به.

وفي النصف الأول من عام 2021 وثّقت المفوضية العليا لحقوق الإنسان 87 محاولة انتحار في العراق، بينها 47 من الذكور و27 من الإناث، و13 من الأحداث القاصرين، وسجّلت محافظة ذي قار أعلى معدلات الانتحار بـ 19حالة تلتها بغداد بـ 18 حالة.

وفي عام 2020، سجّل العراق 122 حالة انتحار باستخدام الحرق بالنار من مجموع 644 محاولة انتحار، ومن هذا المجموع بلغت أعداد الذكور 368، والإناث 276، لتتصدّر العاصمة بغداد المحافظات الأخرى بأعلى المعدلات، حيث بلغت 139 حالة تلتها محافظة البصرة بـ 86 حالة ومحافظة ذي قار بـ 80 حالة ومحافظة نينوى بـ 69 حالة، وذلك بدوافع وأسباب مختلفة أبرزها الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية الصعبة التي يمرُّ بها العراق في السنوات الأخيرة.

الحرب تدفع إلى الانتحار

وفي سوريا أظهر تقرير لمنظمة "أنقذوا الأطفال" البريطانية ارتفاع عدد الأطفال الذين يحاولون الانتحار أو ينتحرون في شمال غرب سوريا بشكل حادّ خلال السنتَين الأخيرتَين، وأشار التقرير إلى أنه في كل حالة واحدة تقريبًا من كل 5 حالات انتحار، تكون الضحية مراهقًا أو مراهقة.

وأفادت المنظمة في التقرير الذي نشرته نهاية أبريل/ نيسان الماضي، أن العدد الإجمالي لحالات الانتحار في منطقة إدلب ارتفع بشكل مطّرد منذ أبريل/ نيسان 2019، غير أنه قفزَ بنسبة 90% خلال الربع الأخير من عام 2020 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وسجّلت 246 حالة انتحار و1748 محاولة انتحار خلال تلك الفترة.

وأكّدت المنظمة أن ما لا يقلّ عن 42 شخصًا حاولوا الانتحار لا تتجاوز أعمارهم 15 عامًا أو أقل، في حين أن 18% من ضحايا الانتحار من المراهقين والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و20 عامًا.

وقالت المنظمة إن هذه الأرقام تظهر الظروف المتدهورة للسوريين في شمال غرب البلاد، إذ يعانون من الفقر ونقص التعليم والعمل والعنف المنزلي وزواج الأطفال، وغيرها من الظواهر بسبب الحرب التي دامت أكثر من 10 سنوات.

من هم المعرَّضون للانتحار؟

من ناحية معدلات الانتحار في الدول العربية، تحلُّ مصر في المرتبة الأولى، متقدِّمة في ذلك على دول تشهد نزاعات مسلحة وحروبًا أهلية، وتليها السودان ثم اليمن فالجزائر.

ورغم ثبوت الصلة بين الانتحار والاضطرابات النفسية (خاصة الاكتئاب والاضطرابات الناجمة عن تعاطي الكحول) في البلدان المرتفعة الدخل، فإن كثيرًا من حالات الانتحار تحدث باندفاع في لحظات الأزمة، عندما تنهار قدرة المرء على التعامل مع ضغوط الحياة، مثل المشاكل المالية أو الطلاق أو الآلام والأمراض المزمنة.

وبالإضافة إلى ذلك، ثمة صلة قوية بين النزاعات والكوارث والعنف وسوء المعاملة أو فقدان الأحبّة والشعور بالعزلة بالسلوك الانتحاري، وترتفع معدلات الانتحار كذلك بين الفئات الضعيفة التي تعاني من التمييز مثل اللاجئين والمهاجرين والشعوب الأصلية والسجناء والأقليات الجنسية.

وتبيِّن منظمة الصحة العالمية أن الانتحار رابع سبب للوفاة بين اليافعين من الفئة العمرية بين 15 و19 عامًا، والسبب الثاني للوفاة بين فئة الشباب من الفئة العمرية 24 عامًا فما فوق.

ما الذي يجعل المراهق عرضة للانتحار؟

يكون الكثير من المراهقين الذين يحاولون الانتحار أو ينتحرون بالفعل مصابين بمرض عقلي، ونتيجة لذلك هم يعانون من مشكلات في التكيُّف مع الضغط النفسي المصاحب لكونهم مراهقين، مثل التعامل مع الرفض والفشل والانفصال والصعوبات المدرسية واضطراب العلاقات الأسرية، كما أنهم لا يتمكّنون من إدراك أن بمقدورهم تغيير حياتهم إلى الأحسن، وأن الانتحار ما هو إلا ردّ فعل دائم لمشكلة مؤقتة وليس حلًّا لها.

ما عوامل الخطر لانتحار المراهقين؟

ريما يشعر المراهق بالرغبة في الانتحار بسبب ظروف معيّنة في الحياة، مثل:

- الإصابة باضطراب نفسي، مثل الاكتئاب أو اضطراب القلق أو الاضطراب ثنائي القطب أو اضطراب التحدي المعارض.

- وجود تاريخ عائلي مرضي من اضطرابات المزاج أو الانتحار أو السلوك الانتحاري.

- وجود تاريخ من الإساءة البدنية أو الجنسية أو التعرُّض للعنف أو التنمُّر.

- اضطرابات إساءة استخدام العقاقير.

- إمكانية الوصول إلى وسائل الانتحار، مثل الأسلحة النارية أو الأدوية.

- التعرض إلى تجربة انتحار أحد أفراد الأسرة أو أحد الأصدقاء.

- النزاع مع الأصدقاء المقرَّبين أو أفراد الأسرة أو فقدانهم.

- المشكلات الجسدية أو الطبية، مثل التغييرات المتعلقة بالبلوغ أو الأمراض المزمنة.

أسباب أخرى

لا شكَّ أن هناك سببًا آخر، وهو تأثيرات كورونا وتبعاتها الاقتصادية وقدرة تكيُّف الوالدَين وتفهُّمهما لهذه الفترة، ما يولّد شعور العزلة أو الاكتئاب أو العنف الأسري بين الطرفَين، ما ينعكس على الأطفال بشكل كبير، ما أدّى إلى ارتفاع نسبة الانتحار لدى الأطفال والمراهقين في السنتَين الأخيرتَين، كما أصبح الطفل أسير التعليم الإلكتروني وبعيدًا عن الانخراط بأقرانه والحديث معهم بشكل مباشر، حيث ازداد تعلُّقه أكثر بالعالم الافتراضي كنتيجة طبيعية لقضاء الحجر المنزلي.

كما أن انتشار الحروب وعدم الاستقرار الأمني والسياسي من أبرز الأسباب لتفشّي ظاهرة انتحار الأطفال والمراهقين، فضلًا عن عامل الفقر وانتشار البطالة وتداعيات الحروب التي شهدتها الدول المنكوبة خلال العقود الأخيرة، مثل العراق وفلسطين المحتلة وسوريا، وما نتجَ عنها من واقع مرير وغياب لحقوق الإنسان وأبسط مقومات الحياة.

مسؤولية مشترَكة

في النهاية، يمكن التعرُّف إلى عزم أولادنا على الانتحار مسبقًا، وملامستها من قبل الآباء والأمهات والمراكز التوعوية والنفسية، وذلك من خلال تعزيز دَور المدراس ودُور رعاية الطفل في نشر الوعي لهذه الفئة، ومراقبة تقلُّبات مزاج الطفل من خلال نمط الأكل والتخلي عن مقتنياته التي يرغبها في السابق وطريقه نومه، والاطِّلاع على طبيعة أصدقائه وطبيعة التطبيقات الإلكترونية وحساباته الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي.

كما يمثل "التهديد المسبق" إشارة قوية على نية الانتحار، أو حين يضع الأطفال والمراهقون ثقتهم فقط في أقرانهم حصرًا، ولذلك يجب تشجيع الأصدقاء من خلال عمل اللقاءات والحصص المدرسية على عدم الاحتفاظ بسرّ طفل لديه ميول انتحارية، ما قد يؤدي في النهاية إلى موت صديقه.