منشأة لتخزين الغاز في روسيا وفّرت 47 بالمئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز في النصف الأول من سنة 2021.

ترجمة وتحرير: نون بوست

يواجه الاقتصاد العالمي اضطرابًا آخر ذلك أن قرار روسيا نشر قواتها في مقاطعتين أوكرانيتين انفصاليتين واحتمال تصعيد العدوان والعقوبات الانتقامية من قبل الغرب سيؤدي إلى زيادة المخاطر التي يتعرّض لها الاقتصاد العالمي المترنح بالفعل بسبب سلاسل التوريد المعقّدة ومعدلات التضخم التي وصلت إلى مستويات قياسية هذا إلى جانب أسعار الطاقة المرتفعة التي حفّزتها التوترات الحالية.

في وقت متأخر من يوم الإثنين، أمر الرئيس فلاديمير بوتين الجنود بالتوجه إلى منطقتين انفصاليتين في أوكرانيا بعد الاعتراف باستقلالهما، في خطوة تهدد بإفشال المفاوضات مع الغرب بشأن الأمن المستقبلي لأوروبا الشرقية وفرض عقوبات انتقامية على روسيا.

ارتفعت أسعار النفط لتتجاوز عتبة 100 دولار للبرميل رغم  تراجعها إلى حد ما في وقت مبكر من اعتماد الدول الأوروبية لتداولات ما بعد الظهر. كما ارتفعت قيمة الصادرات الروسية والأوكرانية مثل الغاز الطبيعي والقمح والألمنيوم والنيكل. وقالت كبرى الشركات التي إما تجري معاملات داخل روسيا أو تعتمد على المواد الخام المتأتية منها إنها تستعد لمواجهة الاضطرابات.

في وقت مبكر من يوم الثلاثاء، قالت ألمانيا إنها علّقت خططها إلى أجل غير مسمّى للمصادقة على خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي كان من المقرر أن يعزز إمدادات الغاز الروسي المتجهة إلى ألمانيا ردًا على الخطوة العسكرية التي تتخذها روسيا. وفقًا للدبلوماسيين، كان الاتحاد الأوروبي يفكر في فرض عقوبات شاملة على الكيانات الروسية، بما في ذلك فرض حظر على شراء سندات الديون الروسية وتوجيه عقوبات ضد جميع أعضاء مجلس الدوما الروسي - وهو هيئة تشريعية رئيسية.

يوم الثلاثاء، أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن الموجة الأولى من العقوبات "التي يجب أن نستهدف من خلالها المصالح الاقتصادية الروسية بأقصى ما نستطيع". صّرح جونسون بأن المملكة المتحدة ستعاقب خمسة بنوك روسية وثلاثة أفراد من الأوليغارشيين الروس، وأوضح للمشرعين أنه "ستُجمد أي أصول يملكونها في المملكة المتحدة وسيُمنع الأفراد المعنيون من السفر إلى هنا، كما سنمنع جميع الأفراد والكيانات في المملكة المتحدة من التعامل معهم".

صورة
تحوّل خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي من المقرر أن يضاعف إمدادات الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا، إلى ورقة مساومة رئيسية للغرب في محاولته لمنع موسكو من غزو أوكرانيا.

"نتوقع أن نشهد المزيد من القرارات الروسية غير العقلانية" هذا ما قاله جونسون قبل الإعلان. من المرجح أن تتحمل أوروبا العبء الأكبر لأي ضغط اقتصادي خاصة أنها تعتمد بشدة على واردات الطاقة الروسية ومن المحتمل أن تتعرض بنوكها وشركاتها للعقوبات. ومع أن هذه الإجراءات تستهدف الكيانات الروسية، إلا أنها قد تخلق مجموعة من مشاكل خطوط الإمداد الجديدة بالنسبة للشركات الغربية، بما في ذلك زيادة صعوبة تمويل مشتريات السلع أو إرسال أجزاء إلى فروعها في روسيا.

يوم الجمعة، أخبر الرئيس التنفيذي لشركة "رينو"، لوكا دي ميو، المحللين بأن تفاقم التوترات بين روسيا وأوكرانيا قد يؤدي إلى "أزمة أخرى في سلسلة التوريد مرتبطة ببعض السلع التي يجب أن تأتي من الخارج". أدى الصراع بالفعل إلى ارتفاع تكاليف النقل الإقليمي، ويوضح أوليغ سولودوخوف، الشريك في شركة "تشارترز لاستشارات الشحن" التي يقع مقرها كييف، أن الأزمة أضافت ما بين 3 إلى 5 دولارات للطن المتري في تكاليف الشحن من موانئ البحر الأسود. وقال سولودوخوف إن ذلك يشمل قسط تأمين يصل إلى 50 سنتًا للطن المتري على الاستئجار بالرحلة.

تساهم الأزمة في أوكرانيا من تعسير مخططات البنوك المركزية الكبرى المعقدة بالفعل، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، التي تستعد للتخلص التدريجي من سياسات التحفيز الوبائي وسط ارتفاع التضخم. علاوة على ذلك، من المرجح أن يتعامل كل من بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي بمزيد من الحذر في اجتماعات السياسة الشهر المقبل، خاصة أنه كان من المتوقع أن يحددوا خططًا جريئة للتخلص التدريجي من الأموال السهلة.

ومن غير المرجح أن يغيّر الصراع قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي بشأن رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه الذي سينعقد يومي 15 و16 آذار/مارس، لكن حالة عدم اليقين الاقتصادي الناجمة عن هذا الصراع من شأنها الحد من إمكانية رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية.

أما بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فإن الصراع في أوكرانيا يقلل من احتمال تسريع البنك في رفع أسعار الفائدة نظرًا للتأثير السلبي المحتمل لهذه الخطوة على النمو والثقة في السوق، وذلك حسب ما أشارت إليه إيزابيل شنابل عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي المكون من ستة أعضاء في مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز" خلال الأسبوع الماضي. ووفقًا لبيانات السوق المالية، بدأت رهانات المستثمرين تتراجع بالفعل قبل موعد ترفيع البنك المركزي الأوروبي في أسعار الفائدة.

سيعتمد حجم التأثير على مدة الصراع ونطاق طموحات بوتين في أوكرانيا. في جميع الأحوال، كانت المنطقتان المحصورتان اللتان أمر القوات بدخولهما في وقت متأخر من يوم الإثنين تحت سيطرة موسكو إلى حد كبير. وإذا استمر بوتين في دفع القوات إلى داخل أوكرانيا - وهو الاحتمال الذي يرجّحه القادة الغربيون لأسابيع - فإن البنية التحتية الحيوية التي تنقل الصادرات الضخمة للبلدين إلى السوق قد تتعرض للتهديد. كما أن شدة العقوبات المفروضة من قبل واشنطن وبروكسل والمملكة المتحدة ستحدّد تداعيات هذا الصراع على الاقتصادات البعيدة.

يقول بعض خبراء الاقتصاد إن أسوأ سيناريو يتمثل في اندلاع أزمة شبيهة بأزمة السبعينيات، حيث شُلّت إمدادات الغاز الطبيعي والنفط والمواد الخام الأخرى، وذلك في الوقت الذي يرتفع فيه الطلب من جانب الاقتصادات التي خرجت للتو من الإغلاق الوبائي.

لا تستأثر كل من روسيا وأوكرانيا سوى بحصة ضئيلة من الناتج الاقتصادي العالمي ولا تمثلان أسواق تصدير مهمة بالنسبة لأوروبا أو الولايات المتحدة، ولكن بينما تغذّي أسعار النفط والغاز والسلع الأخرى مثل القمح طفرة التضخم العالمية فإن أي خسارة في الإمدادات القادمة من روسيا وأوكرانيا يمكن أن تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى وتضعف الناتج الاقتصادي لا سيما في أوروبا.

صورة
قضبان من الأسلاك النحاسية في معمل تكرير في روسيا، التي تعد من كبار المنتجين لهذا المعدن.

أجرى المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في المملكة المتحدة بعض الحسابات بناءً على زيادة التوترات إلى الحد الذي يتم فيه فرض عقوبات على صادرات الطاقة الروسية أو قيام روسيا نفسها بقطع إمدادات الغاز ردًا على العقوبات الأخرى. من شأن مثل هذه الانقطاعات أن تخفض النمو الاقتصادي العالمي هذه السنة بما يقل عن نقطة مئوية واحدة ليصل إلى 3.3 بالمئة. أما بالنسبة لمنطقة اليورو، سيكون التأثير أكبر مع تباطؤ النمو السنوي إلى 2.1 بالمئة مقارنة بـ 3.8 بالمئة دون ارتفاع الأسعار وتراجع الاستثمار من قبل الشركات التي يتوقع المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أن يطالها خطر الحرب.

وحسب المعهد البريطاني فإن "التداعيات الواسعة ... تذكرنا إلى حد ما بأزمة الطاقة في السبعينيات، حيث أدى ارتفاع الأسعار وقيود الإمدادات إلى تعطيل النشاط الاقتصادي بشدة في الاقتصاد العالمي وأدى إلى ارتفاع معدل التضخم".

تشير وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي إلى اعتماد الاتحاد على روسيا في الحصول على 47 بالمئة من وارداته من الغاز في الأشهر الستة الأولى من سنة 2021، أي أكثر من ضعف ما اشترته من النرويج التي تعد أكبر مورِّد لها (21). وخلال نفس الفترة، استحوذت روسيا على ما يقارب ربع واردات الاتحاد الأوروبي من النفط، تليها النرويج بحصة 9.1 بالمئة.

في تقرير حول العقوبات الممكنة، كتب جيفري جيه شوت، الزميل البارز الذي يعمل على سياسة التجارة الدولية والعقوبات الاقتصادية في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أنه "سيكون من الصعب استبدال شحنات الغاز الروسي إلى أوروبا على المدى القريب".

صورة
سفينة انتظرت تحميلها بالحبوب هذا الشهر في ميناء على البحر الأسود في أوكرانيا.

تعتبر روسيا منتجًا مهمًا للنحاس والألمنيوم وأي صعوبات في إيصال هذه السلع إلى العملاء في جميع أنحاء العالم من شأنها أن تتسبب في حدوث اضطرابات جديدة في سلاسل التوريد المضطربة بالفعل. وقد تواجه صناعة السيارات التي تكافح من أجل التغلب على النقص في أشباه الموصلات، مشاكل إضافية إذا ما تباطأت إمدادات روسيا من البلاديوم، الذي يستخدم في صناعة المحولات الحفازة. وتعد شركة "نوريلسك نيكل" الروسية أكبر منتج على مستوى العالم، بنسبة ما بين 25 و30 بالمئة من إجمالي الإنتاج.

وإلى جانب أوكرانيا، تعد روسيا منتجًا كبيرًا للقمح فضلاً عن المكونات الرئيسية للأسمدة مثل اليوريا والبوتاس، ومن المرجح أن يؤدي أي انخفاض في إمدادات هذه المواد إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتستأثر الدولتان بنسبة 29 بالمئة من صادرات القمح العالمية، وفقًا لبيانات وزارة الزراعة الأمريكية.

يعتبر البحر الأسود القريب بمثابة قناة رئيسية لشحنات الحبوب الدولية، وأوكرانيا أيضًا من بين أكبر مصدري الشعير والذرة وبذور اللفت، وتعتمد مصر ودول أخرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل كبير على الحبوب الروسية والأوكرانية.

المصدر: وال ستريت جورنال