وسط الاضطرابات الاقتصادية التي فرضها الغزو الروسي لأوكرانيا، تحققت توقعات المؤسسات الدولية حول انخفاض الجنيه المصري، حيث تراجع بنحو يصل إلى 16.4% في مطلع الأسبوع الجاري، ما يعني دخول العملة المصرية مرحلة جديدة ستنعكس على المواطنين بشكل كبير، كما أدّى هذا التراجع إلى وصول الدولار الواحد إلى 18.22 جنيهًا بدلًا من 15.64 جنيهًا.

ودفع الغزو الروسي لأوكرانيا أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل كبير، حيث بلغ سعر البرميل الواحد نحو 130 دولارًا بدلًا من 94 دولارًا قبل الحرب، ليشهد حالة من التراجع النسبي ويستقرّ في الوقت الحالي عند 117 دولارًا للبرميل، ما يعني زيادة معدلات التضخم المرتفعة بالأصل.

كما ساهمت هذه الحرب في ارتفاع أسعار الحبوب الغذائية الاستراتيجية مثل الذرة والقمح وغيرهما، الأمر الذي انعكس على باقي السلع، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية عمومًا نتيجة لجوء كل دولة إلى وقف تصدير بعض تلك السلع لحماية أمنها الغذائي، وخوفًا من حدوث أي كارثة غذائية على المستوى العالم، ومنعًا لاستيراد التضخم.

ولم يسهم الغزو الروسي وحده في هذا الواقع، حيث يعاني العالم بالأساس منذ عام 2021 من حالة التضخم غير المسبوق، نتيجة عودة النشاط الاقتصادي بشكل متسارع مع بداية الخروج من الركود الاقتصادي بسبب وباء كورونا، بالإضافة إلى الخناق الذي تشهده سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الشحن.

أدّت جميع هذه العوامل إلى وصول التضخم بأمريكا في فبراير/ شباط إلى 7.9% لأول مرة منذ 40 عامًا، كذلك بلغ مؤشر أسعار المستهلك في أوروبا نحو 5.9%، بينما وصلت في مصر إلى 8.8%، وتعمل الدول على كبح معدلات التضخم المرتفعة من خلال سياسة نقدية تشديدية عبر رفع أسعار الفائدة لديها.  

يؤدي هروب تلك الأموال لأمريكا إلى ارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، وبالتالي مع عدم وجود وفرة من الدولار في مصر تمكّنها من توفير غطاء نقدي كافي من العملة الصعبة أمام الجنيه

واتخذ الفدرالي الأمريكي تلك الخطوة بالفعل ليرفع سعر الفائدة لديه في 16 مارس/ آذار الجاري بنحو 0.25%، الأمر الذي سيؤدي إلى جذب الأموال الساخنة التي تملأ الأسواق الناشئة والنامية مثل مصر التي تعتمد على هذا النوع من الأموال لتمويل احتياجتها وبخاصة عجز الموازنة، وذلك بحثًا عن مكاسب أكثر ومخاطر أقل.

ويؤدّي هروب تلك الأموال لأمريكا إلى ارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، وبالتالي مع عدم وجود وفرة من الدولار في مصر تمكّنها من توفير غطاء نقدي كافٍ من العملة الصعبة أمام الجنيه، فإن انخفاض العملة المصرية يأتي بشكل قاطع.

ما يعني أنه كان على البنك المركزي المصري التماشي مع تلك السياسة التي فُرضت عليه، ومواجهتها عبر رفع أسعار الفائدة في محاولة لإبقاء أكبر قدر ممكن من الأموال الساخنة الباحثة عن تعظيم مكاسبها، بغضّ النظر عن السوق الذي تقطنه، لنجد في صباح يوم 21 مارس/ آذار الجاري صدور بيان من لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي المصري، برفع أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 100 نقطة أساس، أي بنحو 1%، ليصل سعرا عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي إلى 9.25% و10.25% و9.75%، على الترتيب.

إلا أن ذلك لا يعدّ كافيًا لإنقاذ الجنيه، ما اضطر البنك المركزي إلى خفض قيمة الجنيه، ويأتي ضمن الدوافع التي أجبرته على ذلك؛ وجود مخاوف من قبل المستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية حول قيمة الجنيه الحقيقية.

فقد أعلن بنك الاستثمار "جيه بي مورغان" أن هناك حاجة إلى خفض كبير في قيمة الجنيه المصري، ما اضطر البنك المركزي المصري، الذي يدّعي أن العملة تخضع لسياسة العرض والطلب بشكل كامل، إلى التخلي عن سياسة الحفاظ على سعر صرف العملة بشكل نسبي.

تداعيات تقهقر الجنيه

ستكون لتلك السياسة التي انتهجتها مصر تداعيات سلبية كبيرة على المواطن المصري الذي ستنخفض قدرته الشرائية، ما يعني تكرار سيناريو التعويم الذي عانى منه المصريون خلال عام 2016، إلا أن هذه المرة سيأتي تقهقر العملة المحلية مصحوبًا بتضخم عالمي خاصة في السلع الغذائية.

فمصر تعدّ أكبر مستورد للقمح بواقع 12.1 مليون طن سنويًّا، بالإضافة إلى أنها تستورد نحو 32% إلى 35% من احتياجاتها من الوقود شهريًّا بواقع 2.1 مليون طن، وسيقع على عاتقها تكلفة وارداتها التي بالدولار.

يُضاف إلى ذلك مزيد من التراجع في حجم الطبقة المتوسطة وازدياد حجم الطبقة الفقيرة، نتيجة انخفاض مدّخرات تلك الشريحة التي ستضطر إلى اللجوء إلى أموالها المكتنزة، لتعويض نقص قدراتها الشرائية لتلبية احتياجاتها الأساسية.

رفع الفائدة الحاصل يقود هو الآخر إلى انكماش اقتصادي، حيث سيتّجه أصحاب الأموال وبخاصة المحليين في البلاد إلى إيداع ما يملكونه في البنوك للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة

خاصة أنه مع اتجاه الدولار ليصل إلى 18.22 جنيهًا، فإن الحد الأدنى للأجور الذي أقرّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ 2700 جنيه في مطلع العام الجاري -يفترض أن يتمَّ العمل به في شهر يوليو/ تموز القادم، أي مع بداية العام المالي الجديد 2022-2023- سيصبح قيمته تساوي 148 دولارًا بدلًا من 172 دولارًا.

وفي عام 2019، أي بعد مرور نحو 4 سنوات من تعويم الجنيه، كشف البنك الدولي في تقرير له أن حوالي 60% من سكان مصر إما فقراء وإما أكثر احتياجًا، بينما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يوليو/ تموز من العام نفسه ارتفاع معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5%.

كما سيؤدي تراجع الجنيه إلى نقص السيولة الدولارية داخل البلاد، بسبب اكتناز الدولار من قبل الأفراد بهدف حماية أموالهم من الانخفاض، وبالتالي حدوث انكماش اقتصادي بسبب عجز التجّار عن الحصول على عملة صعبة تمكّنهم من الاستيراد لبيع البضائع محليًّا، أو لاستيراد السلع الوسيطة التي تدخل في أغلب الصناعات المصرية، ما قد يعيق الصادرات التي تجلب الدولارات للبلاد.

هذا بالإضافة إلى أن رفع الفائدة الحاصل يقود هو الآخر إلى انكماش اقتصادي، حيث سيتّجه أصحاب الأموال وبخاصة المحليين في البلاد إلى إيداع ما يملكونه في البنوك للاستفادة من أسعار الفائدة المرتفعة، بدلًا من المخاطرة بها عبر إقامة مشاريع في ظل الحرب القائمة والوضع الاقتصادي القاتم الذي يذهب بالمستثمرين إلى الملاذات الآمنة من دولار وذهب، ما يعني ارتفاع معدلات البطالة وإغلاق بعض الشركات القائمة، ما سيزيد من معاناة المواطن المصري الذي يعاني من بطالة بلغت 7.4%.

وهنا تأتي المعادلة الأصعب على الإطلاق، وهي أن المواطن سيتجرّع مرارة حدثَين في آن واحد هما الأخطر على الإطلاق: ارتفاع التضخم والنمو المتضائل، فيما يُسمّى اقتصاديًّا بالركود التضخمي.

حلول لازمة

هنا يبقى على الدولة العمل على توفير مصادر دولارية تتيح للسوق المحلي أكبر قدر ممكن من العملة الصعبة، وذلك من خلال وقف الواردات الخاصة بالبضائع والسلع الكمالية وغير الضرورية، ما يسمح بتوفير بعض الدولارات.

مصر تستخدم سياسة ترقيع الديون في سداد ديونها من خلال قيام الحكومة بتحصيل قروض جديدة لسداد قروضها القديمة لتظل تسير في هذه الدائرة المفرغة

كذلك عمل الدولة على تحفيز الإنتاج المحلي الزراعي، وبخاصة السلع الاستراتيجية مثل القمح، والصناعي، بحيث تتمكن الدولة من التخلي عن بعض وارداتها من السلع الرئيسية التي تستورد منها ملايين الأطنان، وبالتالي خفض الطلب على الدولار بشكل نسبي.

الاتجاه نحو وقف تصدير الإنتاج المحلي من السلع الرئيسية التي تحتاجها البلاد، وتوفير مخازن تستوعب الإنتاج المحلي الحالي بما يضمن عدم تلفه، الأمر الذي سيحدّ قدر الإمكان من استيراد التضخم العالمي الحاصل.

عدم الاتجاه نحو صندوق النقد الدولي لتمويل احتياجات البلاد من الدولار، كونه سيؤدي إلى تراكم ديون وفوائد دولارية تزيد من عجز الموازنة، وتضع مزيدًا من المعوقات على الاقتصاد الوطني، حيث يتبع تلك الخطوة تخصيص إيرادات الموازنة لسداد تلك الديون على حساب المواطن والمشاريع القومية.

فضلًا عن أن مصر تستخدم سياسة ترقيع الديون في سداد ديونها، من خلال قيام الحكومة بتحصيل قروض جديدة لسداد قروضها القديمة لتظل تدور في هذه الدائرة المفرغة، خاصة في ظل غياب القطاعات الإنتاجية القادرة على توسيع القاعدة الضريبية وبالتالي الإيرادات الحكومية، ليصبح حجم الدين الخارجي فقط 137.4 مليار دولار، أي بزيادة تزيد عن 80% منذ عام 2016.        

وبالتالي على مصر أن تسعى إلى إقامة علاقات اقتصادية قائمة على التبادل التجاري مع الدول الأخرى بالعملات المحلية بدلًا من الدولار، عوض الاتجاه نحو الاستدانة قدر الإمكان.