ترجمة وتحرير: نون بوست

في وقت سابق من هذا الشهر، نشرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التابعة للأمم المتحدة، آخر إصدار ضمن تقريرها التأليفي، وهو خلاصة جامعة لكل ما تعرفه البشرية حول المناخ. وبينما ركزت الإصدارات السابقة على نتائج التغير المناخي، فإن هذا التقرير الجديد يركز بشكل دقيق على كيفية تجنب هذا المصير.

ومن بين الأدوات التي اعتمدها هذا الإصدار لدراسة كيفية تفادي كارثة مناخية، هنالك أداة تسمى نماذج أنظمة الطاقة. وهي برمجيات حوسبة معقدة تحاكي استخدام الاقتصاد العالمي للطاقة بكافة أشكالها، مثل الفحم الحجري والغاز الطبيعي والرياح والشمس، وتدرس أثر هذا الاستهلاك على الاحتباس الحراري.

ويمكن لنموذج واحد من هذه أن يتضمن مثلا توقعات الطلب على الغاز الطبيعي في دولة منغوليا، وكثافة استخدام الطرقات السريعة في سكوتلندا، والإقبال على شراء السيارات الكهربائية في ولاية نيوجيرسي، والآلاف من الأرقام الأخرى قبل التوصل إلى احتساب الانبعاثات الكربونية في عام معين.

هذه النماذج مفيدة لأنها تنتج لنا سيناريوهات متنوعة أو تنبؤات تظهر لنا كيف سيوفر العالم احتياجاته الطاقية في أثناء القضاء التدريجي على التلوث الكربوني. وهذه النماذج تساعدنا أيضا على فهم كيف أن السياسات الطاقية الحالية والمستقبلية ستؤثر على مسار التلوث.

حيث أن حسابات نماذج استهلاك الطاقة في الدول عند إدماجها مع حسابات حالة المناخ، تمكننا من توقع مستويات ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ومدى تأثير ذلك على درجة الحرارة والتساقطات والعديد من الظواهر المناخية الأخرى.

كل المخططات المناخية والسياسات التي تم اقتراحها أو الإعلان عنها سابقا، يجب المشي قدما بتحقيقها جميعا، بالتوازي مع سحب عشرات مليارات أطنان الكربون من الهواء

هذه النماذج يمكنها على سبيل المثال، بناء على الالتزامات التي قطعتها الدول سابقا في اتفاقية باريس للمناخ، أن تخبرنا بأن معدل درجة حرارة العالم سوف يرتفع بأكثر من درجتين مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو ما يعني عدم تحقق هدف تلك الاتفاقية.

وبالطبع كان هذا الأمر واضحا منذ وقت طويل، إلا أن نماذج أنظمة الطاقة التي استخدمت مؤخرا في تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تخبرنا بشيء آخر: حيث أن الطريق نحو تجنب أسوأ تبعات التغير المناخي تتطلب المستحيل، وهو في الحقيقة ليس مستحيلا بأتم معنى الكلمة، ولكنه يصعب تخيله.

تم تحليل مئات السيناريوهات من طرف خبراء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وكلها كانت تصب في واحد من ثلاثة فرضيات.

في الفرضية الأولى نجد كل التنبؤات التي تقول إن العالم سوف يتمكن قريبا من الشروع في سحب عشرات مليارات الأطنان سنويا من ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

وعملية التخلص من الكربون لا تزال حلما بعيد المنال، ليس فقط لعدم توفر تكنولوجيا قادرة على إنجاز هذا الأمر على نطاق واسع، بل أيضا لأنها تتطلب الكثير من الطاقة. ولكن بحسب زيكي هاوسفاذر مؤلف التقرير، فإن أطفال اليوم سوف يعيشون ليشهدوا انتقال العالم نحو صرف أكثر من ثلث إنتاج الطاقة للتخلص من الكربون الموجود في الهواء.

مع ذلك لن يحقق العالم أية فوائد اقتصادية آنية من هذه الآلية للتصرف في النفايات، حيث أن هذا الكربون لن يتحول إلى شيء مفيد. بل سيتم صرف تريليونات الدولارات سنويا في التخلص من الكربون، وذلك من أجل المساهمة في التحكم في الاضطرابات المناخية. إضافة إلى ذلك فإن عملية التخلص من كميات ضخمة يجب أن تحصل بينما يقوم العالم بكل المهام الأخرى المتعلقة بالحد من الانبعاثات الكربونية، مثل بناء مزارع طاقة الرياح والشمس، وتوسيع نطاق استخدام وسائل النقل العامة، والانتقال نحو السيارات الكهربائية.

ببساطة، كل المخططات المناخية والسياسات التي تم اقتراحها أو الإعلان عنها سابقا، يجب المشي قدما بتحقيقها جميعا، بالتوازي مع سحب عشرات مليارات أطنان الكربون من الهواء.

قد يبدو هذا الأمر غير قابل للتصديق، ولكن دعونا نوجه أنظارنا نحو الفرضية الثانية.

سيناريو الطلب المنخفض على الطاقة يتضمن هو أيضا التخلص من الكربون بكميات هائلة، تصل إلى 3 مليار طن

هذه الفرضية تقدم لنا رواية مختلفة، تفترض نجاح العالم في خفض استهلاك الطاقة بشكل سريع خلال العقدين القادمين، وخفض التلوث الكربوني ليس فقط في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة، بل أيضا في الدول ذات الدخل المتوسط مثل البرازيل وباكستان والهند.

وبعبارة "خفض الطلب على الطاقة"، أنا لا أتحدث هنا حول الانتقال الطاقي العادي، وزيادة استهلاك الطاقة الخضراء، حيث يواصل العالم إنتاج المزيد من الطاقة كل عام، مع الحرص على رفع نسبة الاعتماد على المصادر النظيفة. بل المقصود هنا هو سيناريوهات ينهار فيها الطلب العالمي في العقود القليلة القادمة.

وهنالك سبب وجيه لهذا التفكير، حيث أن هذا التكتيك هو واحد من أفضل الحلول لخفض التلوث الكربوني خلال عشر سنوات فقط، ولكن لا توجد دولة تفكر في التعامل مع المشكلة المناخية بهذا الأسلوب.

يمكن توضيح صعوبة هذه الفكرة من خلال النظر في مسألة ملكية السيارات على سبيل المثال. اليوم هنالك حوالي 1.3 مليار سيارة وشاحنة تجول على الطرقات في العالم. وتتوقع إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة أن هذا الرقم سيصل إلى 2.21 مليار بحلول 2050، أي بزيادة قدرها 70 بالمائة، وأقل من نصف هذه السيارات والشاحنات ستكون كهربائية. ولكن سيناريو الخفض الجذري في استهلاك الطاقة يستوجب تراجع أسطول السيارات في العالم إلى النصف خلال الفترة المقبلة، لينزل عند مستوى 850 مليون بحلول 2050.

ولأكون واضحا، فإن هذه الفكرة تبدو رائعة. حيث سيكون من الجميل أن نعيش في عالم لا يضطر فيه الناس لشراء سيارة حتى يحصلوا على مصدر رزق وينعموا بحياة اجتماعية مريحة. ولكن في نفس الوقت، ليس هذا هو التغيير الوحيد الذي تستوجبه هذه الفرضية. إذ أنها تتضمن أيضا ثورة مماثلة في تكنولوجيا كفاءة الطاقة بشكل يمس باقي نواحي الحياة، مثل تشييد المباني، وتدفئة المساكن والتصنيع. وتاريخيا تحسنت كفاءة الطاقة بنسبة 2 بالمائة سنويا، ولكن سيناريو خفض الاستهلاك الطاقي يتطلب تحسنا أسرع بكثير.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن سيناريو الطلب المنخفض على الطاقة يتضمن هو أيضا التخلص من الكربون بكميات هائلة، تصل إلى 3 مليار طن. ويقول هاوسفاذر مؤلف تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ: "حتى مع الطلب المنخفض على الطاقة، فإننا سنحتاج لسحب كميات معتبرة من الكربون. والفرق الوحيد هو أن الكمية التي يجب التخلص منها ستنخفض إلى 3 أو 5 مليار طن عوضا عن 5 إلى 15 مليار طن". ويشار إلى أن هاوسفاذر أصبح مؤخرا كبير باحثي المناخ في شركة حلول الدفع الإلكتروني سترايب، التي مولت عمليات التخلص من الكربون في الغلاف الجوي أكثر من أي شركة أخرى.

التعامل مع التغير المناخي سوف يستوجب التوقف عن استهلاك الطاقة على نطاق لا تزال الأنظمة السياسية غير قادرة على تفهمه

هنالك بعد ذلك الفرضية الثالثة، وهي تتضمن سيناريوهات ذكرها التقرير، تتمثل في فشل البشرية في ضبط ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية، ما يعني الفشل في تحقيق الهدف الطموح الذي تطمح له  اتفاقية باريس للمناخ. ويعني تجاوز 1.5 درجة مئوية أن العالم سوف يعاني من جفاف مميت، وحركات هجرة جماعية، وارتفاع درجة حرارة الجو مع منتصف القرن الحالي.

هكذا يبدو المشكل واضحا، إذ أن هذه النتائج يصعب تخيلها. ولا يوجد أي اتفاق دولي أو إرادة سياسية للشروع في التخلص من الكربون بالكميات التي يذكرها تقرير الهيئة الأممية. أيضا لا توجد رغبة في خفض استهلاك الطاقة بشكل سريع من أجل تحقيق سيناريو الاستهلاك الطاقي المنخفض. وفي حالة التنازل عن هذه السيناريوهات، الأول والثاني، فإنه لا مفر من السيناريو الثالث، حيث يشهد العالم ارتفاع درجة حرارة بفارق يتجاوز 1.5 درجة مئوية، وهو ما سيؤدي إلى أزمة واسعة النطاق.

عندما تنظر إلى هذه الفرضيات الثلاث وتقارنها، فإن بعض الأشياء تبدو واضحة. الملاحظة الأولى والأكثر أهمية هي أن البشرية تحتاج للاستثمار أكثر في التخلص من الكربون، وبأسرع وقت ممكن. وإلى حد الآن أغلب الأموال التي صرفت في التخلص من الكربون جاءت من القطاع الخاص. وقبل أسبوعين كتبت مقالا حول جهود شركة سترايب في هذا الصدد، إلا أن تمويل تكنولوجيا شفط مليارات أطنان الكربون سنويا لا يمكن أن يأتي إلا من الحكومات.

ويأمل الكثيرون من المفكرين في مسألة المناخ أن تتدخل الحكومة الفدرالية الأمريكية، وتدرج التخلص من الكربون ضمن خدمات التصرف في النفايات. وفي الوقت الحالي لا يوجد الكثير من الحماس لدى الحزبين لتحقيق هذا الأمر، ولكن الوقت تأخر جدا ويجب الانتباه إلى هذا سريعا.

والحل الثاني هو أن التعامل مع التغير المناخي سوف يستوجب التوقف عن استهلاك الطاقة على نطاق لا تزال الأنظمة السياسية غير قادرة على تفهمه. وفي بعض الحالات، هذا التوقف سوف يكون استباقيا ويمنع الكارثة، وفي حالات أخرى سوف يكون بالإكراه وناتجا عن دمار المناخ. وفي كل الأحوال فإن هذا التوقف قادم لامحال.

وإذا طرحت عليكم سؤالا: بعد أربعين عاما، هل سيكون 5 بالمائة فقط من الأمريكيين يمتلكون سيارات، أم سينفق العالم الجزء الأعظم من إنتاج الطاقة في امتصاص الكربون من الهواء؟ قد تكون إجابتكم هي أن كلا الاحتمالين لا يبدوان منطقيين. وهذا هو جوهر المشكل: لقد وجدنا أنفسنا الآن محشورين في الزاوية. وحجم الكارثة المناخية التي نتجه نحوها يفوق الخيال، ولا مفر منه.

المصدر: ذا أتلانتيك الأمريكية