في ظل غياب رؤية اقتصادية لدى النظام المصري الحاكم، تتزايد الديون بشكل مستمر منذ تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم، حيث أصبح ما يُنفق على سداد الدين يضاهي أضعاف ما يُنفق على بنود كالأجور والصحة والسكن والخدمات العامة الأخرى.

وكشف تقرير صدرَ مؤخرًا عن وكالة "ستاندرد آند بورز" العالمية للتصنيف الائتماني، أنه من المتوقع أن يصلَ إجمالي الديون السيادية لمصر مع نهاية العام الحالي 2022 إلى 391.8 مليار دولار أمريكي، بعد أن كان 184.9 مليار دولار فقط عام 2017.

وأوضح التقرير الذي وصف الديون المصرية بـ"الكارثية"، أن مصر تستحوذ على 0.6% من إجمالي الديون التجارية في العالم، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بالعديد من الدول المماثلة لمصر، أو إذا ما قورنت بالاقتصادات الناشئة بشكل عام.

وتجاوزَ حجم الدين الخارجي فقط الـ 145 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي الحالي، وبارتفاع بنحو 8.1 مليارات دولار أي بنسبة 6%، خلال الفترة من سبتمبر/ أيلول إلى ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي.

تتزايد خطورة ارتفاع الديون المصرية، كونها تجعل أجيالًا من المصريين رهينة مستويات متدنّية من العيش في ظلّ دوران البلاد في دوامة لا تنتهي من الاستدانة

ويتجاوز حجم الدين العام الـ 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعدّ مؤشرًا خطيرًا، خاصة أن صندوق النقد الدولي نفسه يعتبرُ أن الحدود الآمنة عالميًّا تدور حول الـ 60% فقط.

ففي عام 2021، احتلت مصر المرتبة الـ 158 من 189 دولة في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، والمرتبة الـ 100 في نصيب الفرد من الديون بواقع 3900 دولار.

ووفقًا لتقرير صادر عن مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (بوميد)، فقد أصبحت البلاد أكبر عميل لصندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين، حيث حصلت مصر من الصندوق منذ عام 2016 على قروض بنحو 20 مليار دولار.

وتتزايد خطورة ارتفاع الديون المصرية، كونها تجعل أجيالًا من المصريين رهينة مستويات متدنّية من العيش في ظل دوران البلاد في دوامة لا تنتهي من الاستدانة، خاصة في ظل سياسة ترقيع الديون التي تنتهجها البلاد.

الأكثر استدانة

وبتتبُّع حجم الدين الخارجي الخارجي لمصر، يعدّ عبد الفتاح السيسي هو الأعلى استدانة بين الرؤساء المصريين، فمع نهاية حكم الرئيس السابق جمال عبد الناصر بلغ حجم المديونية الخارجية لمصر نحو 1.7 مليار دولار، ليتبعه الرئيس أنور السادات ليترك على مصر مديونية خارجية بنحو 22 مليار دولار، أي بزيادة نحو 20.3 مليار دولار.

واختتم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك حقبته بحجم مديونية خارجية بلغت 34.9 مليار دولار، أي بزيادة عمّن سبقة بنحو 12.9 مليار دولار، بينما ترك الرئيس المصري السابق محمد مرسي مديونية مصر الخارجية عند 43.2 مليار دولار، أي بزيادة بلغت 8.3 مليارات دولار، وترك الرئيس المؤقت عدلي منصور مديونية مصر الخارجية عند 46 مليار دولار.

إلا أن عبد الفتاح السيسي فقط، والذي ما زال في الحكم، دفع الدين الخارجي ليصل إلى 145.5 مليار دولار، أي بزيادة بلغت نحو 100 مليار دولار، وسط توقعات بارتفاع حجم المديونية الخارجية مع نهاية العام الجاري، خاصة في ظل مساعي الدولة للحصول على قروض خارجية من عدة جهات، من بينها صندوق النقد الدولي.

أسباب الارتفاع

تعود أسباب ارتفاع الديون إلى عدة أسباب، أهمها الاتجاه نحو الإنفاق غير المنظَّم عبر الإنفاق على مشاريع غير اقتصادية وغير إنتاجية، فمع توجُّه الدولة نحو المشاريع دون جدوى اقتصادية، مثل تفريعة قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها من الطرق والكباري، التي تأتي ضمن البنى التحتية التي لا تخدم الاستثمار أو دائرة الإنتاج في البلاد.

فعلى سبيل المثال، مشروع تفريعة قناة السويس الذي جمعت الحكومة له نحو 64 مليار جنية من المصريين عبر طرح شهادات استثمار، ولم يكفِ المبلغ فاقترضت نحو 850 مليون دولار من البنوك المحلية، بينما تحمّلت الميزانية العامة للدولة حوالي 7.6 مليارات جنيه سنويًّا كخدمة دين على شهادات الاستثمار.

ورغم ذلك، ومنذ إنشاء تلك التفريعة عام 2015، التي تمَّ إنشاؤها بهدف رفع إيرادات قناة السويس إلى 100 مليار دولار سنويًّا، لم تتجاوز إيرادات القناة حاجز الـ 10 مليارات دولار، بل أنه وفق بيان نشرته هيئة قناة السويس في مطلع عام 2022، فإن أعلى إيراد سنوي في تاريخ القناة بلغ 6.3 مليارات دولار خلال عام 2021.

في ظل ضعف قدرة الدولة على توفير موارد أو خلق مشاريع تكون قادرة على تحقيق إيرادات تمكّنها من سداد ديونها وتمويل عجز الموازنة، اتّجهت إلى سياسة ترقيع الديون عبر اقتراض ديون جديدة لسداد القروض الماضية المستحقة

كذلك مشروع العاصمة الإدارية الجديد الذي يختلف البعض على القيمة الفعلية التي تكلّفتها الدولة لتنفيذه نتيجة عدم الشفافية، فضلًا عن حديث بعض المسؤولين عن أن الإنفاق الموجّه إلى العاصمة الجديدة لا يأتي من موازنة الدولة.

ولكن المؤكد هو إعلان وزيرة التخطيط المصرية، هالة السعيد، عن إنفاق 400 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية خلال الفترة من 30 يونيو/ حزيران 2014 حتى 30 يونيو/ حزيران 2021، ضمن جهود الدولة في تحسين جودة الحياة للمواطن.

ولم تنعكس تلك الأموال على الاقتصاد المصري أو على المستوى المعيشي للمواطن، وهذا نتيجة أن الأموال هذه توجَّه بالأساس إلى أهداف استهلاكية بالدرجة الأولى ومشاريع غير إنتاجية لا تدرُّ أموالًا للدولة.

كما أنها لم تحفّز الاستثمار ولا الصادرات التي ما زالت تحوم عند مستويات ما بين 25 و35 مليار دولار منذ عام 2016، ولم تتمكّن الدولة من توفير احتياجاتها الأساسية لخفض الواردات التي تصل إلى 80 مليار دولار سنويًّا، فما زالت تستورد مصر نحو 70% من الخارج، سواء سلع تامة الصنع أو مكونات ومستلزمات إنتاج.

ووسط انعدام الرؤية، ووجود حالة من الاختناق السياسي، واستحواذ الجيش على القطاعات الاقتصادية الحيوية، وانكماش أداء القطاع الخاص، فرَّ المستثمرون الأجانب وتراجعَ حجم الاستثمار الأجنبي بشكل إجمالي على مدار السنوات الماضية.

ويُضاف إلى ذلك الضغوط الاقتصادية الأخرى التي تعرّضت لها الدولة بين الحين والآخر خلال السنوات الماضية، من تراجُع في الاستثمار الأجنبي غير المباشر (الأموال الساخنة)، وانخفاض إيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، ما أدّى إلى حدوث عجز بالموارد الدولارية وانخفاض في الاحتياطي الأجنبي إلى 37 مليار دولار.

دفع هذا الأمر الحكومة إلى طرح سندات دولارية في الأسواق الدولية، فضلًا عن التوجُّه إلى المقرضين الدوليين، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي وبنك التنمية الأفريقي، بالإضافة إلى القروض الثنائية وبخاصة مع دول الخليج.

ووصل إجمالي الودائع التي تعود للدول الخليجية خلال السنوات الماضية إلى 17.2 مليار دولار، بينها 7.5 مليارات دولار للسعودية و5.7 مليارات دولار للإمارات و4 مليارات دولار للكويت، فضلًا عن وديعة بقيمة 5 مليارات أخرى جاءت من السعودية في شهر مارس/ آذار الماضي، ليصبح الإجمالي 22.2 مليار دولار.

وفي ظلّ ضعف قدرة الدولة على توفير موارد أو خلق مشاريع تكون قادرة على تحقيق إيرادات تمكّنها من سداد ديونها وتمويل عجز الموازنة، اتّجهت الدولة إلى سياسة ترقيع الديون عبر اقتراض ديون جديدة لسداد القروض الماضية المستحقة.

ففي عام 2022 يُتوقع، وفق خطط، أن تقترض مصر نحو 73 مليار دولار إضافية من خلال مبيعات السندات هذا العام، وبمقارنة توقعات "ستاندرد آند بورز" سيبلغ إجمالي الديون السيادية بنهاية العام الحالي 391.8 مليار دولار مقارنة بـ 348.4 مليارًا في نهاية عام 2021، حيث الديون السيادية سوف ترتفع بواقع 43.4 مليار دولار، رغم أن مصر ستقترض 73 مليارًا، وهذا يعني أن نحو 30 مليارًا من الديون الجديدة ستذهب للوفاء بديون سابقة ليس أكثر، بينما ستتراكم بذلك الديون أكثر فأكثر.

وتنتهج مصر في تعاملها مع أزمان اقتصادها تلك الآلية (الاقتراض)، أو ما يمكن تسميته بالمسكّنات، إلا أن تتابُع الأزمات العالمية، مثل وباء كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، كشف هشاشة الأداء الاقتصادي للبلاد، خاصة مع خروج نحو 15 مليار دولار من الأموال الساخنة التي تعتمد عليها الحكومة.

وجاءَ هذا جليًّا في تصريح مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، خلال شهر أبريل/ نيسان 2022، بقولها إن أوضاع الاقتصاد المصري في تدهور، وأن عددًا كبيرًا من الناس في مصر معرّض لأوضاع معيشية صعبة، وأن مصر بحاجة إلى الاستقرار ماليًّا.

تآكُل الإيرادات وضياع الأصول

ساهمَ ارتفاع الدين إلى زيادة الأعباء على الموازنة العامة للدولة عامًا بعد عام، حيث أصبحت خدمة الدين (فوائد الدين وأقساطه) تلتهمُ نحو أكثر من 85% من إيرادات الموازنة العامة.

فقد بلغ حجم أقساط الديون في مشروع الموازنة المالية لعام 2021-2022 نحو 593 مليار جنيه، والفوائد نحو 579.58 مليار جنيه، أي إجمالًا نحو تريليون و172.5 مليار جنيه من إجمالي إيرادات متوقعة بنحو تريليون و365 مليار جنيه، وسط توقعات بارتفاع هذه الأرقام بنحو 5% إلى 7% بسبب التضخم العالمي وما تفرضه الحرب الروسية الأوكرانية من أزمات.

وأدّت تلك الشهية المفتوحة للاقتراض لدى الحكومة المصرية إلى تآكُل إيرادات الدولة، وذلك على حساب تحسين أحوال أجور العاملين في الحكومة بشكل يوفر لهم حياة كريمة، وعلى مصاريف إدارة العمل اليومي في الجهات الحكومية، وعلى خفض الدعم المخصَّص للفقراء في بلد ثلث سكانه تحت خط الفقر، وغيرها من الخدمات مثل الصحة والتعليم.

فبجمع مخصصات الأجور البالغة نحو 361 مليار جنيه بمشروع لموازنة المالية لعام 2021-2022، ومخصصات الصحة البالغة 108.7 مليار جنيه، والتعليم البالغة 172.6 مليار جنيه، وإجمالي الاستثمارات البالغة 358.1، نجدُ أن مجموع تلك المخصصات البالغ ترليون جنيه لم يتجاوز حجم مخصصات الفوائد وأقساط الديون بالموازنة، ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه مصر من تدنّي جودة التعليم، وتراجُع في مستويات الصحة، وتواضُع مؤشر جودة الحياة فيها.

ولم تتوقف تداعيات تعاظم حجم الدين عند حدود تآكُل إيرادات الدولة وتراجُع قدرة الدولة عن خدمة القطاعات الحيوية، بل دفعت الحكومة إلى اللجوء لبيع بعض حصصها في الشركات والبنوك القومية الناجحة لدول أجنبية، حتى يتسنّى لها الحصول على الدولارات لسداد ما عليها من ديون ولتمويل عجزها.

فقد باعت الحكومة المصرية حصتها البالغة 18% في البنك التجاري الدولي (CIB) مقابل 911.5 مليون دولار، و21.5% من شركة أبوقير للأسمدة بقيمة 391.9 مليون دولار، و20% من حصة الدولة في شركة الأسمدة موبكو مقابل 266.6 مليون دولار، وباعت حصة 32% من شركة الإسكندرية للحاويات بمبلغ 186.1 مليون دولار، وحصة 11.8% في شركة التكنولوجيا المالية مقابل 54.9 مليون دولار.

وبالتالي، يبقى على مصر ضرورة العمل على ضبط آليات الاقتراض وبخاصة من الخارج، والعمل على مشاريع إنتاجية حقيقية قادرة على خلق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي، وتجنُّب المشاريع الاستهلاكية ومشاريع البنى التحتية التي لا تصبُّ في مصلحة الاستثمار في الوقت الحالي، وتوفير مناخ استثماري قادر على جذب الاستثمارات الأجنبية وتنشيط الاستثمار المحلي ودعم الصادرات.

ويأتي هذا بهدف توفير مداخيل دولارية قادرة على تحقيق وفرة من العملات الصعبة محليًّا، تمكّن الدولة من الاستغناء عن القروض الخارجية قدر الإمكان، وتقليل الاعتماد على الواردات لخفض العجز التجاري الذي يضغط على احتياطات الدولة من العملة الأجنبية.