يبدو الاهتمام في عالمنا العربي بمشكلات كالمناخ والبيئة والتلوث ضربًا من الرفاه، في ظلّ ما تعانيه دولنا من مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية خانقة.

يحدث هذا بينما يترك التلوث آثاره لسنين، تخسر فيها المجتمعات ليس فقط حاضرها الآمن، بل ترثُ مستقبلًا غير مستقرّ نتيجة ما يسبّبه التلوث من معضلات لا يزول أثرها بسهولة، سواء الأمراض المزمنة التي يتركها، أو صدمة الإهمال والرعاية التي تعيش لزمن وتزيد المجتمعات المعرَّضة تهميشًا إضافيًا.

فتجدُ أثر ذلك في التطرف أو الأفكار المتشددة، إذ كل ذلك دائرة عنقودية تؤدّي دورها كعامل مساعد في تهديد أمان هذا المجتمع، لذلك أي تصور لا يستهدفُ حلّ تلك المشكلة هو تصور منقوص يحتاج إلى إعادة النظر.

كما أن تجاهُل المشكلة في مصر، خصوصًا في المدن الكبرى كالقاهرة، غير مفهوم، إذ يبدو تفاقم الظاهرة، دون أي توجُّهات جادة للتخفيف منه، باعثًا على الاستغراب.

يخبرني صديقي الذي زارَ القاهرة بداية هذه السنة، عن حالة التطبيع الظاهرة مع قضية التلوث، رغم بروزها في تفاصيل اليوم البسيطة، ويقول: "لا تبدو ملامح مدينة القاهرة واضحة من الطائرة رغم صفاء السماء من الغيوم وسطوع الشمس، حتى الصور التي التقطتها بهاتفي تبدو ألوانها باهتة دون سبب، كما أنني عانيت مشاكل في التنفُّس بشكل متكرر في أول أيامي".

حالة لا يجوز معها لوم الشعب عليها، إذ إنه من غير المنطقي أن ينشغل الناس بذلك بينما لا يجدون وقتًا للراحة بالأساس نتيجة العمل لساعات طويلة في أكثر من وظيفة، كحال أغلب المصريين اليوم في ظلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد.

بينما في المقابل، وبنظرة عملية بحتة، فإن تجاهل السلطة لتلك الأزمة هو سبب في تعطيل عجلة التنمية التي يدّعيها النظام، إذ لا يمكن أن تؤسِّس تنمية على أنقاض شعب يموت فيه سنويًّا أكثر من 12 ألف مواطن بسبب التلوث من أبناء محافظات القاهرة الكبرى وحدها.

مصدر التلوث الأكبر في مصر هو عادم السيارات، إذ لا توجد قوانين منظِّمة لنوعية المحروقات في السيارات المستخدمة، ولا طريقة الحرق المتّبعة وحجم الانبعاثات الناتجة عن هذا الاحتراق

وفي حال لم تكن أعداد الوفيات أو الضحايا البشرية كافية لتحرُّك عاجل، فإن البنك الدولي يؤكّد على أن التلوث يتسبّب في مشاكل صحية مدمِّرة على المدى الطويل، ما يؤدّي بالتبعية إلى انخفاض الإنتاجية وإهدار ساعات العمل جرّاء الأمراض المزمنة، ما سيكون نتيجته خسائر اقتصادية واضحة، حيث يقدِّر البنك كلفة تلوث الهواء في القاهرة وحدها بنحو 47 مليار جنيه عام 2017، وتلك هي آخر إحصائية موثَّقة عن التلوث، فما هو الحال بعد أكثر من 5 سنوات على هذه الأرقام؟

ودون الدخول في تعقيدات البحث العلمي، فإن رصد تلوث الهواء يأتي من خلال فحص نسبة تركيز الجسيمات الصلبة العالقة PM2.5 وPM10 في الجوّ، وفي القاهرة الكبرى يفوق تركيز هذه الجسيمات أكثر من 11 ضعفًا عن المعدّل الآمن لها، حسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ورغم تفاقم الوضع في مصر فإنه لا توجد أي بيانات رسمية دقيقة عن حالة التلوث هذه خارج القاهرة الكبرى، وفقًا لتقرير البنك الدولي.

ومن المثير للدهشة، أن القانون البيئي المصري يُجيز أن يصل متوسط التركيز السنوي إلى 70 ميكروغرامًا لكل متر مكعب للجسيمات الدقيقة، وهي نسبة مرتفعة للغاية، إلا أن وزارة البيئة وفي تقريرها الوطني عام 2018، رصدت ارتفاع المتوسط إلى 133 ميكروغرامًا لكل متر مكعب، ما يتجاوز ليس التقييمات الدولية وحدها، بل يخالف الدستور المصري وقانون البيئة المعدّل رقم 9 لعام 2009.

ولن تخطئ إذا تخيّلت أن مصدر التلوث الأكبر في مصر هو عادم السيارات، إذ لا توجد قوانين منظِّمة لنوعية المحروقات في السيارات المستخدَمة، ولا طريقة الحرق المتّبعة وحجم الانبعاثات الناتجة عن هذا الاحتراق، وهي قوانين بدأت الدول تقرُّها للحدّ من التلوث الناتج عن السيارات.

كما أوجدت دول أخرى حلولًا لذلك، من خلال توسيع شبكات النقل الجماعي والمواصلات العامة، القادرة على نقل عدد أكبر من الناس باستخدام وقودٍ أقل، وتلك خطوة لا تحتاج إلّا إلى التخطيط المتوازن، خصوصًا في ظل الزيادات المتوقعة في أعداد السكان.

ترى الأمم المتحدة أن المستقبل لن يكون مبشِّرًا على المستوى الصحي، إذ ستصل الضغوط على خدمات الرعاية الصحية إلى ذروتها بوصول عدد السكان إلى 200 مليون نسمة خلال الـ 50 عامًا القادمة

خطوات لا تُعتبر رفاهية في ظلّ الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي ذكرت أن عدد المركبات المرخَّصة بمحافظات مصر بلغَ 10.8 ملايين مركبة، يقع أكثر من 4 ملايين منهم في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية، ما يجعل القاهرة الكبرى مصدر التلوث الأول في البلاد.

وبالإضافة إلى عوادم السيارات، تنتج مصر ما مقداره أكثر من 35 مليون طنّ من المخلفات الزراعية، لا يعاد منها للتدوير إلا نسبة قليلة للغاية، بينما يكون الحرق أو التخلُّص منها بطرق غير سليمة هو مصير بقية تلك المخلفات.

ويتمّ هذا رغم التطور الهائل في مفاهيم واستراتيجيات إعادة التدوير التي تتبنّاها معظم دول العالم اليوم، ليس حفاظًا على البيئة فحسب، بل لفائدتها الاقتصادية، إذ منها ما يدخل في صناعات الأسمدة وخامات مواد البناء والأوراق، إذ تتجاوز مخلفات قشّ الأرز وحده الـ 3 ونصف مليون طن سنويًّا.

وتمثل المخلفات البترولية عبئًا آخر على صحّة المصريين، إذ لا تهتم الشركات المنتِجة للبترول بعملية التدوير، رغم خطورة تلك المواد على الصحة العامة، حيث تقول غادة نبيل، وهي مديرة التسويق بإحدى الشركات العاملة في مجال التدوير، في تصريح لجريدة "الأهرام" المصرية، إن الشركات المنتجة لا تتعاون في تسليم المخلفات إلا بالحدّ الأدنى الذي يجنّبها المساءلة القانونية من قبل جهاز البيئة، وبنسبة لا تتجاوز الـ 10%، بينما تتخلّص من بقية المخلفات بطريقتها.

وفي مشهد كهذا، تمتنعُ فيه الدولة عن إصدار تقارير عامة عن حالة التلوث في البلاد، وتتجاهل الاستراتيجيات الموضوعة مشاكل المخلفات، وتترشّح فيه أعداد السكان للصعود المتواصل، ترى الأمم المتحدة أن المستقبل لن يكون مبشّرًا على المستوى الصحّي، إذ ستصل الضغوط على خدمات الرعاية الصحية إلى ذروتها بوصول عدد السكان إلى 200 مليون نسمة خلال الـ 50 عامًا القادمة، ما يستدعي تحركات عاجلة وسريعة لتفادي هذه الأزمة.