أصبح قصر عمره من مواقع التراث العالمي لليونسكو بسبب جدارياته التي تمثل أقدم أمثلة الفن الإسلامي

أصبح قصر عمره من مواقع التراث العالمي لليونسكو بسبب جدارياته التي تمثل أقدم أمثلة الفن الإسلامي

ترجمة حفصة جودة

لطالما كان الأردن البقعة المفضلة لزوار الشرق الأوسط بسبب بنيته التحتية السياحية المتطورة وكثرة معالمه التاريخية، فمن المعالم التاريخية التي يجب مشاهدتها البتراء عاصمة المملكة النبطية القديمة، وقضاء الليل في رادي رم المعروف بوداي القمر بسبب صخور الجرانيت التي تملأ المكان.

لا يخلو الأردن أيضًا من الآثار الرومانية بما في ذلك المسرح الروماني والقلعة في العاصمة عمّان، ومدينة جرش القديمة التي تعد أفضل الآثار الرومانية المحفوظة خارج إيطاليا.

لكن خارج صخب وضجيج المعالم السياحية الكبرى ووسط مدينة عمّان، هناك طرق أخرى للتفاعل مع ماضي المملكة الهاشمية القديمة: جولة بين قلاعها.

تتناثر في أنحاء البلاد المباني المحصنة التي تشهد على التاريخ الهائج للشام في أثناء العصور الوسطى، فمن الحصون التي تنقلت بين أيدي الصليبيين والإمبراطورية الإسلامية إلى القصور الملكية التي تضم أقدم الفنون الإسلامية، هناك الكثير من القلاع التي لا يمكن تفويتها ببساطة.

إليكم أبرز 5 قلاع في الأردن.

قلعة عجلون

عجلون
نجت قلعة عجلون من الغزو المغولي لكن زلزال 1837 تسبب في هجرها

تقع قلعة عجلون على قمة تلة شمال غرب الأردن، وتضم مشاهد بانورامية مذهلة قرب مدينة جرش القديمة، بنى عز الدين أسامة القلعة عام 1184 - ابن شقيق صلاح الدين القائد الكردي الأسطوري مؤسس الدولة الأيوبية الذي حارب الصليبيين وحكم مساحة شاسعة من الشام وشمال إفريقيا ومصر وبلاد الرافدين وشبه الجزيرة العربية -.

فوض صلاح الدين ابن أخيه لبناء القلعة لصد الهجمات الصليبية وحماية طرق التجارة بين الأردن وسوريا، لذا لم تُهجر تلك القعلة حتى أوخر الدولة العثمانية.

بُنيت القلعة المحصنة على ارتفاع 1100 متر فوق سطح البحر، ويمكن لزوارها الاستمتاع برؤية العديد من المشاهد مثل وادي الأردن والقرى الفلسطينية ومدن الضفة الغربية المحتلة وجبل الشيخ في سوريا ولبنان.

أصبحت القلعة تحت حكم المماليك في منتصف القرن الـ13 واحتُلت لفترة وجيزة وتضررت بشدة بسبب غزو المغول عام 1260، ثم استعادها المماليك وجددوها ووسعوها، فالكثير مما نراه اليوم يعود إلى تلك الفترة.

عندما حكمت الدولة العثمانية المنطقة بعد ذلك، أقامت حامية من الجند في المكان لعدة قرون حتى عام 1837 عندما أصاب زلزال المنطقة فأدى إلى هجرها.

قلعة الأزرق

قلعة الأزرق
تحدث لورانس العرب عن قلعة الأزرق في سيرته الذاتية

تقع قلعة الأزرق على بعد 100 كيلومتر شرق عمّان، وقد بناها الرومان، لكنها اشتهرت بصلتها بلورانس العرب الذي جاء بعد 1700 عام من بنائها.

ما يميز القلعة لونها الداكن نسبيًا مقارنة بالمباني التاريخية الأخرى في المنطقة، فقد استخدم الرومان حجر البازلت الأسود الموجود محليًا في المنطقة لبناء القلعة الحجرية عام 200 ميلادي، ما منحها هذا اللون الأسود الأزرق.

يرجع اختيار هذا الموقع الإستراتيجي لوجود واحة قريبة كانت المصدر الوحيد للمياه في تلك المنطقة على اتساع 7 آلاف ميل مربع.

لكن شكل القلعة الحاليّ يرجع إلى إعادة الأمير الأيوبي عز الدين أيبك بنائها عام 1237، تضم القلعة بابًا صخمًا ثقيلًا صُنع من قطعة واحدة من الجرانيت، ودُهنت مفصلاته بزيت النخيل لتسهيل فتحه.

ذكر الدبلوماسي البريطاني توماس إدوارد لورانس الشهير بلورانس العرب، هذا الباب عندما تحدث بشغف عن قلعة الأزرق في مذكراته "أعمدة الحكم السبع"، أصبحت القلعة مقرًا لإقامة لورانس مع الشريف حسين بن علي الذي أصبح ملكًا للحجاز في شتاء 1918 في أثناء ثورة العرب ضد الإمبراطورية العثمانية.

أصبحت غرفة لورانس أكثر ما يجذب زوار القلعة، حيث يمكنهم رؤية غرفته المطلة على بوابة مدخل القلعة والمجهزة بنوافذ ذات فتحات مناسبة للسهام من أجل الدفاع.

قلعة الكرك

قلعة الكرك
بُنيت الزنازين في أثناء التوسعات المملوكية بالقلعة

تعد قلعة الكرك من أكبر القلاع التي بناها الصليبيون في الشام، وهي الآن من أكثر المناطق الجاذبة للسياح في الأردن، بُنيت القلعة عام 1142 وأصبحت سريعًا أهم مراكز القيادة الإدارية والعسكرية في منطقة إمارة شرق الأردن.

في بدايات 1170، سيطر رينالد من شاتيون على الكرك، ومن هناك كان يضايق قوافل الحجاج المسلمين المتوجهين إلى مكة، حاول هذا النبيل الفرنسي مهاجمة الكعبة نفسها، ما دفع صلاح الدين لحصار القلعة، وبعد حصار طويل عقب معركة حطين عام 1187، سلم الصليبيون القلعة وأصبحت في أيدي المسلمين منذ ذلك الحين.

ربما لا تعد القلعة من أجمل القلاع الصليبية في الشرق الأوسط (هذا اللقب قد يُمنح لقلعة الحصن المذهلة في سوريا)، لكنها بالتأكيد من أكثر القلاع مناعة ومهابة.

تتميز القلعة بمتاهات من الممرات والغرف، وقاعات ودهاليز ذات قباب حجرية لا حصر لها، وهي تمثل نقطة توقف مثالية للسياح على الطريق إلى العقبة أو وداي رم في الجنوب على الطريق الصحراوي السريع.

قلعة قصر عمره

قصر عمره
صور الفن الإسلامي المبكر الحيوانات والبشر متأثرًا بالعصر البيزنطي والوثني

لن تكتمل الرحلة إلى الأردن دون زيارة قصر عمره، القلعة الوحيدة في البلاد التي ضُمت إلى لائحة مواقع التراث العالمي في اليونيسكو.

بنى هذا القصر الأموي الخليفة وليد الثاني عام عام 743 كموقع ممتع لحكام الإمبراطورية بعيدًا عن صخب العاصمة دمشق، يضم البناء صالة استقبال وحمام.

قد يبدو البناء من الخارج غير ملفت للنظر، لكن الأعجوبة الحقيقة تكمن في الرسومات المذهلة والمدهشة على الجدران في الداخل.

تغطي لوحات من الجص جميع الجدران والأسقف في المجمع التي تصور الحكام القدماء ومشاهد الصيد وحتى الراقصات، تأثرت الرسومات بالعصر الوثني والبيزنطي، ما يكشف اهتمامًا قليلًا بالتعاليم الإسلامية التي تحظر رسم الحيوانات والبشر.

سلطت اليونسكو الضوء على تميز تلك اللوحات المدنية من بداية المراحل الأولى للفن الإسلامي الذي أصبح فيما بعد مميزًا بالزخارف الهندسية والأرابيسك والخط العربي.

تصور أشهر الجداريات في قصر عمره 6 ملوك قهرتهم الدولة الأموية من المملكة الفارسية والبيزنطية والإسبانية والإثيوبية والصينية ووسط آسيا، هناك لوحة أخرى على السقف المقبب للحمام يُعتقد أنها أقدم صورة للسماوات مرسومة على هذا السطح النصف كروي.

بالنسبة لزوار الأردن فهذا الموقع من أهم ما يميز رحلة "حلقة قلاع الصحراء" (في الصحراء الشرقية) التي تشمل زيارة قلعة قصر عمره وقلعة الأزرق بالإضافة إلى الحصون الأموية: قصر الحلابات وقصر حرانه.

قلعة قصر المشتى

قصر المشتى
لم يكتمل بناء قصر المشتى بسبب مقتل الخليفة وليد الثاني

يعد قصر المشتى من أكبر القصور الأموية في الأردن وهو يقع قرب مطار الملكة علياء الدولي في عمّان، ومثل قصر عمره، بنى هذا المسكن الشتوي الخليفة وليد الثاني، لكن يُعتقد أن بناؤه لم يكتمل بسبب مقتله عام 744.

رغم اسمه، فإنه ليس قلعة فعلية، فهو أقرب إلى قصر كبير يمثل مكانًا مهيبًا للخليفة لاستقبال الجماهير وإجراء الاجتماعات مع قادة القبائل، من بين غرف القصر مسجد صغير "محراب" لا يزال موجودًا حتى اليوم، متجهًا نحو مكة.

الأمر المثير لحزن زوار الأردن، أن واجهة قصر المشتى المميزة لم تعد في مكانها الأصلي، تعد واجهة قصر المشتى المشهورة عالميًا من أقدم الأمثلة على الفن والعمارة الإسلامية، فهي تضم أنماطًا متعرجة يحيط بها أسطح منحوتة من مزيج من الكروم والحيوانات والبشر.

تأثرت الواجهة بالحيوانات الخرافية للفرس والساسان والأيقونات القبطية، وتعد مثالًا مهمًا للفن الإسلامي الذي يمزج بين الموضوعات الغربية والشرقية.

ورغم أن بعضها لا يزال في موقعه، فإن معظم زخارف واجهة المشتى أهداها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني للإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عام 1903، امتنانًا لبنائه سكة حديد الحجاز، والآن نُصبت واجهة المشتى بشكل دائم في متحف بيرغامون ببرلين.

 المصدر: ميدل إيست آي