مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة التي قد تصل إلى 40 درجة مئوية شمال غرب سوريا، تتفاقم معاناة المدنيين في ظلّ تفاقم الاحتياجات الأساسية لهم سنة بعد سنة على المستوى المعيشي والصحي، ما يسهم في تدهور صحة الكثير منهم وإصابتهم بأوبئة وأمراض مختلفة.

نشرَ فريق "منسقو استجابة سوريا" بيانًا عبر تطبيق تيليغرام، الثلاثاء 31 مايو/ أيار، أشار فيه أن أرياف حلب وإدلب شمال غرب سوريا تشهد عددًا من الأمراض الجلدية، أبرزها إصابات جدري الماء جرّاء ارتفاع درجات الحرارة والبيئة الصحية السيّئة المحيطة بتجمُّعات المدنيين، سواء في المخيمات أو الأحياء السكنية، ومن "انتشار حفر الصرف الصحي المكشوفة، واستخدام المياه غير النظيفة".

ورغم تأكيد الفريق انخفاض معدل الإصابة الجلدية، ومنها جدري الماء، إلا أنه حذّر من ارتفاعها لمستويات أعلى خلال المرحلة المقبلة، مطالبًا السكان باتّباع الإجراءات الوقائية اللازمة والعمل على تلقّي التطعيم الخاص بالأمراض وخاصة فئة الأطفال، داعيًا المنظمات الطبية العاملة إلى العمل على تأمين المستلزمات اللازمة كعزل المرضى وتأمين العلاج اللازم لهم.

انتشار جدري الماء في إدلب.. والتباس مع جدري القرود

لم يتمالك أبو هادي نفسه عندما لاحظ انتشار بثور صغيرة على وجه طفله الوحيد (9 أعوام) وداخل فمه بعد زيارته منزل شقيقه في إدلب، ما سبّب قلقًا عنده، خاصة أن إصابة ابنه تأتي متزامنة مع انتشار مرض جدري القرود الخطير الذي بدأ يغزو عددًا من دول العالم، حسب وصفه.

يقول أبو هادي الخمسيني المهجَّر من ريف دمشق، والذي يقطن في عفرين بريف حلب، لـ"نون بوست": "بعد يومَين فقط من زيارتي منزل أخي في إدلب برفقة الأسرة، أُصيب ابني الوحيد بجدري الماء، حيث غطت الحبوب والبثور جسده وداخل فمه"، مضيفًا: "لقد أصبت بالذعر بداية تفحّصي جسد ابني لظني بأنه جدري القرود الذي يتم الحديث عنه وعن خطورته، لكن سرعان ما أكّد لي الطبيب المختص أنه جدري الماء، وأنه يحتاج بأكثر تقدير مدة 3 أسابيع للشفاء".

ويشير أبو هادي إلى ظهور علامات الضعف على جسد ابنه، إضافة إلى ارتفاع بدرجات حرارته، "لكن مع الأدوية التي وصفها لنا الطبيب استطعنا تجاوز المرض، إذ استخدمنا أدوية مضادة للحساسية لتخفيف الحكة، ومسكنات الألم والصداع وخافضات الحرارة"، يتابع قوله.

"التزمتُ بنصائح الطبيب بعزله في سرير مريح وغطاء وفراش خاص، وغرفة لمنع انتشار المرض بين أفراد الأسرة، والمحافظة على نظام غذائي غني بالفيتامينات والسوائل الدافئة، وتأمين الراحة له، إضافة إلى تخصيص أدوات خاصة للطعام والشراب أيضًا، وتغيير ملابسه بشكل دائم، إلى أن بدأت أرى تحسُّنًا واضحًا ونشاطًا عند ابني"، يختم أبو هادي.

نظرة الطب في الإصابات وطرق العلاج والوقاية

للوقوف على طبيعة المرض المنتشر ومدى خطورته، تواصلَ فريق "نون بوست" مع دريد رحمون، نائب رئيس دائرة الرعاية الأولية بمديرية صحة إدلب، الذي أكّد اكتشاف إصابات بجدري الماء في عدد من مدارس مدينة إدلب، وذلك بعد زيارة فرق المجتمعات الصحية، إضافة إلى إصابات أخرى بمناطق متفرِّقة في المخيمات وغيرها، حيث تمَّ رصد 650 إصابة في مدارس مدينة إدلب فقط، في إحصائية غير نهائية نظرًا إلى وجود حالات منتشرة بين المخيمات غير مسجّلة.

ولفت رحمون إلى أن المرض هو وباء فيروسي مستبطن ينتقل عن طريق الرذاذ والتلامس المباشر مع مكان الآفة من شخص إلى آخر، كما أنه يصيب الإنسان لمرة واحدة في العمر.

وحول أعراض المرض، أشار رحمون إلى ارتفاع درجات الحرارة والإنهاك والتعب الجسدي وحكة في الجسم، كما تتشكّل بثور ذات لون أحمر، وحين تصل إلى مرحلة النضج تتشكّل البثور على شكل حويصلات مائية، لذلك سُمّي بجدري الماء، وينتشر بكل الجسم حتى داخل الأغشية المخاطية والفم واللوزتَين.

وتبدأ خطوات العلاج من هذا المرض بالوقاية، وهي الأهم عبر عزل المصاب عن باقي أفراد الأسرة لمنع انتشاره ضمن الأسرة الواحدة، وتجهيز أدوات خاصة بالمريض، إضافة إلى اعتماد خطة بسيطة تطبَّق في المنزل من خلال التعقيم بمحلول "هيكزاميدين" وخافض حرارة "سيتامول"، ومضادات حكة إذا لزم الأمر، إضافة إلى تنبيه المريض بالابتعاد عن حكّ البثور أو تعريض الجسم للماء الذي ربما يساهم في ازدياد انتشار المرض.

وبيّن رحمون أن فترة الحضانة قد تمتد بين 72 ساعة و21 يومًا، ثم تبدأ الأعراض بارتفاع حرارة خفيف مع تعب عام ونقص شهية، وقد يحدث أحيانًا طفح جلدي حصبوي الشكل، وبالنسبة إلى البثور فقد تتحول إلى اللون البني وتزول تدريجيًّا في مراحل الشفاء الأخيرة.

وأوضح رحمون أن المرض انتشر خلال فترة الحرب العالمية الثانية وحصدَ أرواح الكثير حول العالم، لذلك تمّ تجهيز لقاح مناسب له، إلا أن منظمة الصحة العالمية أوقفت اللقاح عام 1980، لأن الإصابة بهذا المرض لا تكون إلا مرة واحدة في حياة الإنسان ولا حاجة إلى اللقاح، إلا أن رحمون لا يستبعد التواصُل مع منظمة الصحة العالمية وطلب لقاح خاص، في حال شهدت المنطقة انتشار المرض بشكل أكبر.

استنفار الفرق الطبية المجتمعية بإدلب

مع تسجيل العديد من الإصابات بمرض جدري الماء، بدأت الفرق الصحية المجتمعية في إدلب شمال غرب سوريا بتحضير برامج توعوية صحية خاصة بهذا المرض، تهدف التخفيف من الإصابة به، حيث قُدِّمت في المدارس بداية الأمر مستهدفةً الطلاب حتى يكون هناك نوع من الوقاية، بالإضافة إلى تدريب الفرق طواقمها على كيفية التعامل مع المرض وكيفية تقديم التوعية الصحية ضمن منازل الأسر والمخيمات والتجمعات.

أمانة المحمد (اسم حركي)، عضو في فريق الصحة المجتمعية التابع لمديرية إدلب، وإحدى العاملات في برامج التوعية التي تستهدف الأسر في منازلهم، أشارت لـ"نون بوست": "إن عمل الفرق منتشرٌ قبل انتشار إصابات بالمرض، عبر برامج توعوية وتعريفية عن الأمراض المنتشرة المزمنة وغير المزمنة، إلا أن الفِرَق زادت من مجهودها بعد انتشار جدري الماء".

"بدأنا بزيارة المدارس والمنازل والمخيمات لتوعية الناس عن أسباب المرض ومدى خطورته، والعلاج المناسب له، وأهمية النظافة والوقاية منه، كالتحذير من طرق انتقال العدوى عبر قطيرات اللعاب في الهواء، عندما يعطس شخص مصاب أو يسعل أو حتى يتكلم، أو استخدام أدوات الشخص المصاب كالملابس أو المناشف أو أغطية الفراش، أو ملامسة البثور التي تظهر على جسم المصاب وخاصة السوائل التي تخرج منها، أو مشاركة الطعام مع شخص مصاب بالعدوى"، تقول المحمد.

ويعدّ الأطفال دون سن الثانية عشر الفئة الأكثر عرضة للمرض، خاصة في فصلَي الشتاء والربيع، فيما يعدّ حديثو الولادة والحوامل وضعيفو المناعة أكثر عرضة للإصابة بالمضاعفات، والتي تشمل: عدوى جرثومية في الجلد مصاحِبة لظهور التقرُّحات والحكة، الإصابة بالتهاب السحايا والدماغ السليم (بعد 10 أيام من بدء المرض)، وإنتان الدم، إضافة إلى اضطرابات عصبية كالصداع ونوبات الصرع.

تشير منظمة الصحة العالمية في تقريرها المنشور في يناير/ كانون الثاني هذا العام إلى الحاجة إلى 256.7 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الصحية الحرجة للناس في سوريا

تؤكد المحمد أن أغلبية المصابين هم من الأطفال، وعزت السبب إلى قلة وعي الأهل أو الطفل نفسه، أو قلة الاهتمام بالنظافة الشخصية، أو العدوى ما بين الأطفال بسبب صعوبة عزلهم، ما يعدّ سببًا مهمًّا لنقل العدوى بشكل أوسع، إلا أنها لفتت إلى وجود نسبة شفاء بين الإصابات بسبب إدراك الكثير من المدنيين لخطورة المرض، واتّباع الإرشادات الصحية اللازمة والعلاج المناسب والقدرة على التعامل معها.

وختمت المحمد حديثها بالإشارة إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها الفرق الصحية المجتمعية عبر التخفيف من الشائعات التي تنتشر بشكل كبير، والمخاوف من أن المرض المنتشر هو جدري القرود، من خلال توعية الأهالي بكيفية التمييز بين المرضَين والفرق بينهما.

وتشير منظمة الصحة العالمية في تقريرها المنشور في يناير/ كانون الثاني هذا العام إلى الحاجة إلى 256.7 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الصحية الحرجة للناس في سوريا والحفاظ على الرعاية الصحية الأساسية، حيث ‏سيحتاج 12.2 مليون شخص في ‎سوريا إلى المساعدة الصحية عام 2022، بما في ذلك 4.4 ملايين نازح و1.33 مليون طفل دون الخامسة من العمر، و3.38 ملايين امرأة.