يعاني لبنان من أزمة نفايات خطيرة تجلّت مظاهرها عبر المكبّات والمطامر العشوائية المنتشرة على طول الخارطة اللبنانية، ففي كل مدينة تقريبًا هناك مكبّ نفايات على شكل جبل عملاق تفوح منه روائح القمامة، وذلك نتيجة فشل الدولة في إدارة ملف النفايات.

وفي خضمّ الأزمة الاقتصادية يزدادُ تكدُّس النفايات في الشوارع، حتى شكّلت في بعض الأحيان نهرًا طويلًا من الأكياس، نتيجة إضراب العمال أو فيضان المكبّات بالنفايات ومشاكل كثيرة بقيت دون حلول، ما زادَ من تفاقُم الأزمة.

في نهاية المطاف، المواطن اللبناني هو الخاسر الأكبر نتيجة انبعاث الروائح الكريهة في كل مكان وانتشار الجراثيم وبالتاللي الأمراض والأوبئة، ورغم سوداوية المشهد يخرج وزير البيئة ليعلن انخفاضًا في نسبة النفايات مقارنة بالسنوات السابقة، ويعدّ هذا ربما إحدى إيجابيات الأزمة الاقتصادية الخانقة.

فاليوم تغيّرت الكثير من عادات اللبنانيين الاستهلاكية جرّاء الانهيار الاقتصادي، حيث تراجعت القدرة الشرائية وصاروا يحتفظون بكل ما يشترونه، في المقابل يصلحون كل مقتنياتهم القديمة التالفة بدل رميها.

كذلك ازداد عدد جامعي البلاستيك وجميع أنواع النفايات الصلبة مع ارتفاع أسعارها، فكثيرًا ما تلمح عند المستوعبات شبّانًا وشابات يجمعون الألمنيوم والبلاستيك والحديد بغية بيعها، ناهيك عن انتشار مصانع إعادة التدوير الخاصة.

أزمة نفايات قديمة

تنتشرُ في لبنان المكبّات العشوائية، أشهرها مكبّ خليج النورماندي في بيروت، الذي تحوّل في وقت لاحق إلى تلة صالحة للبناء، وهناك مكبّ برج حمّود أيضًا في بيروت، الذي شكّل جبلًا تفوح منه الروائح الكريهة.

كما يعاني ساحلا صيدا وطرابلس من المصير ذاته، بالإضافة إلى العديد من المكبّات غير القانونية في الوديان المخفية والقرى، حيث فشلت الدولة اللبنانية في إدارة ملف النفايات، شأنه شأن القطاعات الأخرى كملفَّي الماء والكهرباء.

وتعود أزمة النفايات إلى عام 2015 حيث انتشرت القمامة في جميع أحياء بيروت العاصمة، وسبّبت أزمة النفايات تلك اندلاع احتجاجات لبنانية عارمة أُطلق عليها "طلعت ريحتكم"، نادى بها المتظاهرون بإقالة الحكومة بسبب الفساد السياسي المستشري.

استمرت أزمة النفايات 6 أيام بسبب إقفال المطمر الرئيسي في منطقة الناعمة (جنوبًا)، حيث احتجَّ سكان المنطقة على الروائح الكريهة المنبعثة منه وانتشار الأمراض بينهم، ووعدت الحكومة الساكنة المحلية في الناعمة بإغلاق المطمر الذي اُفتتح عام 1997، على أن يتمَّ استخدامه مؤقتًا لبضع سنوات فقط، في انتظار إيجاد حل شامل استراتيجي للنفايات في لبنان.

لكن الوضع لم يتغيّر بعد أكثر من 20 عامًا، ما أدّى إلى إغلاقه من قبل السكان بسبب عدم تدخُّل الدولة لإيجاد حل تقني بيئي تدويري ذكي للنفايات المتراكمة في لبنان، واتّهامهم للحكومة اللبنانية بعدم الالتزام بتعهُّداتها، الأمر الذي أدّى بدوره إلى تراكم النفايات في لبنان وبعض المدن اللبنانية.

وتبقى مشكلة النفايات قائمة حتى يومنا هذا دون حلٍّ يُذكر، حتى مع تبدُّل الوزراء وانتخاب مجلس نيابي جديد.

النفايات الصلبة باب رزق للكثير

بات أمرًا طبيعيًّا وعاديًّا جدًّا أن ترى في لبنان اليوم مجموعات من الفتيان يحملون أكياسًا متعددة الأحجام على ظهورهم، ويجوبون يوميًّا الطرقات الفرعية والرئيسية وأماكن تجمُّع المتنزِّهين في الأحراج وعند ضفاف الأنهر، بحثًا عمّا هو مرمي من معادن ومواد بلاستيكية وكرتون وإطارات مطاطية.

فالأزمة المعيشية التي يرزح تحت وطأتها لبنان حوّلت جانبًا من النفايات إلى مصدر رزق للبعض، حيث مع انهيار الليرة وانخفاضها الحاد أمام الدولار ازداد جامعو البلاستيك والحديد والألمنيوم، لأن تلك المواد يتمّ تسعيرها وبيعها بالدولار، ما شجّع الكثير على هذه المهنة لسهولة تصريف المواد وارتفاع أسعارها، كما حفّزَ عاطلين عن العمل لنبش مكبّات ومستوعبات النفايات لجمع ما يجدون من مواد صلبة قابلة للتدوير.

وتعدّ مهنة جمع القمامة مهنة من لا مهنة له، كما يمكن أن تكون من فرص العمل النادرة المتوفرة في ظل إقفال عدد كبير من المصالح والمؤسسات نتيجة الأزمة الاقتصادية، ويؤمّن جمع المواد الصلبة من حاويات النفايات وأكياس القمامة مردودًا يتراوح بين 5 و7 دولارات أمريكية يوميًّا.

بات نادرًا ما يرمي اللبناني أيًّا من مقتنياته القديمة، لأنه يعلم أن سعرها بات ضعفَين أو 3 وربما أكثر

وأسعار شراء المواد من جامعيها تتبدّل بين فترة وأخرى بحسب السوق العالمي، حيث حاليًّا سعر كيلوغرام الحديد بنصف دولار، وكيلو النحاس بـ 4 دولارات، وكيلو البلاستيك بدولار ونصف، والألمنيوم بدولار و10 سنتات.

وانتعاش ظاهرة جمع المواد الصلبة جاء نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأولية في الصناعة المحلية بنسبة 5 أضعاف خلال أقل من عام، إذ بلغ ثمن طن الكرتون 145 دولارًا أمريكيًّا، وطن النايلون الشفاف 230 دولارًا، فيما تجاوز طن البلاستيك الـ 200 دولار.

يُعاد تدوير 30% من هذه المواد في مصانع لبنانية لتُستخدَم مجددًا في الكثير من الإنتاج الصناعي المحلي، أما الباقي فيتمّ تصديره إلى تركيا ومصر، ليؤمّن للبنان حوالي 100 مليون دولار أمريكي كعائدات تصدير سنوية.

تغيُّر عادات اللبنانيين الاستهلاكية

بات نادرًا ما يرمي اللبناني أيًّا من مقتنياته القديمة، لأنه يعلم أن سعرها بات ضعفَين أو 3 وربما أكثر، الجميع يلجأ إلى إصلاح ملابسه القديمة، أحذيته، الهواتف والسيارات، وصار يحتفظ بالتفاصيل الصغيرة كأكياس البلاستيك والكرتون وحتى الأوراق المستعمَلة.

تنشط اليوم مهنة الخيّاط والإسكافي، وصار اللبناني يصنع الجبن في منزله وكذا الصابون والشموع، كل سبل التوفير بدَت حاضرة في ذهنه، خاصة بعد أن انخفضت قدرته الشرائية وارتفعت الأسعار بشكل جنوني.

وظهرت عادة الاستعارة من الجيران والأقارب لكل من يحتاج إلى مادة لا يستطيع شراءها، فتجهيز عروس ومولود جديد على سبيل المثال يتضامن في تجهيزه العائلة، كل منها يتبرّع بملابس ولوازم قديمة كان يحتفظ بها، وباتت الحفلات داخل البيوت بدل القاعات والحدائق.

كما أن جميع الحلويات صارت تُخبَز في المنازل بدل شرائها، وفي بعض الأحيان يتخلّى العروسان عن حفلات الزفاف والأعياد لارتفاع التكلفة، أو لأن التكلفة بالعملة الصعبة غير المتوفرة في جيوبهم.

تراجعت كمية النفايات، ومع ازدهار تجارة النفايات الصلبة تزداد مصانع إعادة التدوير لكسب المال بالدولار، وكما يُقال: "مصائب قوم عند قوم فوائد"

الكثير من الناس كذلك راحت تزرع أحواضًا بجانب منزلها، أو حتى إغلاق الشرفة من أجل زراعتها، فخُضرَوات بسيطة مثل النعنع والبصل والبندورة صارت باهظة الثمن، ومنهم من لا يستطيع إدخال أي نوع من الفاكهة إلى بيته.

ساهمت تلك العادات في انخفاض نسبة النفايات في لبنان، هذا ما صرّح به وزير البيئة اللبناني، ناصر ياسين، وكشفَ أن كمية النفايات تراجعت في ظل الأزمة الاقتصادية خلال العامَين الماضيَين، بنسبة تتراوح ما بين 20% و25%، خاصة أن قيمة المفروزات (المواد التي تجمع من النفايات) أصبح لها قيمة أكبر، مثل البلاستيك والكرتون والمعادن.

أزمة اقتصادية كانت كفيلة بقلب حياة اللبنانيين رأسًا على عقب، حيث اختفت مظاهر الترف وحلّت مكانها مظاهر الادّخار بجميع أنواعه، عادت غرف المونة وعادات الجدود القديمة، لا يخرج من البيت إلا قمامة الطعام المنتهي، هذا كله ساهم في تقليل نسبة النفايات والقمامة في عموم لبنان.

وتبقى أزمة النفايات دون أي حلٍّ يُذكر، وعود ذهبت أدراج الرياح ومكبّات تنمو وتكبر مع الوقت وروائح لا تختفي من أغلب الشوارع، ورغم هذا تراجعت كمية النفايات، ومع ازدهار تجارة النفايات الصلبة تزداد مصانع إعادة التدوير لكسب المال بالدولار، وكما يُقال: "مصائب قوم عند قوم فوائد".