أمير الحرب الأفغاني عبد الرشيد دوستم في صورة تعود لسنة 2014، وهو عضو في مجموعة من أمراء الحرب المنفيين وغيرهم من القادة الذين يريدون من طالبان توسيع تشكيلة الحكومة الأفغانية وضمهم إليها.

ترجمة وتحرير: نون بوست

يُهدّد أمراء الحرب وسماسرة السلطة والزعماء الإثنيون المنفيّون، الذين فروا من أفغانستان السنة الماضية قبل وصول طالبان إلى السلطة، بشن حرب أهلية ما لم تبدأ طالبان في التفاوض للسماح لهم بالعودة إلى ديارهم واستعادة نفوذهم وسلطتهم كبديل للحكم العدمي للمتشددين الذي يتقلّدون زمام الحكم حاليًا.

بعبارة أخرى، ترغب هذه المجموعة في العودة مجددًا إلى أفغانستان بعد أن كانت سببًا في دمار البلاد في مطلع التسعينات وأعاقت تقدمها لسنوات بعد ذلك. وعلى عكس المرة الأولى التي تولوا فيها السلطة - مباشرةً بعد الانسحاب السوفيتي في سنة 1989 - قد يبدو أمراء الحرب هذه المرة مناسبين للحكم مقارنةً بنظام حكم طالبان المروّع الذي استولى على السلطة في آب/ أغسطس من السنة الماضية.

قرّر أمراء الحرب الظهور مجددًا في أيار/ مايو عندما اجتمع 40 شخصًا من ذوي التوجه المماثل في العاصمة التركية أنقرة في لقاء جمعهم مع الزعيم الأوزبكي عبد الرشيد دوستم ورجاله. استخدم دوستم، مثل غيره من أمراء الحرب، ثروته المتراكمة على مدار 20 سنة في عهد الجمهورية الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة لبناء شبكة المحسوبية الخاصة به، التي تمثّل مصدر قوته في المشهد السياسي الأفغاني.

في ذلك الوقت، دعم دوستم ورجال مثله جهود إعادة الإعمار التي موّلتها الولايات المتحدة وحلفاؤها وشجّعوا تعليم النساء، بما في ذلك إرسال آلاف الطلاب الأفغان إلى الخارج للدراسة.

اكتسب الاجتماع الذي نُظم في أنقرة زخمًا أكبر. وكان بين الحاضرين أحمد والي مسعود، عم أحمد مسعود، رئيس جبهة المقاومة الوطنية وأحد الشخصيات القليلة في السياسة الأفغانية التي لم تشبها اتهامات بالفساد أو الفظائع. ويُذكر أن والده الراحل، الجنرال في التحالف الشمالي أحمد شاه مسعود، سعى جاهدًا لمنع طالبان من فرض سيطرتها الكاملة على البلاد قبل أن يتم سحقهم في سنة 2001.

وفي بيان مشترك، قال أعضاء المجموعة إنهم شكلوا "المجلس الأعلى للمقاومة الوطنية" لمطالبة طالبان بالتفاوض بشأن عودتهم إلى أفغانستان وإشراكهم في الحكومة - أو مواجهة العواقب. وهدد متحدث باسم دوستم بأن "أفغانستان ستشهد حربًا أهلية مرة أخرى" إذا لم تستجب طالبان لمطالبهم.

يدرك الأفغان جيدًا ما يعنيه ذلك. وفي حين تتميز أفغانستان بتركيبة سكانية يافعة، فإن الغالبية العظمى من السكان البالغ عددهم حوالي 38 مليون نسمة لا يعرفون سوى الحرب. ويعتبر أمراء الحرب وجماعتهم جزءًا من حلقة دائمة عصفت بأفغانستان لأكثر من 40 سنة. إن الشعب الأفغاني مرهق ويتوق إلى السلام، لكن عمليات النهب التي تقوم بها طالبان تمثل مرحلة جديدة من الأزمة، لينضاف إلى ذلك عودة أمراء الحرب حاليًا إلى الساحة.

في جميع أنحاء الشمال، تقاتل الجماعات المسلحة لطرد طالبان مما يمنح أمراء الحرب وحلفاءهم الثقة بأن عودتهم ستجد دعمًا شعبيًا

بالكاد يستطيع المعارضون في جبهة المقاومة الجديدة إنقاذ البلاد من المأزق الذي هي فيه. فعلى سبيل المثال، اتُهم دوستم سنة 2016 بإصدار أوامر باختطاف واغتصاب وتعذيب أحد المعارضين. وفي سنة 2001، زُعم أنه اعتقل مسلحين من طالبان واحتجزهم في حاويات شحن ليختنقوا حتى الموت. وعندما كان نائبًا للرئيس الأفغاني الأسبق أشرف غني - وهو تحالف بني على قدرته على كسب مليون صوت أوزبكي - استولى مسلحوه باستمرار على شوارع كابول في استعراض للقوة.

حضر اجتماع أنقرة السياسي عطا محمد نور، الذي كان لديه جيشه الخاص أثناء حكم مقاطعة مهمة، وشأنه شأن دوستم أعد ابنه ليخلفه. ومن بين الحاضرين الآخرين في اجتماع أنقرة قادة الهزارة والمجاهدون السابقون وأعضاء سابقون في الجمهورية الأفغانية وعدد قليل من أمراء الحرب الآخرين. وقال أحد المستشارين عبر اجتماع "زوم" إن النساء شاركن في الاجتماع أيضًا.

بعد مرور سنة تقريبًا على انتهاء الحرب في أعقاب انسحاب القوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة، من شأن العودة إلى الصراع السياسي للزعماء العرقيين مع الجيوش الخاصة تذكية التوترات وتأجيج المخاوف من احتمال غرق أفغانستان مرة أخرى في معارك حامية الوطيس من أجل الظفر بالسلطة وحكم الناس وكسب الأراضي.

إن أفغانستان محطمةٌ الآن بشكل خطير. في جميع أنحاء الشمال، تقاتل الجماعات المسلحة لطرد طالبان مما يمنح أمراء الحرب وحلفاءهم الثقة بأن عودتهم ستجد دعمًا شعبيًا في ظل تزايد الضغط على الحكومات الغربية لإنهاء عزلة أفغانستان.

استُقبلت طالبان بالهتافات والدموع عندما تولت السلطة، على الرغم من أن الفرح بنهاية الحرب لم يدم طويلا في ظل حكمهم الديني

وفي خضم المجاعة التي تلوح في الأفق وتُهدّد حياة الملايين والانهيار الاقتصادي الذي تفاقم بسبب العقوبات المالية الأمريكية، سيستغل الحرس القديم بعض العوامل لصالحه وأبرزها عدم قدرة طالبان المثبتة على العمل كحكومة وطنية. لكن مع الحرب الأهلية التي تلوح في الأفق، يحذر بعض المحللين من أن التاريخ سيعيد نفسه وستُرتكب فظائع أخرى مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، حين تتحد العشرات من الجماعات المناهضة للغرب تحت راية طالبان.

هذا المشهد المجزء للبلاد يعطي المجموعة القديمة-الجديدة من أمراء الحرب متنفسًا للتخطيط لعودتهم. وقال أحد مستشاري دوستم، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الجماعة تريد من طالبان توسيع تشكيلة حكومتها المكونة حاليًا من البشتون السُنة والرجال بشكل حصري. وأكد أن المجلس يدعم اللامركزية ومنصة مقاومة وطنية مركزية وخطوة نحو تقسيم البلاد إلى مناطق تتمتع بالحكم الذاتي وتهيمن عليها الأعراق.

يرى عالم الأنثروبولوجيا عمر الشريفي، الذي يدرس في الجامعة الأمريكية بأفغانستان، إن هذا الطلب ليس مستحيلًا. فقد أثبت أمراء الحرب أنهم قادرون على التكيف مع الوقت والظروف والانتقال من الجهاد إلى الديمقراطية حسب الضرورة حفاظًا على قوتهم ونفوذهم وثرواتهم ومكانتهم. وأوضح الشريفي أن حركة طالبان سيئة للغاية لدرجة أنها يمكن أن تجعل أمراء الحرب يبدون بمرور الوقت بديلًا مثيرا للاهتمام.

نشأ أول تحوّل لطالبان في السلطة من الحرب الأهلية لسنة 1992-1996، عندما حاول أمراء الحرب إبادة بعضهم البعض بعد هزيمة الجيش السوفيتي المحتل على يد المجاهدين الذين مولهم الولايات المتحدة في سنة 1989؛ حينها كانت الحكومة الأفغانية قد انهارت بعد ثلاث سنوات من الانسحاب السوفيتي. قُتل عشرات الآلاف من المدنيين في كابول وحدها، ولا تزال أجزاء من المدينة شاهدة على آثار القتال.

استُقبلت طالبان بالهتافات والدموع عندما تولت السلطة، على الرغم من أن الفرح بنهاية الحرب لم يدم طويلا في ظل حكمهم الديني. فقد تم إقصاء النساء وحظر الموسيقى والرقص والتصوير، وبتر أيدي اللصوص وعرضها في الأسواق، وكانت عاقبة خطيئة مثل الزنا الإعدام العلني.

احتمال عودة أمراء الحرب دليل على فشل الحكومات الأفغانية المتعاقبة وأنصارها الغربيين في بناء مؤسسات مستدامة

تمت الإطاحة بحركة طالبان نفسها في سنة 2001 بعد الغزو الأمريكي، مما مهد الطريق لعقدين من التقدم في التعليم والنمو الاقتصادي وحقوق المرأة. ولكن منذ عودة طالبان إلى السلطة في آب/ أغسطس الماضي، تراجعت البلاد عن معظم ما حققته من إنجازات خلال الحقبة الجمهورية. إنهم يعاملون بوحشية النساء ومجتمع الميم وبعض الأقليات، ويقومون بمطاردة المدافعين عن الحقوق والأعضاء السابقين في الجيش الأفغاني وقوات الأمن.

عدم وجود نظام حكم بديل يتمتع بالمصداقية - فضلاً عن الأزمة الإنسانية المتزايدة - ولّد ضغطا متزايدا على الرئيس الأمريكي جو بايدن للاعتراف بحركة طالبان، أكبر عصابة مخدرات في العالم، التي تضم قياداتها عشرات "الإرهابيين" الخاضعين للعقوبات. وقد اقترح بعض المعلقين إنهاء عزلة طالبان بالمشاركة الدبلوماسية دون الاعتراف بها، مستشهدين بالحاجة إلى التخفيف من حدة الكارثة الإنسانية - رغم تقديم مساعدات بقيمة مليارات الدولارات إلى الأمم المتحدة لإطعام الأعداد المتزايدة من الجياع - وحماية المصالح الأمريكية. وحتى الآن، لا تزال طالبان منبوذة في الداخل والخارج.

يبقى أن نرى ما إذا كان أمراء الحرب يستطيعون التدخل لتغيير الوضع. وفي الحقيقة، ليس لدى الولايات المتحدة والتحالف الدولي الذي قاتل لمدة 20 سنة أي رغبة في العودة إلى الصراع في أفغانستان. ولا تريد الدول المجاورة تمويل أو تسليح جماعات المقاومة، وقد أعربت عن ارتياحها لأن الصراع على الحدود قد انتهى، وتأمل أن تتمكن من التعايش مع طالبان وإن كان الوضع غير مستقر.

بالنسبة للباحث علي محمد علي المقيم في نيويورك، الذي قدّم المشورة للحكومة الأفغانية السابقة في مسائل الأمن، فإن احتمال عودة أمراء الحرب دليل على فشل الحكومات الأفغانية المتعاقبة وأنصارها الغربيين في بناء مؤسسات مستدامة. وهو يعتقد أن "المجتمع الدولي غير كفء وغير متماسك وعليه أن يتكاتف سويًا لأن مشاكل أفغانستان لن تبقى في أفغانستان". وشدد على عدم وجود مؤسسات حكم دائمة بنيت خلال عقود من الإشراف الغربي، بما في ذلك بنك مركزي مؤهل وحكومة مركزية مختصة. وقال إنه دون إنشاء مثل هذه المؤهلات، تواجه البلاد خطر التفكك مرة أخرى لتصبح بؤرة للإرهاب.

وأضاف أن "هذا الوضع لن يكون مواتيًا لظهور أمراء الحرب وقمع طالبان فحسب، بل إن جماعات مثل تنظيم الدولة والقاعدة ستملأ الفراغ من خلال توفير العدالة والخدمات للشعب. وهذا ما حدث في العراق وسيحدث في أفغانستان إذا تم تطبيع الوضع الحالي".

المصدر: فورين بوليسي