حجاج مسلمون يطوفون حول الكعبة أثناء الحج الصغير، المعروف باسم العمرة

ترجمة وتحرير: نون بوست

بحقائبها الممتلئة بعبايات فضفاضة وأحذية مريحة وأدوات تجميل غير معطرة اشترتها حديثًا، كانت ساجدة أنور تستعد لأداء فريضة الحج في المملكة العربية السعودية، وهي الركن الخامس من الإسلام والفرض الديني لجميع المسلمين الذين يمكنهم تحمل تكلفة القيام بالرحلة.

وقالت ساجدة للجزيرة "كنت مستعدة روحيًّا وذهنيًّا لإداء الفرض الخامس والأخير في الإسلام"، وزادت من تدريبها البدني للتأكد من أنها قادرة بما يكفي للقيام بالرحلة الشاقة، وحضرت دورات خاصة بالحج واشترت كل ما تحتاجه للرحلة؛ حيث تعمل ساجدة كمديرة مشروع عقاري تعمل لصالح شركة عقارات واستثمارات في لندن وكانت قد جابت كل أنحاء العالم.

صورة
مصلون يطوفون حول الكعبة خلال موسم حج السنة الماضية

أمضت ساجدة وقتها في بلو ماونتينز أستراليا في الآونة الأخيرة وسافرت إلى تسمانيا، ولكن المكان الوحيد الذي أرادت زيارته كان دائمًا بعيد المنال.

وأضافت ساجدة (48 سنة): "كنت أدخر من أجل هذه الرحلة منذ سنوات، لكنني كنت أبحث عن مَحْرَم ليرافقني لأن هذا هو الشرط التقليدي لأداء فريضة الحج أو العمرة".

وقال خالها مامو سنة 2020 إنه مستعد للذهاب معها برفقة زوجته لأداء فريضة الحج، وقالت ساجدة: "لقد كبر أطفالهم وشعروا أن هذا هو الوقت المناسب للزوجين لأداء فريضة الحج".

جائحة فيروس كورونا

كانت قيود السفر التي فرضها الوباء تعني أن المملكة العربية السعودية سمحت فقط للمسلمين المقيمين بالفعل داخل البلاد بأداء فريضة الحج.

كان على ساجدة وعائلتها الانتظار للسفر إلى مكة - مثل ملايين المسلمين في جميع أنحاء العالم - واستعدوا للقيام بذلك بمجرد رفع القيود. في سنة 2019، قام 2.5 مليون مسلم بالذهاب إلى الحج قبل انتشار فيروس كورونا. وفي نفس السنة، أضاف دخل الحج والعمرة حوالي 12 مليار دولار إلى اقتصاد المملكة العربية السعودية.

صورة

في أبريل / نيسان الماضي؛ أعلنت المملكة العربية السعودية أنها ستسمح مرة أخرى للمسلمين من الخارج بالدخول مما يعني تمكن أولئك الذين أجلوا رحلاتهم من أداء الفريضة.

وقالت ساجدة: "وكيلنا صديق قديم للعائلة، وقد اتصل بخالي بمامو فور إعلان التسجيل على موسم الحج بعد عيد الفطر في أوائل آذار/ مارس. أكدنا له أننا نريد الذهاب ودفعنا مقدمًا على الفور (1000 جنيه أو 1200 دولار لكل شخص) وانتظرنا منه تأكيد التفاصيل"، وانهمكت الأسرة  بعد ذلك في التأكد من المعاملات الورقية ولقاحات فيروس كورونا وحجز إجازة سنوية.

تغييرات اللحظة الأخيرة

بحلول 6 حزيران/ يونيو؛ قبل شهر واحد فقط من بدء الحج (7 تموز / يوليو)، استغنت وزارة الحج السعودية عن الوسيط، ولم يعد يُسمح لوكلاء السفر من أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا - الذين كان لهم دور فعال في عقد اتفاقات تناسب احتياجات المسافرين - بتسهيل الحج. وبدلًا من ذلك؛ أطلقت السلطات نظام "مطوّف" للحجز عبر الإنترنت للحجاج المتقدمين من الدول الغربية؛ حيث سيتم بعد ذلك إدخال المتقدمين في السحب وإبلاغهم بما إذا كانوا من بين القلة المختارة القادرين على القيام بالرحلة إلى الأرض الإسلامية المقدسة.

أعاد وكيل ساجدة المقدم بالكامل بمجرد أن علموا أن التسجيل للحجز أصبح عن طريق البوابة الإلكترونية في 10 حزيران / يونيو؛ فيما قالت ساجدة "بعد ذلك؛ سارعنا لملء الاستمارات عبر الإنترنت قبل الموعد النهائي في 13 حزيران / يونيو"، بينما كان البعض الآخر أقل حظًا مع استمرارهم في ملاحقة الوكلاء لإعادة الرسوم.

وقالت سميرة حسن، التي تم تغيير اسمها لأنها اشترطت عدم الكشف عن هويتها، لـ"الجزيرة" من منزلها في نيوجيرسي بالولايات المتحدة: "كنا بحاجة إلى وكيلنا لإعادة مدفوعاتنا حتى نتمكن من التسجيل عبر البوابة الإلكترونية"؛ حيث كانت سميرة قد انضمت لمجموعة رحلات الحج بقيادة إمام المنطقة وكانت تأمل أن تذهب مع أختها التوأم وشقيقها الأكبر ووالديها.

وأعلن وكيلهم أن تكلفة الرحلة 13600 دولار لكل شخص بعد أن تقدموا بطلب لأداء فريضة الحج في نيسان / أبريل، وبعد شهر أبلغهم أن التكلفة ارتفعت إلى 21 ألف دولار.

"اضطر والدي للانسحاب لأنه لم يكن قادرًاً على تحمل التكاليف، فهو يعمل كمضيف اجتماعات في فندق بينما ساهمت أنا وأختي في تحمل تكاليف رحلة والدتي".

وقالت أنوار، التي تتمتع بخلفية في مجال تكنولوجيا المعلومات: "السلطات (السعودية) لديها الإحصائيات، فهم يعرفون عدد الحجاج المحتمل أن يتقدموا بطلبات من البلدان التي قدموا لها هذه المنصة، ويبدو أنه لم يكن هناك أي اختبار من قِبل المستخدم قبل إطلاقها، ولم يكن هناك عناية واجبة".

روى جميع الحجاج الراغبين في السفر نفس القصة، تمت الموافقة على طلباتهم، لكن الدفع كان معلقًا؛ ثم تغيرت مواعيد سفرهم المختارة، ثم تضاعفت الأسعار؛ ولم يتم إصدار تأشيرات أو حجز الرحلات الجوية، وكل ذلك قبل أيام فقط من بداية الحج.

البرامج المقدمة عبر الإنترنت

وقالت أنوار: "كانت برامج "مطوّف" مختلفة عما كان يقدمه وكيلنا، لقد خططنا للذهاب لمدة 14 يومًا، ولكن لم يكن هذا البرنامج متاحًا"، وأضافت: "يمكننا إما الذهاب لمدة 12 يومًا دون زيارة المدينة المنورة، أو 21 يومًا مع مغادرة الرحلات الأولى في الخامس والعشرين، مما يعني طلب المزيد من الإجازات"؛ حيث قدم الموقع ثلاث برامج، فضية وذهبية وبلاتينية.

وقد تقدمت أديبة قريشي بطلب للحصول على البرنامج الذهبي بسعر 6900 جنيه إسترليني (8300 دولار) للفرد، شاعرة بالامتنان لأنها وزوجها محمد سيوفران بعض المال؛ حيث ثمّنها وكيل تحدثت إليه قبل الإعلان عن تغييرات استمارة التقديم بـ 8000 جنيه إسترليني (9700 دولار)، وقالت قريشي لـ"الجزيرة" بعد أن علمت أنها قد تم اختيارها للمشاركة في السحب:"كنت سعيدة جدًا، أعتقد أن السعوديين يقدمون هذا لمحاولة مساعدتنا وجعل كل شيء سلسًا وسهلًا وبأسعار معقولة".

ولكن بعد أيام؛ اكتشفت قريشي أن التواريخ التي اختارتها وخططت بعناية لتوفير رعاية للأطفال خلالها لم تعد متوفرة، كما تضاعف السعر.

وحدث الأمر نفسه مع أنوار، والتي قالت: "يبدو الأمر وكأنه قرار تجاري، فهم لم يجنوا الكثير من المال من الحج لمدة عامين بسبب الوباء؛ ولكن بدلًا من التصرف كأمناء على المدينة المقدسة، فإنهم يتصرفون كشركة، ولكن مع إهمال تام للحجاج".

لكن قريشي كانت ما تزال تريد الذهاب؛ حيث قالت: "لدي ثلاثة أطفال، تسعة أعوام وخمسة أعوام وثلاثة أعوام، وقد وافقت أختي على الاعتناء بهم بينما أنا وزوجي مسافرين، وقد كنت أخطط لوضع جدول زمني لبرنامجهم بالتفصيل لمساعدتها".

وأضافت: "نفسيًّا، أنا مستعدة للذهاب الآن، لكن عدم اليقين في ذلك كان مدمرًا، فأنا مستعدة، عمري 31 سنة ، ولا أريد أن أفعل ذلك عندما أكبر".

وقد تحققت مخاوف قريشي بعد اكتشاف تغيير في المعايير؛ حيث لم يعد مسموحًا لمن هم فوق 65 عامًا بالذهاب للحج، مما يعني أن والدة قريشي لم تعد قادرة على القيام برحلة ادخرت لها طوال حياتها.

وقالت قريشي من منزلها في هايز، غرب لندن، والضيق واضح في صوتها: "أمي، البالغة من العمر الآن 67 عامًا؛ كرّست حياتها كلها لتربيتي أنا وأختي، لقد كافحت وهي تعمل في حسابات في إدارة حكومية في حيدر أباد بالهند لتربيتنا ومنحنا تعليمًا جيدًا".

وبعد رؤية ابنتيها متزوجتان، شعرت والدة قريشي، السيدة بيغوم، أنها أدّت واجباتها على أكمل وجه، وادخرت المال جانبًا، وكانت تأمل في أداء فريضة الحج هذا العام؛ حيث قالت قريشي:"لقد انتظرت حياتها كلها، مثل الكثيرين، فقط لتكتشف الآن أنها لا تستطيع الذهاب".

وبعد أيام؛ قالت سميرو حسن لـ"الجزيرة"؛ بحسرة وخيبة أمل: " كان من المفترض أن تكون رحلتنا على بعد أقل من أسبوع وما زالت هناك العديد من المشكلات الفنية تواجه جميع الحجاج.. لقد قررنا تأجيل الحج حتى العام المقبل"، وأضافت: "نأمل أن يعود وكلاء السفر في العام المقبل، لأنه كان من الأسهل بكثير التواصل معهم ولم نواجه صعوبات مثل هذه من قبل عندما ذهبنا إلى العمرة".

التماس العودة للنظام القديم

ووصل التماس يدعو إلى العودة إلى الطرق التقليدية لحجز الحج إلى هدفه في غضون أيام من إطلاقه.؛ فقد قال محسن شاه الذي يمتلك وكالة سفر متخصصة في حجوزات الحج والعمرة منذ سبع سنوات؛ متحدثًا من وكالته في مانشستر بالمملكة المتحدة، إن 80 بالمئة من حجوزاته كانت من حجوزات الحج والعمرة، مضيفًا:  "لقد حجز لدي 48 شخصًا هذا العام، ولكن عندما انتقلت الحجوزات إلى "مطوّف"، واجه الحجاج الكثير من المشاكل، وانتهى الأمر بإلغاء الحج لهذا العام".

وتابع: "لقد أثرت التغييرات التي تم إجراؤها هذا العام على عملي، ولكن كما يقولون؛ مع إغلاق أحد الأبواب، يُفتح باب آخر".

وكالة شاه متخصصة أيضًا في الرحلات إلى المسجد الأقصى في القدس والمواقع الدينية في العراق.

وقال شاه: "إذا أصر السعوديون على الاحتفاظ بمطوّف لحج العام المقبل، فلا بأس، ولكن ينبغي عليهم أيضًا السماح للوكلاء بالعمل بالتوازي، على الأقل يصبح هناك منافسة، وللحجاج خيار".

وعلى الرغم من أن وزارة المملكة العربية السعودية للحج والعمرة لم تستجب لطلب الجزيرة للتعليق، إلا أن موقع مطوف أصدر في 21 يونيو تحديثًا يؤكد أنه على علم بالمشاكل المتعلقة بإتمام الدفع وتأكيدات الحجز، وأورد البيان أن فريق "مطوّف" كان يعمل على الحالات المعلقة ويهدف إلى الاتصال بالمتقدمين في غضون 72 ساعة.

وقالت أنوار، التي اضطرت لاتخاذ القرار المؤلم بتأجيل الحج: "ليس لدينا تأكيدات بأنه عند وصولنا إلى هناك سنحصل بالفعل على تجربة جيدة"؛ وقد وصل بعض الحجاج الذين نجحوا في الحجز عبر مطوّف إلى مطار المغادرة، ثم قيل لهم إنه لا توجد رحلة طيران، ووجد آخرون ممن استطاعوا الوصول إلى المملكة العربية السعودية أنه لا توجد حجوزات لهم في غرف فندقية، أو حصلوا على غرف مع غرباء بدلًا من البقاء مع أفراد الأسرة.

 قالت أنوار: "لقد عرّضت وزارة الحج الناس لكثير من الضغوط هذا العام"، وأضافت: "خلال هذا الوقت من ارتفاع تكاليف المعيشة، ليس من السهل وضع هذه الأموال في رحلة العمر، لكنك تفعل ذلك لأن هذا واجب، ولأنها رحلة روحية للعودة إلى جذور الإسلام"، متابعة: "لقد نشأنا على سماع قصص الأنبياء الذين أقاموا في هذه الأراضي، وكنت أتطلع إلى أن أكون هناك، فهي فرصة لا تكاد تعوض".

المصدر: الجزيرة