لا شكّ أن المراقب لتطورات المشهد السوداني يستغرب من كثرة الأحداث التي تتغير بين اللحظة وضحاها، إذ جرى في اليومين الماضيين تداول تصريحات مثيرة أدلى بها قائد قوات الدعم السريع الجنرال محمد حمدان دقلو "حميدتي"، عندما اعترف بفشل الانقلاب الذي قاده الجنرال عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كذلك تم تداول خبر آخر لا يقل غرابة، وهو أن "الرئيس الإريتري دعا أطراف الصراع في شرق السودان لاجتماع مُهم في العاصمة أسمرة الجمعة القادمة".. نعم رئيس دولة أجنبية يدعو أطراف الصراع في بلد مجاور إلى اجتماع في دولته!

للمفارقة، فإن رئيس النظام الإريتري أسياس أفورقي (مواليد فبراير/شباط 1946) اقترب من إكمال عقده الثالث في حكم إريتريا منذ استقلالها عام 1993، من دون دستور ولا برلمان ولا مؤسسات دولة، ورغم العزلة الدولية التي يعيش فيها أسياس بسبب سياساته الداخلية والخارجية، فإنه لا يعرف البقاء من دون تدخلات في دول الجوار، ومحاولة لعب دور إقليمي وتشكيل تحالفات ومحاور بقيادته، فقد احتضن العمل المسلح للمعارضة السودانية الجنوبية والشمالية ضد البشير في تسعينيات القرن الماضي، كما خاض نزاعات مسلحة متفرقة مع كلٍ من جيبوتي وإثيوبيا واليمن، وآخر تدخل عسكري له كان في حرب إقليم تيغراي الإثيوبي عام 2020.

منذ سقوط نظام الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير في 11 أبريل/نيسان 2019، أخذ النظام الإريتري، المنبوذ دوليًا، يتودد إلى المكون العسكري في السلطة الانتقالية التي تشكلت في أغسطس/آب من العام نفسه.

فبعد أن غاب رئيس النظام أسياس أفورقي عن احتفالية التوقيع النهائي على الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري وقوى الحرية التغيير، عاد وزار الخرطوم منفردًا في الشهر التالي - سبتمبر/أيلول -، لتكون الزيارة الأولى من نوعها منذ زيارته الأخيرة للسودان عام 2014.

في السنوات الأخيرة من عهد البشير، توتّرت العلاقات مع نظام أسياس إلى أن وصلت ذروتها عام 2018، عندما أمر البشير بإغلاق الحدود مع إريتريا، إضافة إلى نشر تعزيزات عسكرية ضخمة من الجيش، وأضيف إليها لاحقًا الدعم السريع بحجة أن إريتريا فتحت معسكرات لقوات مصرية ولفصائل من المعارضة السودانية تشكل تهديدًا لحدود السودان الشرقية.

توالت بعد سقوط البشير، زيارات الرئيس الإريتري ووزير خارجيته ومستشاره السياسي، وقد ازدادت وتيرة الجولات بعد الانقلاب الذي قاده الجنرال عبد الفتاح البرهان على الحكومة المدنية، إذ حاول النظام الإريتري لعب دورٍ لتقريب وجهات النظر بين مختلف أطراف الأزمة التي تسبب فيها الانقلاب.

يبدو أن رأس النظام الإريتري رأى أن يترك الوساطة في الأزمة السودانية التي تسبب فيها الانقلاب، ليتجه إلى التدخل في صراعات شرق السودان

في مايو/أيار الماضي، أرسل رئيس النظام الإريتري للمرة الرابعة، وفدًا رفيع المستوى إلى الخرطوم، ضم وزير خارجيته عثمان صالح، ويماني قبراب الذي يعده المراقبون، العقل المدبر لأفكار وخطط أسياس أفورقي، التقى الوفد بالجنرال عبد الفتاح البرهان، وسلّمه رسالة خطية من الرئيس أفورقي، ووفقًا لبيان سوداني، فإن الوفد "حمل معه رؤية تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية لحل الأزمة السياسية، وذلك انطلاقًا من حرص إريتريا ورغبتها في استتباب الأمن والاستقرار في السودان وفي دول المنطقة والإقليم".

البيان السوداني لم يشر إلى ردة فعل الطغمة الحاكمة على الوساطة الإريترية، لكن قناة الشرق السعودية تحدثت عن تحفظ سوداني، إذ قالت مصادر القناة إن البرهان أخبر الوفد بأنهم "غير محايدين" و"يدعمون الجانب الإثيوبي"، وإنهم يقدمون "دعمًا لوجستيًا لقومية الأمهرا" على الحدود السودانية، لكن وفقًا لمصادر "الشرق" لم يثنِ هذا التحفظ أفورقي عن تكرار الطلب ذاته من خلال العديد من الرسائل.

كما كشفت مصادر سودانية رفيعة للمصدر السابق، أن مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية مولي في، أبلغت الخرطوم خلال زيارتها الأخيرة في يونيو/حزيران الماضي رفض الولايات المتحدة جهود إريتريا المستقلة لحل الأزمة بين الفرقاء السودانيين، ووفقًا لمصادر "الشرق"، أكدت مولي عدم دعمها لأي اجتماعات منفصلة قد تعقد مستقبلًا في أسمرة لحل الأزمة السودانية.

بعد أن استصعب الأمر، يبدو أن رأس النظام الإريتري رأى أن يترك الوساطة في الأزمة السودانية التي تسبب فيها الانقلاب، ليتجه إلى التدخل في صراعات شرق السودان، فقد ذكرت وسائل إعلام سودانية، الإثنين، أن النظام الإريتري وجه الدعوة للعشرات من زعماء العشائر في شرق السودان لحضور اجتماع يناقش أزمة المنطقة وطرق حلها.

وأبلغ قيادي أهلي، فضّل حجب اسمه، موقع "سودان تربيون"، "أنهم سيشاركون خلال الأيام القليلة المقبلة في مؤتمر يرعاه الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لبحث الأوضاع في الإقليم"، وأبدى القيادي استغرابه من توقيت عقد الملتقى كونه يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة استقرارًا لم يسبق له مثيل طوال الثلاثة أعوام الماضية.

وردًا على ما إذا كان اجتماع أسمرة هو الخاص بأهل الشرق الذي كان مفترضًا عقده قبل عدة أشهر أجاب القيادي "اجتماع أسمرة لا علاقة له بالمؤتمر الجامع لأهل الإقليم الذي ورد في اتفاق مسار الشرق"، مضيفًا "نحن ذاهبون للاستماع لرؤية القيادة الإريترية بشأن التعامل مع الأوضاع في السودان عمومًا، والشرق على وجه الخصوص".

تدخلات ديكتاتور إريتريا أسياس أفورقي في شرق السودان، ليست جديدة على الإطلاق، ففي عام 2019 ظهر الشيخ سليمان علي بيتاي (وهو شيخ كتاتيب وخلاوي دينية في شرق السودان)، في مقطع فيديو إلى جانب أسياس أفورقي في حفل تخريج عسكري من قاعدة "ساوا" في إريتريا بقرب الحدود السودانية، واعترف بيتاي لاحقًا بأنه يحمل جوازي سفر "سوداني وإريتري"، موضحًا أن أفورقي دفع له تكاليف علاجه في دولة الإمارات.

كما ذكرنا بالأعلى، هذه التدخلات ليس غريبة على رئيس "كوريا الشمالية إفريقيا"، لكن من غير المفهوم صمت الطغمة العسكرية الحاكمة في السودان على الدعوة التي قدمها رئيس النظام الإريتري عبر سفارته في الخطوم لنظار القبائل وبعض القادة الأهليين والسياسيين وشيخ خلاوي همشكوريب، للمشاركة في "الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر الشرق" في العاصمة الإريترية أسمرة!

لطالما تشدّق الجنرال البرهان ورفيقه حميدتي بالحديث عن أن الجيش حامي "السيادة الوطنية"، وكثيرًا ما وجها اتهامات مبطنة للمدنيين بأنهم "عملاء للسفارات الأجنبية"، في حين أن السودان في ظل الحكم العسكري أصبح البلد الوحيد في العالم الذي يعقد فيه السفراء الأجانب لقاءات واجتماعات مع زعماء القبائل والأحزاب السياسية للحديث في الشأن العام الداخلي.

ويبدو أن الأمر حاليًّا تعدى السفراء، ووصل مرحلة أن رؤساء دول الجوار صاروا يقدمون الدعوات مباشرة لزعماء القبائل وشيوخ الخلاوي، بهدف مناقشة الصراعات القبلية في السودان، بعيدًا عن أنظار سلطة الأمر الواقع في الخرطوم.  

يوم الخميس/الجمعة ستتجه الأنظار إلى الحدود الشرقية للسودان مع إريتريا، حيث من المتوقع أن تتحرّك الوفود القبلية من كسلا (شرقي السودان) برًا، لعبور الحدود بين البلدين باتجاه تسني الإريترية، فهل ستسمح لهم سلطات الانقلاب بعبور الحدود وتلبية دعوة أفورقي لتكون سقطة جديدة للنظام العسكري؟ أم ينتفض البرهان ويُصدِر تعليماته للأجهزة الأمنية بمنع الوفود من السفر برًا إلى إريتريا؟ 

الأرجح أن قائد الانقلاب سيبتلع الإهانة لأنه لن يقوى على فتح جبهة جديدة مع ديكتاتور الجارة الشرقية، ولا مع قيادات الإدارة الأهلية الذين يتنافس على استقطابهم مع نائبه حمديتي.