بعد 5 أشهر من جلسات التفاوض الشاقّة، نجحت الوساطة القطرية في تحقيق اختراق كبير أفضى إلى توقيع اتفاق سلام، يوم الاثنين، بين السلطات الانتقالية الحاكمة في تشاد (ممثلة بالمجلس العسكري) ونحو 40 مجموعة معارضة، ما يمهّد الطريق أمام حوار للمصالحة الوطنية الشاملة، يتوقع أن تستضيفه العاصمة التشادية إنجامينا في وقت لاحق من أغسطس/ آب الجاري.

أكّدت الدوحة من جديد ريادتها ودبلوماسيتها النشطة في التوسُّط في النزاعات، بما يفضي إلى توقيع الاتفاقيات الإقليمية والوساطة الدولية لحلّ الصراعات، سواء من خلال الإعلان عن اتفاقيات سلام بين فرقاء سياسيين في دولهم، كما حدث من قبل في لبنان وإقليم دارفور السوداني، والحوار الأفغاني-الأفغاني، أو بين أطراف دولية كالمحادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، إلى التوسُّط بين جيبوتي وإريتريا، حيث نجحت الوساطة القطرية في إقناع إريتريا بإطلاق سراح أسرى جيبوتيين

أهم بنود اتفاق الدوحة

خلال الأشهر الماضية، بذل الوسيط القطري جهدًا كبيرًا لأجل ردم الهوّة التي كانت عميقة بين الأطراف التشادية، وذلك من خلال فرز المقترحات وترتيب الأولويات وتعزيز الثقة، وفي 8 أغسطس/ آب الجاري جرى التوصُّل إلى اتفاق نلخّص أهم بنوده فيما يلي:

- وقف الأعمال العدائية بصورة تامة ونهائية بمجرد التوقيع على الاتفاق، وذلك بالتزام الأطراف الموقعة بعدم استهداف بعضها في الداخل أو الخارج.

- عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، تتمّ على مرحلتَين:

الأولى: ابتداءً من تاريخ التوقيع على الاتفاقية تباشر الحركات السياسية العسكرية في عملية رفع كشوف للجنة متابعة تنفيذ اتفاقية الدوحة.

الثانية: تقوم الحركات السياسية العسكرية بعد الاتفاق في الحوار الوطني الشامل في إنجامينا بتزويد اللجنة الاستشارية، لمتابعة تنفيذ اتفاقية الدوحة، بقوائم عن عدد مقاتليها وأسلحتها وأماكن التواجد، بالتنسيق مع الدول التي توجد فيها.

- تدابير بناء الثقة والترتيبات الأمنية: اتفقت الأطراف على أن يضمن المجلس العسكري لقادة وأعضاء الحركات عفوًا شاملًا عن الإدانات القضائية والتهم المتعلقة بالمشاركة في التمرد أو الاعتداء على أمن وسلامة الدولة، إضافة إلى التدابير اللازمة لضمان السلامة الجسدية لأعضاء الحركات الموقِّعة على الاتفاقية وممتلكاتهم وأقربائهم عند عودتهم إلى تشاد، فضلًا عن وضع نظام خاص لمندوبي الحركات وترتيب سهولة انتقالهم، وحرية إنشاء حزب سياسي لمن يرغب منهم في ذلك.

- الحوار الوطني الشامل: تعهّدَ المجلس العسكري والأطراف الموقعة معه على الاتفاقية ببذل كافة الجهود لتنظيم حوار وطني شامل، تكون قراراته ملزمة لجميع الأطراف في إنجامينا في أقرب وقت ممكن، على أن يكون التنظيم المادي للحوار الوطني الشامل وإدارة أعماله على أساس توافقي وشفّاف وشامل يرضي جميع الأطراف المشاركة، محددة 20 بندًا وُضعت كأجندة للحوار الوطني الشامل الذي سيعقد في إنجامينا، وأهم هذه الأجندة:

الإصلاح الجذري للجيش، ومسألة مراجعة ميثاق الفترة الانتقالية، ومسألة عدم أهلية أعضاء الأجهزة الانتقالية للترشُّح في أول انتخابات تُجرى بعد المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة مصالحة وطنية بعد اختتام الحوار الوطني الشامل.

اُختتمت الوثيقة بآليات لمتابعة اتفاقية الدوحة، ونصّت على إنشاء لجنة استشارية لمتابعة تنفيذ اتفاقية الدوحة تتألف من 9 أشخاص، وهم كما يأتي: 3 من طرف المجلس العسكري، و3 من طرف الحركات الموقعة على الاتفاقية، و3 ممثلين للمجتمع الدولي الذي شارك في عملية السلام بالدوحة، على أن يرأس اللجنة أحد ممثلي المجتمع الدولي، ومن أهم ما ستضطلع به اللجنة هو الإشراف على تنفيذ الاتفاقية، إضافة إلى عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج.

أبرز الحركات الموقّعة على اتفاق السلام 

وقّع على اتفاقية الدوحة لسلام تشاد، يوم الاثنين، 40 حركة سياسية وعسكرية معارضة للمجلس العسكري الانتقالي الحاكم برئاسة محمد إدريس ديبي، حيث تُعدّ حركة اتحاد قوى المقاومة، برئاسة تيمان إرديمي، إحدى أهم الحركات التشادية الموقّعة على الاتفاق، مع العلم أن إرديمي، وهو أحد أبرز المعارضين في تشاد، لجأ إلى الدوحة منذ عام 2009 بعد وساطة قطرية.

وتمرّد تيمان أرديمي على نظام الرئيس الراحل إدريس ديبي عام 2006، حيث اختار المقاومة المسلحة بعد تأسيس جيش من أبناء قبيلته الزغاوة، تمكّن عام 2008 من دخول العاصمة إنجمينا بمعاونة حركة محمد نوري الشهيرة، لكنه فشل في الاستيلاء على الحكم، وتدرّج إلى أن اُنتخب رئيسًا لتكتل "اتحاد قوى المقاومة" الذي أُنشئ عام 2009.

كما وقّع على الاتفاق أمس ممثلو حركات أخرى، من بينهم زعيم اتحاد قوى الجمهورية، محمد عبد الكريم حنو، ونائب رئيس تجمع وحدة أبناء تشاد للتنمية، محمد عثمان طاهر راكب، والمتحدث باسم حركة اتحاد القوى للتغيير الديمقراطي، محمد أحمد كبير، ورئيس الحركة التشادية للتغيير، عمر محمد الدقي، والمستشار التنفيذي للجبهة الشعبية لتحرير جنوب تشاد، كابي بامينغار.

الحركات الرافضة تحمّل المجلس العسكري المسؤولية 

في المقابل، أعلنت 18 حركة سياسية عسكرية تشادية رفضها اتفاقية السلام التي وقّعتها السلطات الانتقالية مع المعارضة الاثنين بالدوحة، ومن أهم الحركات الرافضة للاتفاقية جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد (فاكت)، إلى جانب المنسقية الوطنية من أجل التغيير والإصلاح بزعامة بشير الخليل حمدي، وحركة المجلس الوطني للمقاومة من أجل الديمقراطية بزعامة أبكر توليمي، وحركة المجلس الوطني لنهضة تشاد بزعامة بشارة إدريس حقار، والحركة الديمقراطية التصحيحية بزعامة محمد بشير خليل.

أصدرت هذه الحركات الرافضة لاتفاق الدوحة وغيرها، بيانًا مشتركًا شكرت فيه دولة قطر على جهودها، وأكّدت أنها لا تزال منفتحة على الحوار رغم تجاهُل مطالبها وملاحظاتها، ومنها "إلغاء لجنة تنظيم الحوار الوطني الشامل بشكلها الحالي، وإطلاق سراح سجناء الرأي وتعديل ميثاق الفترة الانتقالية وإعادة هيكلة قوات الدفاع والأمن".

وأكدت الحركات الرافضة أنها تحمّل المجلس العسكري مسؤولية فشل المفاوضات التي بدأت 13 مارس/ آذار 2021، مؤكدة أنها كانت "فشلًا ذريعًا"، وفق البيان.

وأضافت الحركات في بيانها المشترك، أنها لاحظت "منذ بداية المفاوضات أن الوفد الحكومي لم يكن لديه رغبة جادة لإجراء مفاوضات حقيقية، من شأنها أن تسمح لجميع الحركات بالمشاركة الفعلية في الحوار الوطني الشامل".

كما لفتت الحركات إلى أنها قدّمت مقترح تعديلات تتعلق بمسألة "عدم أهلية أعضاء الهيئات الانتقالية للترشح في أول انتخابات رئاسية بعد الفترة الانتقالية، وإلغاء لجنة تنظيم الحوار الوطني الشامل بشكلها الحالي".

وأضافت أنها شددت في مقترحاتها على ضرورة "التأكيد على سيادة الحوار الوطني والتوزيع المتساوي لعدد المندوبين بين مختلف أصحاب المصلحة في الحوار الوطني، وتعديل ميثاق الفترة الانتقالية وإعادة هيكلة قوات الدفاع والأمن، إضافة إلى إطلاق سراح سجناء الرأي وأسرى الحرب".

وقالت الحركات إنها صُدمت ممّا أسمته بـ"سوء نية الوفد الحكومي"، الذي جاء بـ"اتفاقية جاهزة للتوقيع عليها بإشراك جزء من الحركات المفبركة، وعدد قليل من الأفراد الانتهازيين التابعين للمجلس العسكري الانتقالي"، وفق البيان.

صورة

 

صورة

أمير قطر: الاتفاقية خطوة أولى 

وصفَ أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، اتفاقية الدوحة للسلام بأنها "خطوة أولى تمهّد الطريق أمام حوار للمصالحة الوطنية الشاملة في تشاد".

جاء ذلك خلال لقائه، في الديوان الأميري بالدوحة، مع كل من رئيس المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، محمد إدريس ديبي، وممثلين عن المعارضة، بمناسبة توقيعهم على اتفاقية الدوحة للسلام في تشاد، وأعرب آل ثاني عن "شكره للحكومة وأطراف المعارضة في تشاد على حرصهم على المصالحة وتغليب المصلحة الوطنية العامة".

وقال وزير خارجية قطر، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في تغريدة: "يأتي توقيع الأطراف التشادية على اتفاقية الدوحة للسلام، تحت رعاية دولة قطر، تمهيدًا لبدء انعقاد الحوار الوطني الشامل والسيادي في تشاد لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة"، وتابع: "نشكر كل من شارك في إنجاح هذا الاتفاق، ونأمل أن تؤدي إلى انخراط بقية الأطراف في حوار شامل للسلام".

 

 

خطوة منقوصة نحو السلام 

عن الاتفاقية ومستقبلها، استطلع "نون بوست" الإعلامي والسياسي التشادي المعروف جبرين أحمد عيسى، الذي علّق قائلًا: "بذلت الدوحة جهود مضنية خلال السنة الماضية من أجل تقريب وجهات النظر بين الفرقاء التشاديين، وتكلّلت هذه الجهود بموافقة جميع الفصائل التشادية المسلحة للمشاركة في مفاوضات الدوحة، خاصة الفصيل الأهم والأكبر حركة "فاكت"، وهي الحركة التي تسبّبت في مقتل الرئيس الراحل إدريس ديبي".

وأضاف عيسى قائلًا: "توقّع معظم المراقبين أن تكون المفاوضات ناجحة بسبب خبرة المستضيف القطري في المصالحات والمفاوضات، لكننا تفاجأنا كمراقبين بأن المجلس العسكري الانتقالي التشادي لم يكن جادًّا في المصالحة، خاصة بعد إرساله وفود وحركات سياسية وعسكرية هي حليفة له، ومعظمها موجودة في أراضي الوطن، ما أفقد التفاوض مصداقيته من البداية، وقد تنبّه الجانب القطري لهذه الخطوة من جانب المجلس العسكري الانتقالي، فتمَّ تأجيل المفاوضات عدة مرات".

ويستدرك الصحفي جبرين بقوله: "الاتفاق في عمومه خطوة نحو السلام، لكنها خطوة منقوصة وتنذر بفشل مؤتمر المصالحة العامة في تشاد، المقرَّر أن يُعقد في العاصمة إنجامينا خلال الشهر الجاري، والذي يبدو لي أنه في حكم الفاشل بسبب غياب الحركات الرئيسية للمعارضة المسلحة في تشاد". 

من جانبه، دوّن الباحث والكاتب التشادي، سعيد أبكر أحمد، على صفحته بمنصة تويتر قائلًا: "نشيدُ بالجهود القطرية في إحلال السلام واستضافة الفرقاء التشاديين زهاء 5 أشهر ونسأل الله أن يُنعم علينا بالوحدة ويجنبنا الحروب التي لطالما أنهكتنا وحرمتنا من التنمية والنهضة. نأملُ من المجلس العسكري الانتقالي أن يلبي مطالب الحركات التي لم توقع حتى نساهم جميعًا في بناء تشاد الحديثة".

 

 

أخيرًا، يمكن أن نخلص إلى أن هناك إجماعًا كاملًا على أن الصراعات والخلافات التشادية قديمة ومتجذّرة ومعقّدة، ولذلك يُنظر إلى ما جرى التوقيع عليه في الدوحة يوم الاثنين بأنه خطوة أولى حظيت بترحيب من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، يتوقع أن تمهِّد للحوار الوطني الشامل، وأن الأطراف التشادية -خاصة المجلس العسكري- بحاجة إلى تقديم تنازلات واضحة، لكي يتمّ البناء على ما تمَّ التوصل إليه في اتفاق الدوحة، بعدما تمكّنت الدبلوماسية القطرية من تحقيق هذا الاختراق، كما نجحت من قبل في العديد من الملفات الساخنة إقليميًّا ودوليًّا، لتصبح الدوحة مركزًا لحلّ الصراعات والنزاعات عبر "دبلوماسية الوساطة".