أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المغربي أحمد الريسوني الداعية للجهاد في تندوف الجزائرية، استهجانًا وغضبًا من مختلف التنظيمات والأحزاب السياسية بما فيها الإسلامية المنتمية إلى الفكر نفسه، داعية إلى طرده من المنصب الذي يشغله، وهو الغضب نفسه الذي تردد في موريتانيا التي لم تسلم هي الأخرى من ادعاءات الداعية المغربي.

وإن كان الشارع الجزائري لم يتفاجأ بهذه الخطوة، بالنظر إلى أن حزب العدالة والتنمية المحسوب هو الآخر على فكر الإخوان المسلمين وكانت تربطه علاقات متينة بنظرائه في الجزائر وقع عبر رئيسه رئيس الوزراء السابق سعد الدين العثماني على اتفاقية التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، التي بينت الأيام أنها تستهدف الجزائر بسبب موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، وفق ما صرح به مؤخرًا الأمير المغربي هشام العلوي.

فكر استعماري؟

قال الرسيوني في مقابلة مع قناة "بلانكا تي في" الإلكترونية: "ما أومن به قطعًا هو أن الصحراء الغربية وموريتانيا تابعتان للمملكة المغربية، وأن قضية الصحراء صناعة استعمارية".

وزعم الرسيوني أن "العلماء والدعاة والشعب المغربي على استعداد للمشاركة والتعبئة في مسيرة شبيهة بـ"المسيرة الخضراء" بالملايين لـ"الإقامة في الصحراء الغربية وفي تندوف (ولاية جزائرية)، من أجل قطع آمال من يفكرون في فصل الصحراء عن المغرب (في إشارة إلى الجزائر)، إذا دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الجهاد"، واعتبر الرسيوني أن "اعتراف المغرب باستقلال موريتانيا كان خطأ"، بالنظر إلى أن "علماءها بايعوا العرش المغربي أيضًا" على حد تعبيره.

الفكر الذي جاء في تصريحات الرسيوني الذي لم يلتزم بالقبعة التنظيمية التي يحملها ليس جديدًا في المغرب، بالنظر إلى دعوة أحزاب وشخصيات دينية في أكثر من مرة إلى احتلال مناطق من الغرب الجزائري بزعم أنها تتبع المغرب، فقد سبق لحميد شباط زعيم حزب الاستقلال المغربي أن دعا في 2013 سكان المغرب لاسترجاع ما أسماه "الأقاليم المغتصبة من الجزائر مثل مدينة تندوف وبشار والقنادسة"، وهي مناطق واقعة في الجنوب الغربي الجزائري.

وفي أكثر من مرة عبر مسؤولون وسياسيون جزائريون أن الخلاف بين بلادهم والنظام في المغرب هو مبدأي في الأساس يتمثل في فكر تحرري بنيت عليه الدولة الجزائرية التي تناصر الفلسطينيين لإقامة دولتهم وعاصمتها القدس الشريف، وكذا تقرير المصير في الصحراء الغربية، وفكر "استعماري" يحتل - وفق الموقف الجزائري - الصحراء الغربية المتنازع عليها أمميًا مع جبهة البوليساريو.

وسبق للجزائر أن تخوفت من ارتفاع هذه النزعة الاستعمارية في جارتها الغربية بعد اتفاق الرباط مع الاحتلال الإسرائيلي وعقد معه صفقات تسلح بحثًا عن التفوق العسكري في المنطقة.

ويتناقض سماح الحكومة المغربية بصدور تصريحات مستفزة ضد جارتيها الجزائر وموريتانيا مع ما جاء على لسان العاهل المغربي محمد السادس نهاية الشهر الماضي في خطابه السنوي بمناسبة الذكرى الـ23 لجلوسه على العرش، حينما قال إن بلاده حريصة على تعزيز التقارب والتفاهم بين الشعبين، و"لن نسمح لأحد بالإساءة إلى أشقائنا في الجزائر".

ورفعت شخصيات سياسية ودينية وإعلامية في المغرب من حجم تهجمها على الجزائر في الأيام الأخيرة بعد بدء الجزائر استغلال منجم الحديد بغار جبيلات بتندوف، الذي يتوقع أن يوفر مداخيل للجزائر تقدر بأكثر من 10 مليارات دولار سنوي بعد دخول مراحل الاستغلال الكاملة، وذلك بحجة عدم الالتزام باتفاق ثنائي وقع في 1972 بين البلدين، لكن مصدرًا دبلوماسيًا جزائريًا أكد أن الاتفاق سقط لأسباب قانونية وسياسية.

غضب جزائري

وكما بدأنا تقريرنا، فقد أثارت تصريحات الريسوني استنكارًا واسعًا من الجزائريين، وفي مقدمتهم الأحزاب والشخصيات المنتمية إلى التيار الإسلامي، بالنظر إلى أن هذا التصريح جاء من تكتل دولي تنتمي إليه هذه التشكيلات السياسية أو بعض أعضائها.

وفي هذا الصدد، قال رئيس حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي في الجزائر) عبد الرزاق مقري إن حركته تابعت "بكل استغراب ودهشة الخرجة الإعلامية للريسوني"، مضيفًا أن الأخير "يتحمل مسؤولية تبعات تصريحه هذا، ضمن الظروف الدولية والإقليمية المتوترة التي لا تتحمل مثل هذه الخرجات التي تلهب نيران الفتنة".

وتابع مقري "كان الأولى بالريسوني أن يدعو إلى مسيرات حاشدة في مختلف مدن المغرب ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكسر التحالف الإستراتيجي بين بلاده وهذا الكيان المحتل لفلسطين، لا سيما أن حزبه هو أحد عرابي هذا التطبيع، وكان أمينه العام هو الموقع عليه رسميًا"، وأردف "بدلًا من الدعوة إلى الفتنة وسفك الدماء بين المسلمين كان الأولى له أن يدعو إلى الجهاد بالمال والنفس من أجل تحرير سبتة ومليلة المغربيتين".

وأوضح مقري أنه "وفي الوقت الذي يجهر فيه الريسوني بعدوانه اللفظي على موريتانيا الشقيقة، فيؤكد أن المغرب اعترف بالحدود بين البلدين المغربي والموريتاني، يجهل (أو يتجاهل) أن حدود الجزائر البرية مع المملكة المغربية الشقيقة تم ترسيمها بشكل نهائي بموجب اتفاقية ثنائية وقع عليها الجانبان بتاريخ 15 يونيو/حزيران 1972م، وصادق عليها مجلس النواب المغربي، وتم تبادل وثائق التصديق بين وزيري خارجية البلدين يوم 14 مايو/أيار 1989م".

وبالنسبة لأكبر حزب معارض في الجزائر، فإن التصريحات الصادرة عن الريسوني تصنف ضمن "حالة الإفلاس التي وصلت إليها بعض النخب المغربية، ومنها بعض النخب الإسلامية، وهي مؤشر خطير على سلامة واستقرار المنطقة، التي تطورت من خلال تصريح الريسوني، بعد أن جعلوا المغرب منصة يستعملها الصهاينة لتهديد الجزائر، إلى التصريح الواضح بالأطماع التوسعية على سيادة الدولة الجزائرية ووحدة ترابها".

وصنف المرشح الرئاسي السابق عبد القادر بن قرينة الذي يرأس حركة البناء الوطني التي تنتمي هي الأخرى إلى فكر جماعة الإخوان المسلمين تصريحات الريسوني ضمن "المثيرة للفتن بين الشعوب"، وبيّن بن قرينة أن هذه التصريحات "صدمت مشاعر الجزائريين، وكثيرًا من شعوب المنطقة المغاربية كالموريتانيين والصحراويين، بخطابه المتعالي وأسلوبه الاستهتاري المثير وغير المسؤول والمتطاول على سيادة الدول وكرامة شعوبها، لا سيما عندما يوظف مصطلح الجهاد للدخول إلى أراض جزائرية بولاية تندوف حررها شهداء ثورة المليون ونصف المليون بدمائهم الزكية، وعدم اعترافه بسيادة دولة موريتانيا، مستغلًا ادعائه رفضه العلاقة بين المغرب والنظام الغاصب لأرض فلسطين ليرفع نداء الجهاد ضد سيادة دول إرضاءً وتملقًا لنظام المخزن التوسعي".

وتابع بن قرينة "أصبح يقينًا لدينا أن ترؤس مثل هذه الشخصية للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سوف يضرب بمصداقيتها عندنا، وعليه ينبغي لعلمائنا أن يُبعدوا عن مؤسستهم مثل هذه الشخصيات التي لا تقدر معنى الكلمة ولا مسؤوليتها في إثارة الفتن"، وكشف بن قرينة أن "حركة البناء تلقت عددًا من الاتصالات من علماء أعضاء بالاتحاد يؤكدون بأنهم سوف يكون لهم موقف من هذا التجاوز الفردي والجماعي". 

وقالت حركة البناء الوطني التي كانت تمثل تيار الإخوان المسلمين في الجزائر: "الاعتداء المتكرر من رموز مغاربة على السيادة والوحدة الترابية للجزائر متنوع ومتكرر بشكله الرسمي وبشكله العلمائي، مع سكوت مطبق من طرف نظام المخزن، الأمر الذي يؤكد الطبيعة الاستعمارية والتوسعية المغربية التي لا تحترم أي مواثيق ولا قوانين دولية ولا حسن الجوار".

استنكار في موريتانيا

لا تختلف حالة الغضب التي تعيشها الجزائر بسبب تصريحات الريسوني عن تلك التي عبرت عنها مختلف الأطياف السياسية والشعبية في نواكشوط، فقد أدان الفريق البرلماني للصداقة الموريتانية المغربية في الجمعية الوطنية (البرلمان الموريتاني) تصريحات الريسوني بشأن موريتانيا، معتبرًا إياها "موغلة في الإساءة".

وقال الفريق البرلماني إن تصريحات الريسوني "خارجة عن سياق الاحترام وتوطيد العلاقات بين البلدين شعبيًا ورسميًا، وتتنكر لأبسط قيم الأخوة والجوار وأبجديات الدبلوماسية وخطاب المهابة والوقار الذي يجمع ولا يفرق".

ما بعث مزيدًا من التخوف في موريتانيا أن هذه التصريحات تتوافق مع تصرفات سابقة للجيش المغربي الذي استهدف السيادة الترابية لنواكشوط

واستنكر هذا التكتل البرلماني "تلك الإساءة البالغة لعلاقات البلدين"، مطالبين الريسوني بالاعتذار للشعب الموريتاني عن الإساءة له وللجهود الرسمية والشعبية الماضية بعلاقات الأشقاء إلى ذروة الإيجابية والتعاون الثنائي والإقليمي.

وقال الشيخ ولد سيدي عبد الله الذي يشغل منصب مكلف بمهمة في وزارة الثقافة: "على المغرب الرسمي اتخاذ موقف من هذا التصريح المستفز مثلما فعل مع تصريحات حميد شباط السابقة، وعلى اتحاد علماء المسلمين الاعتذار لموريتانيا عن تصريحات الريسوني واتخاذ إجراء تأديبي عاجل ضده"، واعتبر سيدي عبد الله تصريحات الريسوني "اعتداءً سافرًا على سيادة دولة وعضو فاعل في أغلب الهيئات الإسلامية العالمية".

وكشف الباحث في الفكر الإسلامي محمد علي إسلم أن هذه "ليست هي الإساءة الأولى التي تصدر من الريسوني تجاه موريتانيا كدولة وشعب وعلماء، لكنها الأحدث".

وما بعث مزيدًا من التخوف في موريتانيا أن هذه التصريحات تتوافق مع تصرفات سابقة للجيش المغربي الذي استهدف السيادة الترابية لنواكشوط، ففي 10 أبريل/نيسان الماضي نفذ سلاح الجو المغربي 8 ضربات جوية استهدفت تجمعًا للشاحنات والتجار في منطقة عين بن تيلي أقصى شمال موريتانيا، وفق ما نقل موقع "مينا ديفانس".

وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، أعلن الجيش الموريتاني أن إحدى دورياته تعرضت لإطلاق نار، بعد أن اقتربت بالخطأ من موقع دفاعي للقوات المغربية، حين كانت الدورية تطارد مجموعة من المهربين في المنطقة الحدودية قرب بلدة إنال، وأضاف أن القوات المغربية اعتبرت الدورية الموريتانية هدفًا معاديًا، ليرد الجنود الموريتانيون على إطلاق النار وفق قواعد الاشتباك، قبل أن يتم التعارف ويُفَضَّ الاشتباك.

وتسبب القصف المغربي وقتها في جفاء دبلوماسي بين البلدين استمر حتى اليوم، فلم يقم الملك المغربي بالزيارة التي وعد بتأديتها إلى موريتانيا، كما يرفض الرؤساء المتعاقبون في نواكشوط زيارة الرباط بدءًا من محمد ولد عبد العزيز وصولًا إلى الرئيس الحاليّ محمد ولد الشيخ الغزواني.

اتحاد علماء المسلمين يتنصل

حتى كتابة هذه الأسطر، لم تصدر السلطات في الجزائر وموريتانيا أي تعليق رسمي. وفي العادة لا تتسرع الدبلوماسية الجزائرية في الرد على التصريحات المستفزة للرباط، بالنظر إلى أنها تعتبرها في الغالب "لا حدث" مثلما تم التعامل مع خطاب محمد السادس الأخير، لأنها تصنف جل هذه التصريحات ضمن الدعاية المغربية المعتادة التي أخذت وتيرة متصاعدة بعد استئناف التطبيع الدبلوماسي مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانًا باسم أمينه العام الأستاذ علي محيي الدين القره داغي بعنوان "توضيح حول المقابلة التليفزيونية للشيخ أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - (الصحراء المتنازع عليها)"، وهو ما قد يُفسّر على أن الاتحاد حصر المشكلة في قضية الصحراء الغربية، في حين أن الجزائريين يرون أن الأمر يتعلق بتحريض رئيس الاتحاد لهجوم مسلح بتوصيف "الجهاد" ضد بلد مسلم متمثل في الجزائر، وكذا محاولة سلب سيادة البلد الثاني موريتانيا.

وقال التوضيح: "دستور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ينص على أن الرأي الذي يسند إلى الاتحاد هو الرأي الذي يتم التوافق والتوقيع عليه من الرئيس والأمين العام بعد المشورة، ثم يصدر باسم الاتحاد، وبناءً على هذا المبدأ فإن المقابلات أو المقالات لسماحة الرئيس أو الأمين العام تعبر عن رأي قائلها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد"ّ.

وتابع الاتحاد "ما تفضل به الريسوني في هذه المقابلة أو في غيرها حول الصحراء هذا رأيه الخاص قبل الرئاسة، وله الحق في أن يعبر عن رأيه الشخصي مع كامل الاحترام والتقدير له ولغيره، ولكنه ليس رأي الاتحاد".

من المؤكد أن تصريح الريسوني رغم الغضب الذي أحدثه لم يشكل جديدًا للجزائريين لأنه ما كان إلا القناة التي فضل النظام المغربي التعبير عبرها عن عدم تحمسه لتلطيف الأجواء بين البلدين في رسالة يبعثها لجاره الشرقي، قبل أيام من مرور السنة الأولى على قرار الجزائر المتعلق بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط، التي كان سببها الخطاب المغربي المستهدف لوحدة الجزائر واستقلالها.