عاشت الجزائر هذه الأيام مأساة حقيقية، بعد أن أودت الحرائق التي نشبت بغابات عدة ولايات شرقي البلاد بحياة أكثر من 30 شخصًا، في صورة مماثلة لتلك التي عاشتها منطقة القبائل وسط البلاد قبل عام، ومعها تجدد التساؤل إن كانت هذه الفاجعة نتاج فعل إجرامي أم هي نهاية منتظرة لفشل حكومي يتكرر كل عام بشأن التعامل مع المخاطر الكبرى، وفي مقدمتها الحرائق؟

وإن تم في الساعات الأخيرة السيطرة على أغلب الحرائق وإخمادها، إلا أن النيران المشتعلة في قلوب عائلات الضحايا وجميع الجزائريين تبقى ملتهبة، وتنطق بلسان واحد عنوانه لماذا تتكرر هذه الحرائق؟ ومن يقف وراءها؟

مأساة

أعلنت الحماية المدنية الجزائرية الجمعة إخماد جميع الحرائق المندلعة في البلاد، خاصة تلك التي نشبت بالولايات الشرقية بالطارف وسوق أرهاس وسطيف وقسنطينة، لكن حالة السيطرة لم تدم طويلًا، فقد عادت النيران للاشتعال ليلة الجمعة إلى السبت في بعض البؤر بولاية الطارف، وهو ما يعني برأي المختصين ضرورة التزام الحيطة والحذر مخافة وقوع المأساة من جديد.

وقال المدير الفرعي للإحصاءات والإعلام بالمديرية العامة للحماية المدنية الجزائرية العقيد عاشور فاروق لوكالة الأنباء الجزائرية إنه تم إخماد جميع الحرائق التي اندلعت مؤخرًا في عدة ولايات شمال البلاد، بفضل التحكم التام في 73 بؤرة حريق خلال الساعات الـ24 الأخيرة.

وأضاف عاشور "تم إخماد 26 بؤرة حريق بولاية الطارف و18 بؤرة في سوق أهراس و4 بؤر في تيزي وزو و4 بؤر في سكيكدة و4 في تيبازة و4 في قالمة و4 في قسنطينة و2 في سطيف و2 في بجاية وبؤرة في جيجل وبؤرة في تبسة وبؤرة في الشلف وبؤرة في بليدة و بؤرة في تلمسان"، لافتًا إلى أنه تبقى بؤرة واحدة في ولاية سكيكدة تم التحكم فيها، وهي "تحت المراقبة".

رغم إخماد الحرائق، فإن الولايات المتضررة، بل البلاد كلها لا تزال تحت الصدمة

وأعلنت مصالح الدرك الوطني أن حركة المرور عادت إلى طبيعتها بالطريق الوطني رقم 84 أ الرابط بين بلديتي القالة والشط بالضبط على مستوى قرية المالحة ببلدية القالة بولاية الطارف الحدودية مع تونس.

وتشير آخر حصيلة رسمية إلى وفاة 37 شخصًا وإصابة 183 آخرين، إذ سجلت ولاية الطارف وفاة 30 شخصًا، بينما سجلت ولاية سوق أهراس 5 وفيات وشهدت ولاية سطيف وفاة شخصين متأثرين بحروق بليغة.

ولا تستبعد مصادر غير رسمية أن تكون الحصيلة أثقل، بالنظر إلى احتمال وجود جثث متفحمة، خاصة في ولايتي الطارف وسوق أهراس التي أتت النيران فيهما على الأخضر واليابس والحيوان والإنسان.

وأتلفت النيران 10 آلاف هكتار من حديقة القالة الوطنية التي تصنفها منظمة اليونسكو محمية طبيعية، وتعد أحد الخزانات الرئيسية للتنوع البيولوجي في حوض البحر المتوسط، وتناهز مساحتها الإجمالية 80 ألف هكتار.

ورغم إخماد الحرائق، فإن الولايات المتضررة، بل البلاد كلها لا تزال تحت الصدمة، فقد أظهرت الفيديوهات التي تم تداولها على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي أشخاصًا يستغيثون ويفرون من الحرائق دون أن تصلهم إمدادات النجدة في الوقت المناسب.

كما أظهرت الصور حيوانات متفحمة وبيوتًا ومحاصيل زراعية وأشجارًا تحولت إلى رماد خلال ساعات فقط، بفعل الحرائق التي زادت الرياح العاتية التي عرفتها تلك المنطقة من صعوبة التغلب عليها في كل مناطق الولايات المعنية التي تحولت إلى هشيم يسهل حرقه.

وتحدثت تقارير عن حصول فواجع لا تصدق، منها احتراق ستة أشخاص كانوا داخل حافلة حاصرتها النيران بالطارف، ووفاة عائلة مكونة من 5 أشخاص بسوق أهراس، كما ترددت أنباء عن محاصرة النيران لأطفال كشافة كانوا في تخييم بغابات الطارف، لكن هذا الخبر الأخير لم يتم تأكيده، ويظهر أنه مجرد تهويل.

فشل حكومي

حمّل أغلب الجزائريين ما حدث بالطارف وباقي الولايات الشرقية من حرائق ومآس المسؤولية للحكومة المتهمة بعدم الجدية في اتخاذ وسائل وقائية والتصدي للحرائق بالشكل اللازم، رغم الفاجعة والتجربة التي عاشتها البلاد العام الماضي، فقد كان صيف 2021 الأكثر تسجيلًا لعدد القتلى، بعد أن لقي 90 شخصًا على الأقل حتفهم إثر حرائق غابات ضربت شمال البلاد وأتت على أكثر من 100 ألف هكتار من الغابات، وبالخصوص في منطقة القبائل.

وتمثل الانتقاد الكبير للحكومة في افتقار البلد النفطي لطائرات إطفاء الحرائق والاكتفاء باستئجار طائرة واحدة من روسيا، التي تعطلت قبل 3 أيام من اندلاع النيران بغابات الطارف وسوق أهراس، وفق ما نقله التليفزيون الحكومي عن وزير الداخلية كمال بلجود الذي أصبح المتهم الأول بالتقاعس عن التصدي لهذه الحرائق.

تضع الحكومة قبل بداية كل صيف مخططًا للوقاية ومكافحة الحرائق، باعتبار الحريق من المخاطر الكبرى العشر المصنفة من المشرع الجزائري

ولا يستبعد أن يُقال بلجود في التعديل الحكومي المرتقب أن يجريه الرئيس عبد المجيد تبون في الأيام القادمة، بالنظر إلى تكرر هذه الفاجعة مرتين في عهده، وكانت الحكومة قد وعدت في منتصف مايو/أيار الماضي باستئجار ست طائرات إطفاء هذا الصيف، لكن في الأخير لم تتمكن من الوفاء بهذا الوعد، واكتفت بالطائرة الروسية فقط، بعدما لم يلق الطلب الجزائري الرد من دول أخرى، خاصة بعد إلغاء صفقة استئجار طائرات من إسبانيا بسبب الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين البلدين في أبريل/نيسان الماضي، كما لم يتحقق طلبًا تقدم به الرئيس تبون لشركة أمريكية لتزويد الجزائر بطائرات إطفاء سواء باستئجارها أم اقتنائها.

وكانت الحكومة عبر وزارة الدفاع قد عقدت في صيف 2021 صفقة اقتناء أربع طائرات برمائية قاذفة للمياه متعددة المهام جديدة، من صنع روسي نوع (BE-200) BERIEV-200، ذات محركات مزدوجة قدرتها الاستيعابية (13000) لتر، إلا أن تصنيع هذه الطائرات كما هو معروف يتطلب وقتًا، وقال وزير الداخلية كمال بلجود في هذا الشأن: "من المتوقع استلام الطائرة الأولى بالجزائر في نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل، بينما ستصل الطائرات الثلاثة المتبقية خلال الربع الأول من العام 2023".

وتضع الحكومة قبل بداية كل صيف مخططًا للوقاية ومكافحة الحرائق، باعتبار الحريق من المخاطر الكبرى العشر المصنفة من المشرع الجزائري، غير أن فعالية هذا المخطط تكون في بعض الأحيان غير ناجعة.

وللتقليل من غضب الشارع جراء هذه الحرائق، كان الرئيس تبون أول المعزين لعائلات الضحايا، كما أرسل الوزير الأول وعدد من الوزراء إلى ولاية الطارف للوقوف على حجم الضرر التي أحدثته هذه النيران هناك.

تحقيق

رغم أن الحرائق أصبحت ظاهرة بيئية عالمية في السنوات الأخيرة جراء التغير المناخي بسبب الاحتباس الحراري، فإن السلطات الجزائرية لا تستبعد أن تكون بعض الحرائق بفعل فاعل، بالنظر إلى نشوبها في وقت واحد في جميع المناطق والولايات.

وقالت قيادة الدرك الوطني الجزائري: "تم إرسال فريق من الخبراء التابعين لملحق المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام للدرك الوطني من أجل إجراء المعاينات اللازمة، حيث قامت في البداية بعمليات التعرف على الجثث عن طريق أخذ العينات البيولوجية ومقارنتها مع أهالي الضحايا ثم إرسال هذه العينات إلى المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام".

وقال وزير الداخلية كمال بلجود إن الطقس الذي عاشته المنطقة الثلاثاء الماضي ساهم في اشتعال الحرائق، لكن من المؤكد أن بعضها مفتعلة، كما أعلنت وزارة العدل الجزائرية أنها فتحت تحقيقات قضائية بخصوص الحرائق التي مست بعض ولايات الجزائر.

تجنب هذه الفاجعة المتكررة كل عام بشكل فعال ومجد لن يكون إلا بتوفير طائرات الإطفاء ومختلف التجهيزات اللازمة القادرة على احتواء أي حريق

وجاء في بيان للوزارة "على إثر الحرائق التي مست بعض ولايات الوطن التي أدت إلى وقوع العديد من الوفيات وإتلاف المساحات الغابية والبنايات، أمرت نيابات الجمهورية المختصة بفتح تحقيقات قضائية ضد مجهولين بشأن هذه الوقائع للتأكد من مصدرها إن كان إجراميًا وتحديد الفاعلين عند الاقتضاء، قصد متابعتهم قضائيًا بالصرامة التي تقتضيها خطورة هذه الأفعال وطبقًا لقوانين الجمهورية".

بدوره أعلن وكيل الجمهورية لدى محكمة سوق أهراس أن "التحقيقات القضائية الجارية عن حرائق الغابات بدائرة الاختصاص أفضت إلى توقيف مشتبه فيه بإضرام النار داخل الغابة المحاذية لحي 400 مسكن، حيث تبين بعد تفتيشه من طرف مصالح الأمن أنه كان يحمل ثلاث ولاعات. يتعلق الأمر بالمدعو (ق. س) البالغ من العمر 29 سنة، مسبوق قضائيًا".

وأضاف "بتاريخ اليوم تم تقديم المعني أمام النيابة وفتح ضده تحقيق قضائي وضد كل من يكشف عنه التحقيق لجنايات وضع النار عمدًا في الغابات، الحريق العمدي المؤدي لوفاة أشخاص وإحداث جروح وعاهات مستديمة، الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بالمواد 396، 396 مكرر و399 من قانون العقوبات".

والعام الماضي أوقفت مصالح الأمن عشرات الأشخاص المتهمين بإشعال الحرائق بمنطقة القبائل وقتل الشاب جمال بن إسماعيل، وهي القضية التي ينتظر أن تنطلق محاكماتها خلال الأشهر القادمة مع افتتاح السنة القضائية الجديدة.

من المؤكد أن محاكمة المتسببين في هذه الحرائق إن وجدوا من الأولويات التي يجب أن تقوم بها السلطات لردع كل من تسول له نفسه إعادة ارتكاب هذا الجرم، إلا أن تجنب هذه الفاجعة المتكررة كل عام بشكل فعال ومجد لن يكون إلا بتوفير طائرات الإطفاء ومختلف التجهيزات اللازمة القادرة على احتواء أي حريق في أقل قدر ممكن من الوقت.