إلى أيّ مصير ستقود العراقيين سياسة لَيّ الأذرع بين التيار الصدري والإطار التنسيقي؟ هذا السؤال يشكّل أولوية كبيرة لجمهور ثالث غير جمهور الطرفَين المتخاصمَين، في وقت لا تزال القوى السياسية عاجزة عن إيجاد مخرج للأزمة العراقية الراهنة، والخروج باتفاق يخفف حدة التوتر، أو يحلّ عُقَد انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة للبلاد، وعند ذلك تقف الأزمة في مفترق طرق، ويقف معها العراقيون حائرين تائهين في صراعات المتنفّذين الباحثين عن مزيد من مطامع السلطة والنفوذ. 

عقب كل تصريح أو موقف سياسي يستعر جمر التصعيد بين التيار والإطار، فمنذ أواخر يوليو/ تموز الماضي والطرفان يتراشقان نيران الخصام وانتهاج سياسة الضغط في الشارع وفي التصريحات، وينفّذ مناصرو الصدر منذ 30 يوليو/ تموز اعتصامًا في باحات البرلمان، بينما يقيم مناصرو الإطار التنسيقي اعتصامًا مضادًّا على أسوار المنطقة المحصنة.

الصدريون من جهة يطالبون بحلّ البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، والإطاريون في الجهة المقابلة يسعون إلى تشكيل حكومة وعودة انعقاد البرلمان قبل تنفيذ مطالب الصدر.

الحل يكاد يكون مستحيلًا في نطاق الدستور، بعد سلسلة من الخروقات القانونية لفترة ما بعد الانتخابات المبكرة التي أُجريت العام الماضي، ولا مؤشرات كذلك على انفراجة سياسية أو حتى وجود نتائج سريعة لجولات المباحثات المكوكية التي تحاول ردم الهوّة الساحقة التي تفصل بين الغرماء، رغم تدخُّل عديد من الشخصيات السياسية واتخاذها موقفًا وسيطًا على خط المناوشات بينهم.

يعود كل هذا الانسداد إلى تراكمات خلافية وجمود في القناعات وانقسام وتشظٍّ تشهده العملية السياسية منذ شهور، وكنتيجة طبيعية لذلك يزداد الغضب عند العراقيين بسبب تعطُّل مصالحهم وازدياد ظروفهم الاقتصادية سوءًا، إذ لا يعوّل كثير منهم على نتائج حوارات القوى السياسية التي يقولون إنها "تعقَد من أجل توزيع الغنائم بينهم"، وغالبًا ما تخرج بتكرار الفكرة ذاتها، المرة تلو الأخرى، وبلا كلل، عبر بيانات إنشائية تفيض بالشعارات الهلامية، كما هي الأزمة المتشابكة خيوطها تمامًا.

تلتهمُ نار الغضب الصدري المؤسسات الحكومية وتخرجها عن الخدمة، بعد اعتصامات طويلة أمام البرلمان ومناورة سريعة أمام القضاء، بحثًا عن حل يلبّي مطالبه.

يتبع الصدريون في معركتهم مع الإطاريين سياسة النَّفَس الطويل، عبر الاحتجاج والضغط الجماهيري لتحقيق ما يريدونه، إذ يحاولون تغيير قواعد اللعبة باعتصامهم وشروطهم قبل أي لقاء يمهّد لتفاوض بين التيار وخصومه، ويقابلهم الإطار بعناد وشروط مضادة كذلك.

لكنّ طرفَي النزاع متهمان بتجاهل أزمات مجتمعية متفاقمة وحاجات شعبية ماسّة، لم يعد مجديًا مواجهتها بشعارات انتهى مفعولها، حيث إهمال المطالب المجتمعية هذا قد يكرر انفجارًا شعبيًّا آخر، شبيهًا بالذي حدث في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، حينما اندلعت واحدة من أكبر الثورات الاحتجاجية في العراق.

تلتهم نار الغضب الصدري المؤسسات الحكومية وتخرجها عن الخدمة، بعد اعتصامات طويلة أمام البرلمان ومناورة سريعة أمام القضاء، بحثًا عن حلٍّ يلبّي مطالبه، رغم حصر الدستور العراقي حل البرلمان في المادة 64 منه، والتي تنصّ على أن الحل يتمّ "بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلب من ثلث أعضائه، أو طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية".

في 14 أغسطس/ آب الحالي، أعلنت أعلى سلطة قضائية في العراق أنها لا تملك صلاحية حلّ مجلس النواب، بعدما طالب الصدر بذلك خلال مدة محدَّدة، وعقب انتهاء مهلة الصدر من المقرر أن تبتَّ المحكمة الاتحادية بالأمر في 30 أغسطس/ آب، لكنها منحت -بتأجيلها البتّ في قضية حل البرلمان- الأطراف المتخاصمة فرصة للحوار، استثمرها التيار بتصعيد غير مألوف للتأثير في المعادلة القائمة، عبر فتحه جبهة مواجهة جديدة مع القضاء، تبدو نتائجها في ساعاتها الأولى قرارًا صدريًّا متسرّعًا، من خلال توسيع رقعة الاعتصام والاحتجاج.

وبدأت خطوة استفزازية في حرب استنزافية ينتصر فيها صاحب النَّفَس الطويل، لا سيما أن خصوم الصدر الذين يتحدثون عن "تمرد" على مؤسسة لا تستمد شرعيتها بشكل مباشر من الشارع، بل من الدستور والقانون، والاعتراض عليها يكون أيضًا وفق القانون وبعيدًا عن الضغط الجماهيري.

يصعب التكهُّن فيما إذا كان ممكنًا أن يقود غضب تيار الصدر على النظام السياسي إلى حل قريب، إذ تبدو المعركة معارك على جبهات عديدة، ومن يتراجع أولًا سيتوارى إلى الأبد.

في العراق، يحتضر النظام السياسي الذي أُسِّس بعد عام 2003، وهو أقل ما يمكن توصيفه للمشهد الراهن، إذ هشّم فساد الأحزاب بنيته، وأوصلته سنوات من الفشل الإداري إلى حافة الانهيار، الحديث عن موت النظام أذكته تسجيلات مسرّبة أثبتت ما كان يقوله العراقيون الناقمون مرارًا عن "نظام زبائني" مبني على التقاسم والمحاصصة والفساد، لن يؤمِّن بالتأكيد لهم يومًا حياة كريمة، ومع كل ذلك تقابل النخب الحاكمة المطالب الشعبية بحلول عشوائية بعيدًا عن المعالجات الجذرية.

في العراق أيضًا تحقَّق المطالب الشعبية بنتائج عكسية، إذ جاءت انتخابات العام الماضي التي نادى بها جمهور ثالث، أملًا بتغيير حكومة عادل عبد المهدي المتهمة بقتل المتظاهرين السلميين آنذاك، وإجراء اقتراح يعطي مساحة للقوى الناشئة في المشاركة السياسية، ويوفر استقرارًا سياسيًّا واقتصاديًّا للبلاد، وإجراء إصلاحات حقيقية عبر المؤسسات الدستورية، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، وعلى خلاف ما يريده الجمهور الثالث.

فراغٌ في كل شيء، ومن يملأه أولًا ينتصر أخيرًا، برلمان معطَّل ومحتجون يحاصرونه، وحكومة تصرِّف أعمال اليوم فحسب، ورئيس جمهورية منتهية ولايته، وقضاء يعلِّق أعماله احتجاجًا على خطوة الصدريين التصعيدية ضده، محمّلًا إياهم "المسؤولية القانونية إزاء النتائج المترتبة عنها".

في المحصلة، يصعب التكهُّن فيما إذا كان ممكنًا أن يقود غضب تيار الصدر على النظام السياسي إلى حل قريب، إذ تبدو المعركة معارك على جبهات عديدة، ومن يتراجع أولًا سيتوارى إلى الأبد.