سكان مخيم الروج شمال سوريا

سكان مخيم الروج شمال سوريا

ترجمة حفصة جودة

كان من المفترض أن يكون علي من ضمن المواطنين الفرنسيين القليلين الذين سيعودون من سوريا إلى فرنسا هذا الصيف، لكن هذا الصبي الفرنسي ذا الـ6 سنوات تُرك في مخيم الروج، ذلك السجن المفتوح شمال شرق سوريا.

يجلس علي في خيمة، ينظر مرعوبًا إلى سيدة تونسية - أحد أفراد داعش السابقين - التي عهدت إليها السلطات الكردية بإدارة المخيم.

فقد الطفل أمه وأشقاءه وشقيقاته في قرية الباغوز الشرقية في أثناء العملية التي امتدت لأسابيع بقيادة التحالف الدولي ضد داعش، لاستعادة آخر منطقة تديرها الجماعة المتطرفة، لم ينج إلا والد علي - أحد أفراد داعش المشتبه بهم -، ومنذ ذلك الحين يقبع في سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية.

يرفض علي التحدث بالفرنسية، لكن يبدو أنه يفهمها عندما يُسأل أسئلة بسيطة، لكنه ما زال صامتًا ويحرك أصابعه في توتر، تقول السيدة الداعشية السابقة - التي ترتدي نقابًا أسود وقفازات في يديها - إنها ترعى علي كما لو أنه أحد أبنائها، لكن علي يبدو تائهًا.

تمكن أقاربه في فرنسا من تحديد موقعه قبل عدة أسابيع، بعد عملية بحث شاقة وطويلة اعتقدوا خلالها أنه لم ينج أيضًا، بمجرد العثور عليه أبلغوا وزارة الخارجية الفرنسية التي وضعت اسمه ضمن قائمة المواطنين الذين ستعيدهم إلى البلاد في يوليو/تموز.

يعيش نحو 60 ألف طفل وامرأة في مخيمين كبيرين يديرهما الأكراد وهما "الروج" و"الهول" في منطقة الحسكة السورية

لكن عندما سافر المسؤولون الفرنسيون إلى مخيم الروج، رفضت السيدة التونسية تسليمه، لأسباب لم تكن واضحة، وبالفعل امتثلت السلطات الفرنسية لها ولم يعد الصبي إلى عائلته.

لماذا؟

يعج المخيم بالحياة كل يوم قبل الظهر بقليل، يرتدي الأطفال حقائب الظهر، بعضها مزين بصور الأبطال الخارقين، ويذهبون إلى المدرسة التي تقع في مبنى جاهز قدمته منظمة "انقذوا الأطفال".

يلعب الأطفال في ملعب صغير وزوجين من الأراجيح المعدنية فقط، هؤلاء الأطفال أعمارهم غالبًا أقل من 10 سنوات، وقد قضوا وقتًا في المخيم أكثر مما قضوه في قلب الدولة الإسلامية.

تضحك فتاة فرنسية ترتدي فستانًا مزهرًا وهي تشير إلى خيمة بيضاء وتقول: "أتعلم، غدًا سأذهب إلى فرنسا، هنا منزلي أعيش فيه مع أمي".

لكن الفتاة وأمها لم يغادرا، ما زالت هنا مع أصدقائها يتجولون بين الخيام في النهارات المغبرة، بينما يركب بعض الأطفال دراجاتهم التي اشتروها بأموال أرسلتها عائلاتهم، يقول رشيد عفرين الرئيس الكردي للمخيم: "تستلم بعض السيدات الفرنسيات أموالًا من عائلاتهن، هذه الأموال تمنحهن حياة أفضل وتسهل قليلًا من معاناتهن".

"يجب أن تستعيد كل دولة نساءها وأطفالها، فهنا لدينا الكثير من المشاكل بسبب عملية الاختيار التي تقوم بها بعض الدول، ثم تأتي هؤلاء النساء ويسألن لماذا لم يأخذوا الجميع".

الروج
مخيم الروج شمال سوريا

يعيش نحو 60 ألف طفل وامرأة في مخيمين كبيرين يديرهما الأكراد وهما "الروج" و"الهول" في منطقة الحسكة السورية، وفقًا للمنسق الوطني السابق للمخابرات ومكافحة الإرهاب في فرنسا لوران نونيز، فإن نحو 100 سيدة فرنسية و250 طفلًا لا يزالون في مخيم الروج، بينما تقدر بعض الجماعات الحقوقية وجود 75 سيدةً و160 طفلًا في المخيمات.

ليسوا ضمن القائمة الشهيرة

في يوم 5 يوليو/تموز، اتجهت السلطات الفرنسية إلى المخيم في شاحنات لجمع 16 عضوًا سابقًا في داعش و35 طفلًا، من بينهم 7 أيتام كانت أسماؤهم على القائمة التي حددتها وزارة الخارجية، كانت هذه الخطوة مخالفة لسياسية فرنسا بالتعامل مع كل حالة على حدة عند إعادة الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم.

مبكرًا في هذا الصباح، أسرعت منون - فرنسية، 28 عامًا وتعيش في المخيم منذ 3 سنوات - لترى إذا ما كان باستطاعتها هي وابنها أن يركبا إحدى هذه الشاحنات، تقول منون: "لم أكن ضمن القائمة الشهيرة".

انضمت منون إلى داعش في 2014، لكنها تقول إنها حاولت عدة مرات الفرار منهم وفشلت في ذلك، وتضيف "ندرك جميعًا أننا سنُسجن عدة سنوات، لكننا ما زلنا نطالب بإعادتنا إلى الوطن، أفضل أن أُحاكم في فرنسا على البقاء هنا، فالظروف المعيشية صعبة للغاية على أطفالنا في تلك الخيام، أتحدث مع ابني عن فرنسا طوال الوقت وأصف له البحر والجبال، وهو يعلم أنه فرنسي وليس سوريًا، حتى لو كان قد وُلد هنا".

لم تفسر السلطات الفرنسية كيفية اختيارها للـ16 سيدة لإعادتهن، لكن بمجرد عودتهن إلى فرنسا قُبض عليهن جميعًا ويخضعن للمحاكمة، بينما يعيش أطفالهن في دور رعاية.

من بين هؤلاء السيدات، أرملة أحد مهاجمي مسرح باتاكلان في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 الذي تسبب في قتل عشرات المواطنين، اتُهمت الأرملة بعلاقتها بالإرهابيين.

تقول إنس: "أقول لنفسي لقد انتهينا، لن يأتي أحد ليعيدنا إلى فرنسا، سوف يتركوننا هنا إلى الأبد"

في يوم الأربعاء، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فرنسا لرفضها إعادة مواطنتين فرنسيتين من سوريا، وقالت إنها تتوقع إعادة فحص حكومة ماكرون لقرارها، أثار القضية آباء وأمهات تلك السيدات اللاتي سافرن مع شركائهن إلى أجزاء من سوريا والعراق كانت خاضعة لسيطرة داعش.

لم يعودوا لأجلنا

تقف شقيقتان مراهقتان بكل يأس في انتظار أن تأخذهما الشاحنات مع الفرنسيين الآخرين إلى مطار إربيل، بعيدًا عن حياة المخيم والرعب الذي شهداه بوفاة والديهما في الباغوز، لكن موظفي الخارجية الفرنسية لم ينادوا مطلقًا على زهرة وإنس.

أخذت أحد أفراد داعش من أصل مغربي الفتاتين اللتين تقولان إنها تضربهما باستمرار، تقول إنس: "أريد العودة إلى فرنسا، عندما جاءوا ليأخذوا الآخرين أخبرونا أنهم سيعودون لأجلنا خلال أيام، لكنهم لم يأتوا مرة أخرى، لقد بكيت لمدة يومين بعد رحيلهم".

تعاني الفتيات لفهم سبب كذب السلطات الفرنسية بشأن وعدها العودة إليهما سريعًا، لم تعد إنس - التي تعاني من شلل في ذراعها الأيمن بسبب رصاصة في عظمة الترقوة الخلفية - قادرة على الغضب أكثر من ذلك.

أما زهرة التي تجلس في مؤخرة الخيمة فلا تقول شيئًا ولا تتحرك، تحدق فقط في الفضاء وهي تضع رأسها على يديها، تعاني زهرة من صدمة بسبب أيام الحصار الأخيرة العنيفة للباغوز، ثم تُركت بعدها في ذلك المخيم - السجن المفتوح - دون أي دعم نفسي، لتصبح حبيسة ذكريات تلك اللحظات الأخيرة.

تقول إنس: "أقول لنفسي لقد انتهينا، لن يأتي أحد ليعيدنا إلى فرنسا، سوف يتركوننا هنا إلى الأبد".

المصدر: ميدل إيست آي