لجأ الاحتلال الإسرائيلي منذ موجة العمليات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، لسلسلة من السيناريوهات والخيارات لمحاولة احتواء العمليات، عبر تعزيز انتشار قواته في الضفة الغربية المحتلة وزيادة تسليح المستوطنين.

وهذا العام، أطلق الاحتلال اسم عملية "كاسر الأمواج" على محاولته الأمنية، التي تستند بالأساس على تعزيز الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين بهدف وقف العمليات ووضع حدّ لها، بما يعيد حالة الهدو النسبي التي سرت لفترة.

وتقدَّر الإحصاءات عدد المعتقلين خلال هذه العملية بنحو 1500 فلسطينيًا غالبيتهم من الضفة الغربية، غير أن العمليات لم تتوقف وشهدت اتّساعًا ملحوظًا، جعلت الاحتلال متخوفًا من انتقال العمليات للعمق بوتيرة أعنف ممّا هي عليه الآن.

ووفقًا لاعترافات رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك"، رونين بار، فإن إجمالي العمليات الفلسطينية يبلغ 100 عملية منذ بداية عام 2022 وحتى شهر سبتمبر/ أيلول، في حين قُتل خلال العمليات قرابة 22 إسرائيليًّا واستشهد 80 فلسطينيًّا.

ويتحدّث الاحتلال بشكل جليّ خلال الآونة الأخيرة عن أن هذه العمليات نتيجة تعاون وثيق يتمّ بين حركتَي الجهاد الإسلامي وحماس، سواء عبر التجنيد أو التسليح، في محاولة التنظيمَين إعادة واقع المقاومة عسكريًّا للشكل الذي كان عليه قبل سنوات الانتفاضة.

يرى الاحتلال في العمليات تطورًا خطيرًا من شأنه أن يكرر سيناريوهات انتفاضة الأقصى التي اندلعت فترة 2000-2005.

وبات الاحتلال منشغلًا بصورة كبيرة فيما بات يُعرَف بـ"ظاهرة المطاردين"، وملاحقتهم بشكلٍ يومي عبر عمليات الاعتقال والاقتحام للوحدات الخاصة التي تنفَّذ في الضفة، في الوقت الذي تتصاعد فيه المقاومة بوتيرة مغايرة تمامًا عن عامَي 2020 و2021.

ومع ارتفاع أعداد العمليات خلال عام 2022، فإن عام 2021 شهد تنفيذ 80 عملية، فيما شهد عام 2020 تنفيذ 14 عملية فقط، وعام 2019 شهد تنفيذ 9 عمليات، وبالتالي فإن ما يجري يقلق المنظومة الأمنية والعسكرية.

ويتزامن ذلك مع تحذيرات واضحة أطلقها وزير الحرب الإسرائيلي، بيني غانتس، تحدّث فيها عن ضرورة قيام السلطة الفلسطينية بدورها وتعزيز التنسيق الأمني ووقف العمليات، كونها ستضرّ بها وتهدد استقرارها السياسي.

من خلايا عشوائية إلى كتائب منظَّمة

في أعقاب معركة سيف القدس بين المقاومة والاحتلال في غزة عام 2021، جرى تدشين كتيبة جنين التي تضمّ مقاتلين من سرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، وهو ما اُعتبر في حينه تطورًا نوعيًّا.

وبعد هذا الإعلان، نجحت الكتيبة في تنفيذ عدد من العمليات تصدٍّت خلالها لاقتحامات الاحتلال لمخيم جنين أو مركز المدينة فيها، ما تسبب في إيقاع قتلى وإصابات في صفوف الوحدات الإسرائيلية الخاصة.

تبع ذلك تطور آخر تمثّلَ في تنفيذ الكتيبة ومجموعات أخرى محسوبة على كتائب القسام وكتائب شهداء الأقصى، عمليات إطلاق النار تجاه حواجز للاحتلال، مثل حاجز سالم وحاجز الجلمة، ما أوقع أيضًا قتلى وكبّد الاحتلال خسائر بشرية ومادية.

وشهدت بعض العمليات حضورًا لبعض عناصر الأمن الفلسطيني، كما حصل في عملية حاجز الجلمة التي أدّت إلى مقتل ضابط إسرائيلي وإصابة آخرين، وهو ما رأى فيه الاحتلال تطورًا خطيرًا من شأنه أن يكرر سيناريوهات انتفاضة الأقصى التي اندلعت فترة 2000-2005.

ومع تتالي العمليات، أصبح هناك عدد من المجموعات والكتائب في الضفة التي باتت محسوبة على فصائل المقاومة أو حتى المستقلة، ويتبنّى أعضاؤها خيار المقاومة المسلحة لمواجهة الاحتلال في مختلف مناطق الضفة.

مقاومو التيك توك

دفعت ظاهرة المقاومين المطاردين، مثل إبراهيم النابلسي الذي اغتاله الاحتلال في أغسطس/ آب 2022، إلى إطلاق وصف "مقاومي التيك توك" عليه هو ورفاقه، نظرًا إلى استخدام التطبيق الصيني في نشر مقاطع فيديو لهم خلال عملهم العسكري.

ورغم التعقيدات الأمنية، إلا أن المقاومين كانوا ينشرون جانبًا من عملهم وبعض تحركاتهم، أو عمليات إطلاق النار والاشتباكات العنيفة التي كانوا يخوضونها ضد الاحتلال وجنوده في مناطق جنين ونابلس شمال الضفة الغربية.

ويرى الاحتلال في استخدام تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي أنه مصدر لإلهام مزيد من الشبان الفلسطينيين، لتنفيذ عمليات ضد أهداف تابعة للاحتلال أو مستوطنيه داخل الأراضي المحتلة عام 1948 أو مناطق 1967.

تشهد هذه المناطق تراجعًا كبيرًا في السيطرة الأمنية للسلطة، ما شكّل لها حضورًا لافتًا لخلايا المقاومة المختلفة.

وبالتوازي مع هذا الأمر، عادت ظاهرة المطاردين لتلقي بظلالها على الضفة بعد أن ظلت محصورة في عدد طفيف للغاية في الفترة ما بين 2007 و2014، جرّاء التنسيق الأمني واعتقال العشرات من المطاردين من قبل الاحتلال وتجفيف خلايا المقاومة.

وفي الآونة الأخيرة، وضع الاحتلال عشرات الشبان الفلسطينيين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و22 عامًا على قائمة المطاردين المطلوبين للاعتقال أو التصفية، على خلفية عمليات إطلاق نار شاركوا بها خلال العام الأخير.

وبالنسبة إلى الاحتلال، فإن مشاركة الشبان في هذه الأعمار في تنفيذ العمليات ضد أهداف تابعة له، تبقى أمرًا مثيرًا كونهم لم يعاصروا فترة الانتفاضة الثانية منذ بدايتها، غير أن بعض المراقبين العسكريين يرى أن نتائج الحروب مع غزة وحالة الانتهاكات في الضفة والقدس، تعتبَر عوامل معززة لهؤلاء الشبان من أجل تنفيذ العمليات.

لماذا فشل الاحتلال أمنيًّا وعسكريًّا؟

أمام استمرار حالة العمليات في الضفة الغربية المحتلة، لجأ الاحتلال إلى عدة أساليب كان أبرزها عمليات التسلُّل للوحدات الخاصة المحسوبة عليه، وتنفيذ عمليات اغتيال ضمن ما يعرَف بـ"سياسة جزّ العشب"، اعتقادًا منه أن ذلك يمكن أن يقضي على حالة المقاومة.

ومع فشل هذه السياسة في تحقيق الهدف المنشود، اتجه الاحتلال نحو سياسة أخرى تمثلت في تقدم المزيد من التسهيلات عبر زيادة أعداد التصاريح، وهو ما لم ينجح كذلك، ليقرر اتّباع سياسة العصا عبر إغلاق الحواجز في الأوقات التي يتمّ تنفيذ عمليات، وفرض إجراءات عقابية ضد أهالي المنطقة التي ينفّذ أفرادها عمليات.

ولعلّ من أسباب وعوامل الفشل الإسرائيلي أمنيًّا وعسكريًّا، القراءة الخاطئة لمسبّبات العمليات، إذ اعتادت المؤسسة الأمنية للاحتلال على إرجاع ما يجري من مقاومة وعمليات إلى إحباط الشباب وربطهما بالواقع الاقتصادي.

في المقابل، فإن تعاظم الاستيطان وسلب الأراضي وعمليات القتل الممنهجة، إلى جانب الانتهاكات الكثيرة في القدس المحتلة، شكّلت حافزًا لدى هؤلاء الشبان للاتجاه نحو تنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية بأبسط الإمكانات الموجودة.

وبموازاة هذا الأمر، تحضر حالة التراجع الأمني الواضح للسلطة الفلسطينية على صعيد مناطق شمال الضفة المحتلة، إذ تشهد هذه المناطق تراجعًا كبيرًا في السيطرة الأمنية للسلطة، ما شكّل لها حضورًا لافتًا لخلايا المقاومة المختلفة.

السيناريوهات المتوقعة

يضع مشهد تصاعد العمليات في الضفة وفشل الاحتلال أمنيًّا وعسكريًّا في وقفها، مختلف الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية أمام عدة سيناريوهات متوقعة خلال الفترة، لا سيما مع التوقع بأن تشهد الأسابيع المقبلة موجة من العمليات جرّاء الاقتحامات المتوقعة للأقصى.

السيناريو الأول: لجوء السلطة الفلسطينية لحملة أمنية تعتقل فيها المطلوبين للاحتلال، ما يمكّنها من تحقيق هدوء نسبي يخفف من حدة عمليات إطلاق النار، وهو أمر متوقع خصوصًا بعد اعتقال المطارَد مصعب اشتية والمطارَد عميد طبيلة من نابلس، فضلًا عن تعاظم الضغوط الإسرائيلية والأمريكية على السلطة لتعزيز دورها في مناطق شمال الضفة.

السيناريو الثاني: يتمثل في لجوء الاحتلال إلى عملية عسكرية واسعة النطاق في شمال الضفة، وهو سيناريو يبقى متوقعًا، لكن عملية التنفيذ مرتبطة بطبيعة المشهد الميداني، والخشية من استجلاب هكذا هجوم تدخُّل المقاومة الفلسطينية في غزة، وهو ما لا يريده الاحتلال كون ذلك سيربط الساحات الفلسطينية ببعضها.

وبين هذين السيناريوهين، سيعتمد المشهد في الضفة الغربية المحتلة على سلوك المقاومين والكتائب المختلفة في رسم ملامح الفترة المقبلة، إلى جانب ما قد تشهده الساحة الفلسطينية من أحداث تزامنًا مع الاقتحامات والأعياد اليهودية أواخر سبتمبر/ أيلول وبداية أكتوبر/ تشرين الأول.

لكن ثمة اعتقاد فلسطيني في الآونة الأخيرة أنه حتى وإن لجأت السلطة أو الاحتلال لتنفيذ عمليات عسكرية وأمنية لملاحقة المطلوبين والمقاومين، فإنها لن تنجح بإعادة الضفة إلى ما كانت عليه في الفترة ما بين عامَي 2007 و2014.