يميل الخطاب السائد في الأوساط الثقافية الشعبية إلى الاعتقاد أن العرب قبل الإسلام كانوا يعيشون في عزلة حضارية عن العالم، متقوقعين داخل كهوف الجهل والتخلف والرجعية، بل إن حفنة من الباحثين تجاهلت تلك المرحلة التاريخية التي يصفونها بـ"الجاهلية"، معتبرين أن دراسة تاريخ العرب تبدأ مع ظهور الإسلام.

لا ينكر أحد فضل الإسلام في إنعاش الحضارة العربية ودفعها نحو الريادة والتقدم، إذ استطاع العرب بعد ظهور الدعوة وفي وقت ضئيل جدًّا، أن يصبحوا منارة للعلم والنهضة والرقي، لكن في الوقت ذاته فإنه من غير الإنصاف تجاهل الإسهامات الحضارية للعرب قبل الإسلام. 

يقول أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة القاهرة، حسين مؤنس، في مقدمته وتعليقه على كتاب "العرب قبل الإسلام" لجورجي زيدان، إن تاريخ العرب قبل الإسلام من أعسر موضوعات التاريخ العربي وأعزها على الدارسين، لأنه يتطلب من القائم عليه الإلمام بلغات قديمة شتى كلغات بابل وآشور ومصر القديمة والعبرانية والآرامية واليونانية واللاتينية، كما أن معظم من تصدّوا لهذا المجال غير عرب، خاصة من الألمان، وقد نُشرت أبحاثهم في مجلّات داخلية قديمة من الصعب العثور عليها، ومن هنا أصبح التخصص في ذلك الموضوع أمرًا شاقًّا لا يتحمله إلا القليلون.

في ملف "ممالك العرب قبل الإسلام"، يحاول "نون بوست" كشف الستار عن تلك المرحلة المحورية من التاريخ العربي، لرسم خارطة ولوحة مكتملة عن واقع العرب قبل البعثة النبوية، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وإسهاماتهم في الحضارة الإنسانية، مع تسليط الضوء على أبرز الممالك العربية قبل قرون من ظهور الإسلام، على أن تكون المادة الأولى استهلالية شمولية عن تاريخ العرب وأصولهم وأقسامهم الديموغرافية والجغرافية وحدود دولتهم القديمة وما آلت إليه اليوم.

خطاب غير دقيق

الارتكان إلى نعت العرب ما قبل الإسلام بـ"الجاهلية" مخالفة صريحة وموضوعية للتاريخ الدقيق، هكذا يوضّح المؤرخون والباحثون ممّن تصدّوا لدراسة تلك الفترة، منوّهين أن هذا الخطاب يفتقد للأمانة العلمية والتاريخية، إذ إن الحضور العربي لم يكن أبدًا مرهونًا بظهور الإسلام الذي بلا شك زاده ألقًا وتميُّزًا.

وهنا يؤكد الباحث أحمد عبد ربه، الأستاذ المساعد للعلاقات الدولية في جامعة دنفر بالولايات المتحدة الأمريكية، أن بلاد العرب قبل نزول الرسالة الإسلامية في القرن السابع الميلادي كانت تمرُّ بمنحنيات صعود وهبوط شأنها شأن بقية الأمم والشعوب، وأن جنوب الجزيرة العربية (اليمن وبعض مناطق عُمان حاليًّا) عرفت الكثير من الحضارات القديمة مثل سبأ وحمير ومأرب.

لافتًا إلى أن العرب منذ القرن الثالث الميلادي نظّموا أنفسهم ككيانات متماسكة، ذات ثقل قوي على أسُس الدولة العصرية، حيث أنشأوا الجيوش ونظّموا حركة التجارة وبنوا نظامًا اقتصاديًّا أكثر تطورًا من خلال شبكة مواصلات بدائية، كما عرفوا الشعر ونظّموا المهرجانات الثقافية وكانت لهم إسهامات أدبية معروفة حتى اليوم.

المستشرق الفرنسي الشهير غوستاف لوبون (1841-1931) في كتابه المعروف "حضارة العرب" الصادر عام 1884، وثّق بالأدلة العقلية والتاريخية إسهامات العرب قبل قرون طويلة من البعثة النبوية، مشيرًا إلى أن السجايا الخلقية للعرق العربي هي التي عيّنت اتجاهه.

وأكّد لوبون على أن النضج الحضاري الذي وصل إليه العرب بعد ظهور الإسلام، ما كان له أن يكون إلا نتيجة مقدمات سابقة وسمات حضارية كان يتمتع بها العرب قبل الرسالة، وأن لكل حضارة مستحدثة إرثًا وجذورًا حضارية قديمة، فالشيء في الغالب لا يخلق من العدم.

ويوضّح الطبيب والمؤرخ الفرنسي أن جهل الناس لتاريخ العرب القديم لا يعني عدم وجوده، مؤكدًا أن العرب كان لهم حضارات متميزة وثّقتها ممالكهم القديمة، وأنها لا تقلّ بأي حال عن الحضارات القديمة المعروفة في ذلك الوقت، مستعرضًا بعض ملامحها حيث اللغة الناضجة والأدب الراقي والعلاقات التجارية المتشعّبة بأرقى أمم العالم حينها، ووضع اللبنات الأولى لبناء الدولة السياسية المدنية القوية، تلك الأسُس التي تلتزم بها الدول حتى اليوم.

وردًّا على الأقوال التي تشير إلى عدم وجود حضور للعرب قبل الإسلام، كما ذهب مؤلف تاريخ اللغات السامية الشهير، رينان، الذي قال: "لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسي والثقافي والديني قبل ذلك الانقلاب المفاجئ الخارق للعادة الذي صار به العرب أمة فاتحة مبدعة، ولم يكن لجزيرة العرب شأن في القرون الأولى من الميلاد حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ، ولم يظهر بأسُها وبسالتها إلا بعد القرن السادس من الميلاد"، يقول غوستاف: "هذا الرأي فاسد أول وهلة، ولو لم نعلم شيئًا عن ماضي العرب، فإن أمكن ظهور حضارة أمة ولغتها بغتةً على مسرح التاريخ لا يكون هذا إلا نتيجة نضج بطيء، فلا يتم تطور الأشخاص والأمم والنظم والمعتقدات إلا بالتدريج، ولا تُبْلَغ درجة التطور العالية التي تبدو للعيان إلا بعد الصمود في درجات أخرى".

أزمة التأريخ

"ليس في تواريخ الأمم الراقية أسقم من تاريخ العرب قبل الإسلام، حتى تهيّب الكاتبون الخوض فيه لوعورة مسلكه، وتناقض الأقوال فيه، وبعكس ذلك تاريخ بعد الإسلام، فإنهم لم يتركوا خبرًا من أخباره أو رواية أو واقعة إلا دوّنوها وفصّلوها، كأنهم أرادوا محو مفاخر الجاهلية، لذلك لا نجد لهم كتابًا خاصًّا بتاريخ العرب قبل الإسلام، وإذا ذكروا شيئًا من أخبارهم إنما يريدون به العبرة والموعظة كأخبار عاد وثمود".. هكذا استهلَّ المؤرخ جورجي زيدان حديثه عن أزمة تأريخ العهد العربي قبل الرسالة الإسلامية.

ويكشف زيدان أن مؤرّخي العرب قد اقتبسوا أخبار الجاهلية من 4 مصادر رئيسية، أولها: أشعار العرب وأمثالهم التي كانت توثّق بعض أخبار العرب قديمًا غير أن معظمها فُقد؛ ثانيها: الآثار الحميرية حيث كان أهل اليمن أبناء علم وحكمة ولديهم مؤرخين عظام نقلوا عنهم؛ ثالثًا: أخبار اليهود بالحجاز واليمن؛ رابعًا: كنائس النصارى بالعراق، حيث كانت الكتب التي توثّق تلك المرحلة مكتوبة بالفارسية واليونانية والسريانية وقد نقل العرب عنها.

ومن الأزمات التي كانت سببًا في تأريخ تلك الحقبة المهمة في مسيرة العرب -بحسب زيدان-، تناقُل الأخبار جيلًا بعد جيل على الألسنة دون تدوين أو ضبط، وهو ما كان يعرّضها للزيف تارة والنسيان تارة أخرى، إضافة إلى استخدام الخط العربي القديم في التدوين، وهو الخط الخالي من النقاط، حيث لا شيء يميّز الباء عن التاء والثاء، كذلك الجيم والحاء والخاء، والصاد والضاد، والسين والشين، وكلها أمور شوّهت المنقول عن عرب ما قبل الإسلام.

هناك أسباب أخرى لا تقلّ خطورة في التأريخ عمّا تمّ ذكره، كأن ينسَب الفعل إلى غير أهله، فإذا اشتهر ملك ما أو شخص معروف وله حيثية بمنقبة معيّنة نُسبت إليه كافة الأحداث التي تدور حول تلك المنقبة، وهو ما أوقع المكتوب في خانة التزييف، علاوة على الخلط بين الدين والتاريخ، وهو المزج الذي أفقَد الكثير من الروايات قيمتها وموضوعيتها.

ويجمع المؤرخون على أن تأريخ حقبة العرب ما قبل الإسلام لم تكن على قائمة اهتمامات الحكومات والأنظمة العربية بعد الإسلام، بل إن البعض اتّهم القائمين على أمور التأريخ في العهد الإسلامي بتعمُّد تجاهل تلك الفترة المهمة وكأنها غير موجودة بالمرّة، فيما ارتأى الباحثون لأنفسهم النأي عن تلك المنطقة الشائكة التي تتطلب مؤهّلات قد لا تتوفر في كثير مّمن تصدّوا لهذا المجال حسبما تمّ ذكره قبل ذلك، لذا تمّ تجهيلها، وما تمّ العثور عليه بشأنها من كتابات وروايات لم يكن بالدقة والموضوعية اللازمة لدراسة تلك الفترة بشكل منهجي علمي.

أصول العرب

يشير المؤرخ العراقي جواد علي (1907-1987) في موسوعته الشهيرة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، والمكوّنة من 10 مجلدات، أن لفظة "العرب" اليوم يقصد بها كل الأمم والشعوب التي تتحدث العربية لغة رئيسية لها، يتساوى في ذلك سكان البدو والحضر، حيث الخصائص الفكرية والثقافية واللغوية المشتركة.

ويستعرض المؤرخ العراقي التفسيرات المتعددة لتأريخ كلمة "عرب"، منها أنها جاءت من الإنابة والإفصاح عن الشيء، كأن يقال للرجل "أعرب لي" أي وضّح كلامك، وقد ظهر هذا المصطلح بشكل كبير في القرن العاشر قبل الميلاد، وكان بهدف تمييز العرب لبلدانهم عن البلدان المجاورة مثل الآشوريين والبابليين والفرس.

كما ذُكر اللفظ ذاته في الأسفار القديمة كسفر "أشعيا" في التوراة، وكان يقصد به البدو، أما المؤرّخ الشهير هيرودوت فأطلقه على سكان المناطق التي شملت الجزيرة العربية والصحراء الشرقية لمصر ومنطقة البحر الأحمر في القرن الخامس قبل الميلاد.

ومن الروايات التاريخية الأخرى أن اللغة العربية في أصلها عبرانية، لكن بحسب بعض المؤرّخين فإن ما تتمتع به من خصائص لغوية كجذور الأفعال وصيغ الماضي والحاضر كشفت أنها لم تكن كذلك، وأنها جمعت الساميين مع بعضهم، ثم انبثقت عنها لهجات فرعية نطقت بها قبائل دون أخرى، بعضها اندثر والآخر ما زال على قيد الحياة.

وعن أصول الجنس العربي، يشير المؤرخ المصري علي عفيفي غازي في كتابه "حضارة العرب قبل الإسلام" إلى أن هناك 3 تقسيمات للجنس البشري وفق عدة تصنيفات، فبحسب الأسُس الأنثروبولوجية ينقسم الجنس البشري إلى الجنس الآري (الفرس - الألمان - الإنجليز - الفرنسيون)، والجنس الطوراني (الصينيون - اليابانيون - المغول)، والجنس السامي من العرب (الآراميون - العبرانيون -الكلدانيون - الآشوريون - الفينيقيون)، وبحسب لون البشرة هناك الجنس الأبيض (الساميون والأوروبيون)، الجنس الأسود (سكان أفريقيا الأصليون)، الجنس الأصفر (الصينيون - اليابانيون - الطورانيون).

وهناك تقسيم ديني آخر بحسب غازي، وفق ما ورد في سفر التكوين في التوراة، حيث قسّم الأجناس البشرية إلى أبناء نوح، وهم أولاد يافث (جومر- مأجوج - ميداي - ماشك)، أولاد حام (كوش - مصرائيم - كنعان)، أولاد سام (عليوم - أشود - أرفخشد - لود - أرم)، وينحدر العرب من الساميين وفق المؤرخين، لكن هناك اختلافًا لدى البعض حول هوية سام المقصود هنا، هل هو ابن النبي نوح عليه السلام أم كل من يتحدث باللغات السامية؟

ومن هنا يرجع علماء الأجناس العرب إلى الجنس السامي ويعتقد البعض أن أصله يرجع إلى الجزيرة العربية التي كانت الموطن الأول للساميين، وهم قوم تجمعهم خصائص مشتركة أهمها لسانهم العربي وأسلوب حياتهم المتشابه، وثقافتهم الواحدة ومرجعيتهم التاريخية المشتركة.

الجغرافيا البشرية

تتباين الروايات الخاصة بتحديد الإطار الجغرافي لحدود الدولة العربية القديمة، حيث يشير المؤرخ الإيطالي الشهير گايوس پلينيوس سـِكوندوس، المعروف باسم پليني، إلى الحدود الجغرافية لبلاد العرب تاريخيًّا بتلك التي تمتد من الجزيرة العربية جنوبًا حتى تركيا شمالًا (لواء إسكندرون بجبال أمانوس)، مع الوضع في الاعتبار التواجد القديم للعرب في بعض المدن التركية الحالية مثل ديار بكر (جنوب شرق الأناضول) التي لا تزال تحتفظ باسمها القديم، فضلًا عن التواجد الكثيف في منطقة الأهواز.

فيما ذهب جورجي زيدان إلى أن المقصود بالعرب حاليًّا هم سكان جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والسودان والمغرب، أما قبل الإسلام فكان يراد بهم سكان جزيرة العرب فقط لأن أهل العراق والشام كانوا من السريان والكلدان والأنباط واليهود واليونان، وأهل مصر كانوا من الأقباط، وأهل المغرب من البربر والوندال، وأهل السودان من النوبة والسود.

أما في التاريخ القديم، عهد الفراعنة والآشوريين والفينيقيين -والحديث لا يزال لزيدان-، فكانوا يريدون بالعرب أهل البادية في القسم الشمالي من جزيرة العرب وشرقي واد النيل، في تلك البقعة الممتدة بين الفرات في الشرق والنيل في الغرب، وتدخل فيها بادية العراق والشام وشبه جزيرة سيناء وما يتصل بها.

وفي ضوء هذا التقسيم، فإن حدود العرب بجانب الجزيرة العربية تضم سيناء وفلسطين وسوريا، لتبدأ من شاطئ الفرات شمالًا، ويمتد حتى تصبّ في البحر عن البصرة، ومنها على شاطئ خليج فارس، ثم تنعطف غربًا بشواطئ بحر العرب وحضرموت وعدن وتنعطف شمالًا على شواطئ البحر الأحمر إلى السويس ومنها إلى بحر الروم، ويضمّ في طريقه شبه جزيرة سيناء وفلسطين وسوريا والأردن وبيروت، وهذا التقسيم الخاص بأبجديات الجبال والشواطئ والبحار والأنهار كأسُس لتعيين الحدود بين الدول.

ويقسم المؤرخون العرب إلى قسمَين رئيسيَّين قد يندرج تحتهما أقسام فرعية، الأول: العرب البائدة وهم العرب الذين بادوا وانقطعت أخبارهم وينقسمون إلى 7 قبائل رئيسية، هي عاد، ثمود، مدين، إرم، جرهم، طسم وجديس، كلها محيت بالكامل من الخارطة الجغرافية والبشرية.

وتتصدّرها قوة قبيلة عاد التي كانت تسكن شرق خليج العقبة في المنطقة الشمالية لشبه الجزيرة العربية، ثم قبائل ثمود التي استقرت بين الحجاز والشام، وكانت تتميز بنشاطها المعماري الهائل، إذ كانت تنحت بيوتًا في الجبال، ثم قبائل مدين في أطراف الشام وكانت تحتكر التجارة بين الأمم والقبائل في ذلك الوقت.

أما قبائل طسم وجديس التي يعود نسبها إلى أحفاد سام بن نوح فكانت تسكن في منطقة جو المعروفة حاليًّا باسم اليمامة والبحرين، فيما ارتكزت قبائل العماليق في جنوب فلسطين، وبجوارها قبائل جرهم في مكة المكرمة، وكانت تتميز بالتجارة والتطاول في البنيان، ولأجل ذلك هاجرت إليها الكثير من القبائل فيما بعد.

القسم الثاني: العرب الباقية، وهم أقدم سكان شبه الجزيرة العربية، ويقسمون إلى نوعَين، الأول: العرب العاربة، وينسَبون إلى يعرب بن قحطان، أول ملوك اليمن، ويسمّون بالقحطانيين، ولغتهم لغة سامية قديمة جدًّا يعتقد أنها تطورت إلى اللغة العربية لاحقًا، الثاني: العرب المستعربة وينسَبون إلى عدنان بن آدد بن كثوم، ويعود بنسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وظهرت تلك القبائل بداية الأمر في سهول تهامة ثم انطلقوا منها إلى الشام والحجاز ونجد، وكانت من أشهرها قبيلة مضر التي استقرت في نجد، بينما استقرت قبيلة تميم في بادية البصرة، وقبيلة ربيعة انحدرت منها قبيلة بني أسد، وقبيلة كنانة استقرت في الحجاز وانحدرت منها قبيلة قريش.

السياسة والدين والاقتصاد

يذهب بعض المؤرخين إلى أن حضارة العرب الرئيسية تمتدّ من نهاية القرن الرابع قبل الميلاد وحتى القرن السابع الميلادي، ففي تلك الفترة تمتّع العرب بكافة مقومات الحضارة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب البُعد الديني الذي كان يتميز بالثراء والمرونة والحرية في كثير من الأحيان، ما دفع إلى الرخاء رغم العثرات البيئية كالجفاف والتصحُّر وندرة المياه أحيانًا في عدد من المناطق التي تخيّم عليها الصحاري الشاسعة.

فعلى المستوى السياسي، وضع العرب أسُس بناء الدولة وفق تصورات خاصة بهم، ساهمت فيما بعد في بناء عشرات الممالك والدول التي كان لها صداها لدى الحضارات الأخرى، والتي لا تقلّ عنها لا في الشكل ولا المضمون، وكانت القبيلة هي وحدة التنظيم السياسي في ذلك الوقت، ولها دستورها الخاص ولوائحها الذاتية التي يلتزم بها الجميع، كبير وصغير، غني وفقير، ومن هنا جاءت فكرة انتشار الممالك والدول المنبثقة عن الحضارة العربية.

وكان من يتربّع على عرش القبيلة يُقال له "شيخ"، وكان بمثابة الملك الذي ينفَّذ رأيه وحكمه على الجميع، وكان لا بدَّ أن يتمتع ببعض الصفات الضرورية لتوليه هذا المنصب، مثل الشجاعة والجود وسداد الرأي وأصالة النسب، وأن يكون ذا خبرة ورجاحة عقل.

وهنا يقول ابن خلدون في "مقدمته": "الرئاسة لا تكون إلا بالغلب، والغلب إنما يكون بالعصبية، فلا بدَّ من الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة، لأن كل عصبية منهم إذا أحست بتغلب عصبية الرئيس لهم أقروا بالإذعان والاتّباع".

وكان هناك كذلك مجلس القبيلة الذي يتألف من زعماء البطون والعشائر، وله سلطة الفصل في الأمور المهمة التي تمسّ حياة القبيلة وأفرادها، ويتكون من الخطيب (وزير إعلام القبيلة) الذي كان بمثابة لسانها أمام الجميع، والشاعر (وزير الثقافة) الذي يدافع عنها أمام خصومها، والكاهن (وزير الأوقاف والمفتي) الذي يلجأون إليه في الأمور الدينية، وكان هذا المجلس بمثابة حكومة مصغّرة مدعومة ببرلمان استشاري.

وكان يؤخذ على العرب في تلك الحقبة كثرة الحروب والمعارك البينية، حيث كانت سمة رئيسية بين القبائل، ما أدّى في النهاية إلى سقوط الكثير من الممالك، وموت الآلاف من أبنائها، وسط صراعات في الغالب تكون شخصية، صراعات زعامة بين شيوخ وملوك البلدان، وكانت تلك الثغرة هي درب أعداء العرب الأسهل لتحقيق أهدافهم الاستعمارية وتفتيت لحمة العرب.

كان الثراء الواضح على المستوى السياسي والاقتصادي والفكري أرضية خصبة لنمو عشرات الممالك والدويلات العربية، التي ساهمت بشكل كبير في إثراء الحضارة الإنسانية بصفة عامة.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد ساعدت كثرة الأنهار والبحار التي تطل عليها بلاد العرب قديمًا في ازدهار مهنة التجارة التي كانت السمت الاقتصادي الأبرز في ذلك الوقت، إذ كانت سفن العرب تجوب بين بلاد السند ومصر وبابل، فيما كانت أراضيهم خصبة يانعة بالمحاصيل والمزروعات التي ساعدت في وجود بيئة برّية متميزة.

الاكتشافات التي توصّل إليها الباحثون مؤخرًا بشأن العثور على بقايا حيوانات ضخمة وأشجار عملاقة في غرب الجزيرة العربية، تؤكّد أن تلك البقعة في الفترات التاريخية القديمة كانت أرضًا شديدة الخصوبة وفيها حدائق غنّاء وأنهار جارية، رغم أن هذا لم يكن موجودًا في تلك البقاع التي كانت تعاني من صحارى شاسعة وندرة في الأراضي الزراعية والأنهار والممرات المائية، ولعلّ هذا كان أحد أسباب الحروب التي اندلعت بين الممالك العربية قديمًا.

وعلى الجانب الديني فقد كانت بلاد العرب ميدانًا واسعًا لتعدد الأديان، السماوية وغير السماوية، وهو ما يعكس حالة المرونة الفكرية التي كان يتمتع بها سكان تلك البلدان، حيث انتشرت الوثنية وعبادة الجن والمجوسية والصابئة كأديان غير سماوية، في مقابل انتشار اليهودية والنصرانية كدينَين سماويَّين، وهو ما كان له أثره على حياة العرب وتفكيرهم ومن ثم نشاطهم وإسهاماتهم الحضارية.

كان هذا الثراء الواضح على المستوى السياسي والاقتصادي والفكري أرضية خصبة لنمو عشرات الممالك والدويلات العربية، التي ساهمت بشكل كبير في إثراء الحضارة الإنسانية بصفة عامة، والتي لها بصمات كبيرة لا تزال موجودة حتى اليوم، أبرزها تلك التي كانت في جنوب شبه الجزيرة، منها سبأ وحضرموت وحمير، أو تلك التي كانت في بلاد الرافدين والشام مثل لحيان والأنباط والحيرة، علاوة على الغساسنة وتدمر ومعهما كنده والحيرة وقيدار، وهو ما سيتمّ إلقاء الضوء عليه بشكل تفصيلي خلال المواد القادمة.