مشجع يرفع علم فلسطين من داخل ملاعب قطر

لم يعد الحديث عن عدم إقحام السياسة في الرياضة مقنعًا للكثير من المتابعين، حتى إن علا صوت الخطاب المنادي بذلك، فالعلاقات التشابكية لمسارات الحياة المختلفة أذابت الفواصل بين المجال والآخر، خاصة بعدما باتت القضايا كلها مربوطة في عقد واحد، إذا انفرطت حبة منه انفرط العقد بأكمله.

وإن كان الفصل بين المفهومين قديمًا أمرًا مقبولًا في ضوء الإمكانات المتاحة حينها ومستوى التطور آنذاك، فإن الوضع اليوم بات مختلفًا، إذ أصبحت السياسة حاضرة بقوة في شتى المجالات، الرياضة والدين والفن والإعلام، حتى الاقتصاد تحول إلى ساحة مبارزة سياسية في المقام الأول بعدما كان مستقلًا عن هذا الركب منذ وقت ليس بالبعيد.

وتحولت الأحداث الرياضية الكبرى إلى ساحة كبيرة للسياسة، سواء كانت سياسة كيانات ودول أم سلوكيات أفراد وجماعات، وهو ما توثقه النسخ السابقة من الاحتفالات الرياضية الكبرى، ككأس العالم والأولمبياد والبطولات القارية والإقليمية، التي طغت السياسة على كثير من أجوائها.

ولم يكن مونديال قطر 2022 بمعزل عن هذا المسار، إذ تشير الإرهاصات الأولى إلى تحوله هو الآخر إلى منصة كبيرة ومسرح عالمي لتعبير الشعوب عن قضاياها التي لا تستطيع التعبير عنها في بلدانها، فالزخم الإعلامي العالمي الذي يخيم على المونديال، حيث مئات الوسائل الإعلامية من البلدان كافة، والحضور الجماهيري من عشرات الدول، ومساحة الحرية النسبية الممنوحة للجميع، وتراجع احتمالات الاستهداف الأمني السلطوي، كل ذلك كان محفزًا للمواطنين للتعبير عن قضاياهم الوطنية والقومية أمام أكبر تجمع جماهيري وإعلامي في العالم.

القضية الفلسطينية.. الحاضر الأبرز

كعادة مثل تلك المحافل الدولية كانت القضية الفلسطينية الحاضر الأبرز، فمنذ الساعات الأولى لانطلاق البطولة اكتظت شوارع قطر وطرقها المؤدية للملاعب بالأعلام الفلسطينية، ورغم أن منتخب فلسطين غير مشارك في المونديال، فإن حجم الأعلام المرفوعة خلال الأيام الأولى من البطولة يفوق أعلام الكثير من المنتخبات المشاركة.

ويحرص الفلسطينيون مع كل مناسبة إقليمية أو دولية على التذكير بقضيتهم العادلة، وتسليط الضوء عليها بين الحين والآخر، أمام شعوب العالم وإعلامه، ففي ظل التخاذل السياسي من حكومات ودول العالم لم يكن أمامهم إلا الشارع كمنصة للنضال والزود عن قضيتهم التاريخية.

الدعم هنا لا يتوقف على أبناء الشعب الفلسطيني فحسب، بل إن المشاركين من الجنسيات العربية الأخرى ربما يفوق أعداد الفلسطينيين، وهو ما وثقته مقاطع الفيديو المصورة التي كشفت عن دعم عربي واضح للقضية، عبر الشعارات المرفوعة، والأعلام المنتشرة، والمواقف الواضحة التي من أبرزها رفض التحدث إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تغطي فعاليات المونديال.

وبينما لا يستطيع المصريون والتونسيون رفع الأعلام الفلسطينية في بلادهم، خشية الاستهداف الأمني من سلطات أنظمتهم المطبعة مع دولة الاحتلال، التي تتعامل مع الفعاليات الداعمة لفلسطين كجريمة قد تزج بصاحبها خلف السجون والمعتقلات، إذ بهم يجدون في مونديال قطر فرصتهم للتعبير عن دعمهم للقضية الفلسطينية عبر رفع الأعلام وترديد الشعارات.

القطريون.. التأكيد على رفض التطبيع

لم يجد القطريون فرصة كتلك للتأكيد على رفضهم القاطع للتطبيع، ففي الوقت الذي تهرول فيه حكومات وشعوب بعض البلدان المجاورة لهم، التي أبرمت اتفاقات سلام مع دولة الاحتلال خلال العامين الماضيين فيما عرف بـ"اتفاق أبراهام"، إذ بهم يتمسكون بموقفهم الرافض لهذا التوجه قبل حلحلة القضية الفلسطينية وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه.

وزخرت منصات السوشيال ميديا بعشرات المقاطع المصورة لمواطنين قطريين يرفعون الأعلام الفلسطينية ويرفضون الحديث إلى وسائل الإعلام العبرية، بل إن بعضهم يروج للقضية العروبية الأبرز من خلال توزيع هدايا على المشجعين الأجانب عليها الشعار الفلسطيني.

ويتماشى هذا التوجه الشعبي مع الموقف الرسمي القطري، فقد استبعدت الدوحة تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع "إسرائيل" في الوقت الراهن بحسب وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ففي حديثه لموقع "أكسيوس" الأمريكي قبل أسابيع قال: "عندما كان هناك احتمالات للسلام" مع الفلسطينيين، لكن بلاده فقدت هذا الأمل بعد حرب غزة عامي 2008 و2009، وفق قوله.

ورغم إقامة علاقات تجارية بين البلدين، حيث وافقت الدوحة على استضافة مكتب تجاري إسرائيلي في التسعينيات، فإن مسألة التطبيع الدبلوماسي والانضمام إلى قطار أبراهام كما هو حال الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، لا تزال قضية عالقة "في ظل غياب التزام حقيقي بحل الدولتين" بحسب الوزير القطري.

السوريون.. الثورة حاضرة

حرص السوريون على إظهار أيقونات ثورتهم ضد نظام الأسد من خلال الحضور بكثافة ورفع أعلام الثورة في الشوارع والممرات الرئيسية على مداخل ومخارج الملاعب القطرية وفي مناطق التجمعات الجماهيرية، حيث تبنى عدد من أبناء الثورة وداعميها مبادرة لرفع علم الثورة في احتفالات المشجعين في المونديال.

وقد انتشرت العديد من مقاطع الفيديو المصورة لشباب سوريين يتجولون في الشوارع القطرية مرتدين ورافعين أعلام الثورة، كما ظهرت مقاطع أخرى لمواطنين يرتدون الزي الخليجي ويرفعون الأعلام ذاتها، في محاولة للإبقاء على جذوة الثورة مشتعلة أمام هذا الجمع الغفير في ظل الانتكاسات التي تعرضت لها الثورة مؤخرًا بسبب تخلي بعض القوى الداعمة لها سابقًا والانخراط في مسار التطبيع مع نظام الأسد لحسابات سياسية بحتة.

وتعد قطر واحدة من الساحات العربية القليلة التي يُسمح فيها للمعارضين السوريين بالتعبير عن آرائهم ودعم ثورتهم، في ظل الموقف الرسمي للدولة والداعم للثورة منذ انطلاقها في 2011، إذ إنها الدولة العربية الوحيدة التي رفعت فوق قنصلية سوريا لديها علم الثورة وليس علم النظام كبقية دول المنطقة.

وكانت هناك احتجاجات قوية من المعارضة السورية حين عُرض علم النظام السوري الرسمي - بدلًا من علم الثورة السورية - ضمن أعلام الدول المشاركة في افتتاح بطولة كأس العرب التي احتضنتها قطر في ديسمبر/كانون الأول 2021، حيث فوجئوا به خلال ترديد مقطع من نشيد سوريا الوطني (حماة الديار)، إلا أن القائم بالأعمال لدى السفارة السورية في دولة قطر، بلال تركية، كان قد كشف في حديثه لـ"القدس العربي" أنه "بعد رفع علم النظام تواصلنا مع الأشقاء القطريين، وأكدوا بدورهم أن كل ما جرى لا يخرج عن إطار الحدث الرياضي البعيد كل البعد عن الشأن السياسي".

الإيرانيون.. الاحتجاج خارج الحدود

استغل الإيرانيون هذا الحدث الضخم والوسائل الإعلامية العالمية التي تغطيه لتوصيل رسالتهم للعالم احتجاجًا على الأوضاع السياسية والحقوقية والاقتصادية في بلادهم، تشارك في ذلك اللاعبون والجمهور معًا، حيث امتنع لاعبو المنتخب عن أداء النشيد الوطني قبل مباراتهم الافتتاحية في البطولة مع إنجلترا التي أقيمت بالأمس 21 نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ وخسروا فيها بنتيجة هي الأسوأ على مدار مشاركاتهم المونديالية، إذ منيت شباكهم بستة أهداف مقابل هدفين.

وقد التزم اللاعبون الصمت في أثناء عزف نشيد بلادهم في ملعب خليفة الدولي الذي احتضن المباراة، وظهروا جادين وتبدو عليهم علامات الحدة، وكان لاعب المنتخب إحسان حاج صافي عشية المباراة قد أعلن دعمه للتظاهرات الإيرانية قائلًا: "نحن معهم. ونحن ندعمهم. ونحن نتعاطف معهم"، فيما علق المدير الفني للفريق كارلوس كيروش على هذا الموقف بأن لاعبيه "أحرار في الاحتجاج".

وتتواصل المظاهرات الاحتجاجية في شوارع إيران منذ أكثر من شهرين، وذلك على خلفية وفاة الشابة مهسا أميني بينما كانت رهن احتجاز شرطة الأخلاق، وتعد تلك الاحتجاجات واحدة من أكثر التحديات للنظام الإيراني منذ الثورة الإسلامية عام 1979، حيث رُفعت شعارات تطالب بإسقاط النظام وهدم سلطة الملالي.

ومن الملعب إلى المدرجات، حيث رفعت مشجعات إيرانيات شعارات النصر وحملن لافتات تطالب بحرية المرأة مكتوب عليها "الحرية لإيران" و"الحرية لنساء إيران"، وعلى أنغام الموسيقى دوى هتاف "امرأة.. حياة.. حرية" جنبات الملعب،  وكانت تلك الشعارات المناهضة للنظام الإيراني حاضرة هي الأخرى خارج الإستاد حيث ارتدى بعض المشجعين قمصانًا مرسومًا عليه قبضة اليد وفوقها كلمات "زان، زندغي، أزادي"، وأخرى عليها خريطة إيران، ملونة بألوان العلم الإيراني، وعليها شعارات احتجاجية تطالب بحرية المرأة الإيرانية.

واعتاد الإيرانيون توظيف مثل تلك الفعاليات للتعبير عن مطالبهم الحقوقية والسياسية والاحتجاج على انتهاكات نظام الملالي، ففي مونديال روسيا 2018، رفعوا شعارات مشابهة لتلك التي رفعوها في قطر، فيما علق الاتحاد الدولي لكرة القدم حينها بأنه سمح لمشجعين إيرانيين بحمل لافتات احتجاجية في أثناء مباراة منتخب بلادهم ضد نظيره المغربي في المونديال الروسي، لافتًا أنها شعارات اجتماعية وليست سياسية.

التوظيف غير الرياضي للمونديال لا يتوقف عند القضايا السياسية والوطنية فقط، بل يتطرق إلى قضايا الهوية والثقافة والدين كذلك، وهو ما يمكن قراءته في الشعارات المرفوعة دفاعًا عن الهوية العربية الإسلامية وضرورة احترام ثقافة الدولة المستضيفة للحدث، الذي لاقى تفاعلًا كبيرًا لدى الشارع العربي والإسلامي في مقابل هجوم غربي.

لم يكن مونديال قطر الحدث الوحيد الذي توظفه الشعوب للتعبير عن قضاياها، فمثل تلك الفعاليات باتت متنفسًا للشعوب المقهورة في بلادها التي تعاني من تضييق خناق وكبت وانتهاكات إذا ما عبرت عن آرائها هناك، أو تلك التي تواجه تحديات لتحصيل حقوقها، وعليه تجد في ذلك فرصة مواتية لكشف همومها الوطنية على مرأى ومسمع من الجميع.