لم يكن يدور بخلد "عبد الرحمن" (40 عامًا) أن تترك يناير في وجدانه كل هذا التأثير، إلى الحد الذي باتت ذكرياته خلال أيام الثورة الـ18 وردًا يوميًا على مائدة الطعام وأمام شاشات التلفاز وهو جالس مع نجليه، يحيى وأسامة، وكلاهما لم يشهد الثورة بعد.

"حين أحتضن أبنائي وأحدثهم عن ذكرياتي مع الثورة كأنني أقص حكايات عشق أسطورية، فكل لحظة تحتاج إلى أيام طويلة لأصف تفاصيلها، الأجواء المفعمة بالحماسة المفرطة، رفاق الميدان ولحمتهم الروحية والجسدية، معارك الكر والفر أمام عساكر الأمن المركزي وجحافل بلطجة الحزب الوطني، كنا نشعر أن هناك إرادة سماوية تدفعنا دفعًا نحو الموت كأنه الحياة" هكذا بدأ عبد الرحمن حديثه لـ"نون بوست" عن حنينه للثورة والميدان.

خاب من ظن أن الثورة حدث سياسي ينتهي بزوال تبعاته وتفاصيله، وجهل من توهم أن يناير كانت مؤامرة بقصد الحصول على كراسي أو مناصب، ففي حياة بعض الشعوب محطات فارقة، وفي مسيرة الأمم والحضارات علامات محورية، وكانت يناير وستظل واحدة من تلك المحطات وإحدى العلامات التي شكلت وجدان الشعب المصري، وحكاية تتوارثها الأجيال وتتحاكى بها جيل بعد جيل.

حنين لا ينقطع

يواصل عبد الرحمن حديثه عن يناير: "من يظن أنه قد مر 12 عامًا على الثورة؟ والله إني لأشعر بها وكأنها لم تفارقني، ذات الحنين ونفس المشاعر التي ما تغيرت ولن تتغير، هناك ارتباط وثيق غير مفهوم بين الثورة والثوار، تشعر كأنها علاقة أبدية لا تنفصم عراها بمرور الوقت ولا عوامل التعرية السياسية والمجتمعية" هكذا أكمل حديثه.

ويشاطره الرأي "عمر" (37 عامًا) الذي ما زال يعاني من إصابة تعرض لها خلال جمعة الغضب 28 يناير/كانون الثاني 2011، ويشير إلى أن الجرح الذي أصابه تحول فيما بعد إلى "أيقونة جسدية" تذكره بـ"بالأيام اللي مبتتنسيش"، على حد تعبيره.

ويستعيد الشاب المصري ذكرياته عن الثورة مع "نون بوست" قائلًا: "تعرفت على أكثر من 20 شابًا خلال إقامتي في الميدان طيلة أيام الثورة، وما زلنا حتى اليوم نجتمع كل فترة ونحكي قصص ومواقف الميدان وكيف كانت أحلامنا وأمانينا، بعضنا خارج البلاد بحكم الملاحقة والآخر هنا، لكننا نجتمع إما عبر لقاءات حية وإما أونلاين، وكأن الثورة هي الخيط الفكري الأبرز الذي يجمعنا رغم أننا من طبقات اجتماعية وفكرية وعلمية مختلفة"، وأضاف: "لم أترك مكانًا في بيتي إلا وعلقت فيه صورًا توثق مشاركتي في الثورة".

حميمية العلاقة بين يناير وأهلها مسألة قطعية الثبوت، ومن يحاول زعزعتها كأنما يحرث في الماء، ففي ظل تلك الأجواء الملبدة بغيوم اليأس والإحباط والقنوط من أي تحسن في ظل الفشل على كل المسارات تبقى يناير الروح الوجدانية التي يلتف أبناؤها حولها

أما "أشرف" (39 عامًا) فحاول كفكفة دموعه وهو يقص رواية رفيقه في الميدان (عمر) الذي لفظ أنفاسه على صدره بعد تعرضه لرصاصة غادرة خلال أيام الثورة، ويقول: "كان شابًا من أسرة ميسورة الحال، وكان بيته ليس بعيدًا من وسط القاهرة، فالأمر لا يتجاوز 15 دقيقة بالسيارة، لكنه أصر على البقاء معنا، وكان يجلب الطعام كل يوم لإطعام من هم من الأقاليم، كان حماسه أسبق من وداعته، وأعنف من ثباته، فكان يلقي بنفسه أمام عساكر الأمن والبلطجية الذين ملأوا الميدان، حتى سقط فجأة على مرأى ومسمع من الجميع، لا نعرف من أي جاءته الرصاصة، لكن المؤكد أنها رصاصة غدر لا تأتي إلا من غادر".

وأضاف "بعد الثورة بثلاث سنوات رزقني الله بمولد أسميته عمر، ومنذ ولادته أقص على مسامعه قصة عمه البطل رفيق أبيه، ولا يمر شهر حتى نزور والدته التي غيب الحزن على ولدها بصرها، وتفرح جدًا بزيارتنا لها واستقبالها لنا بعبارتها المشهورة: "أهلا بريحة الغالي".

مئات التغريدات والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي مع ذكرى يناير تعكس حالة فخر واعتزاز تنتاب كل من شارك في الثورة، الكل يستعرض ذكرياته مهما كانت محدودة لكنها في حياته محطة ربما تكون الأهم والأكثر تأثيرًا، حين تحرك بروحه وجسده مبتغيًا مستقبل أفضل لبلاده وأهله وأبنائه.

حميمية العلاقة بين يناير وأهلها مسألة قطعية الثبوت، ومن يحاول زعزعتها كأنما يحرث في الماء، ففي ظل تلك الأجواء الملبدة بغيوم اليأس والإحباط والقنوط من أي تحسن في ظل الفشل على كل المسارات تبقى يناير الروح الوجدانية التي يلتف أبناؤها حولها ليستمدوا منها القدرة على المقاومة والثبات في مواجهة رياح الحياة العاتية.

إلهام يتوارثه الأجيال

تحولت الثورة التي سرت في عروق الشعب المصري إلى جين تتوارثه الأجيال، جين لا يعترف بعوامل الأفول، وإن كان يضعف أو يقوى حسب المغذيات والمحفزات التي تتأرجح بين النشاط والخمول وفق المعطيات السياسية والمجتمعية، لكنها في النهاية تظل موروثًا لا يمكن سلخه عن العروق والدماء.

وهناك جدلية تخيم على موائد النقاش بين أبناء الثورة بعد 12 عامًا على مرورها، تتعلق بمسألة "جيل الثورة" و"الجيل الجديد"، فالبعض يتهم الجيل الذي شارك في الثورة بأنه قد أصابه الوهن بعد كل ما تعرض له من انتكاسات وهزات نفسية، أثرت بشكل أو بآخر على قواه وإرادته، فالكثير منهم خلف السجون والأغلبية خارج البلاد بين مشرد وملاحق، وعليه يحتاج المد الثوري إلى دماء جديدة تتمثل في الأجيال الحاليّة المهيأة لحمل اللواء ورفع الراية.

غير أن هذا الاتهام مردود عليه بحسب الكثير من المحللين والخبراء، بل إن بعضهم يقول إن ما تعرض له جيل يناير يؤهله لإكمال المسيرة وخلق جيل جديد على ذات المرتكزات، مشروع يتوارثه جيل بعد جيل ليبقى على قيد الحياة شعلة توقد شموس الحياة في نفوس الشباب.

أخطر ما يمكن أن يواجه الثورة أن تتحول إلى ذكرى، ساحة مطلقة للحنين المجرد

ويرى الباحث تقادم الخطيب وهو أحد من شاركوا في الثورة أن جيل يناير قادر على استكمال المسيرة، فهم على حد قوله لا يزالوا شبابًا، إذ ضمت الثورة أجيالًا مختلفةً، بعضهم كان عمره لم يتجاوز الثانية عشرة أي بات اليوم 24 عامًا في عنفوان الشباب، لافتًا أن الجيل الذي شارك في الثورة بمثابة الأيقونة والمعلم والخبير الذي ينقل خبراته للشباب الجديد لتحدث الاستمراية والتواصل بين الأجيال على استكمال المشروع الثوري.

وفي الجهة الأخرى يرى مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية ممدوح المنير أن جيل يناير بات منهكًا، إذ تربى في "كنف الوداعة واللا نضال أيام مبارك، رغم ظلم وبطش النظام وقتها، لكنه كان بطشًا محدودًا، أما جيل الشباب الحاليّ فيعاني، برأيه، من ظلم دون حدود أو قيود، ما يجعله أقوى وأصلب عودًا"، مستدركًا حديثه بقوله: "لكن دراسات وأبحاث العلوم السياسية تؤكد نضج جيل الثورة، واستعداده لحمل مشعلها في ظل تضخم مخزون الظلم والقهر وتدهور الوضع الاقتصادي، الذي يمكن أن يؤدي لانفجار مجتمعي إذا تسلمته قيادة ذكية وحكيمة للمعارضة يمكنها تحويله إلى ثورة جديدة".

الحنين وحده لا يكفي

لا ينكر أحد أن هذا الحنين المتقد للثورة هو جزء من إبقاء جذوتها مشتعلة في الصدور، حتى لو كان الاشتعال لا يتجاوز المشاعر الدفينة دون أن يترجم إلى ممارسات أو سلوكيات تحول هذا الحنين إلى واقع ثوري معاش، لكن هنا تساؤل يفرض نفسه: ما فائدة هذا الحنين إن لم يتحول إلى واقع؟ وهل وحده كافيًا لتحقيق أحلام الثائرين بالحرية والكرامة؟

الأكاديمي والباحث السياسي خليل العناني يرى أن حالة "النوستالجيا" التي تهيمن على المشاركين في إحياء ذكرى الثورة لا تخلو من شعور كامن بالهزيمة، وعدم القدرة على فعل أي شيء في مواجهة الواقع، لافتًا في مقال له أن هذا الشعور قد يكون مفهومًا ومتقبلا نسبيًا في ظل توحش النظام الحاكم ومؤسساته القمعية التي توجه ضرباتها الاستباقية إزاء كل من يفكر في تكرار سيناريو الثورة مرة أخرى.

ويكشف الباحث المصري أن حالة الحنين للثورة لا ترجع لبطش النظام فحسب، بل أيضًا "لحالة التشرذم والتفتت التي تبدو عليها القوى الرافضة للعسكر وللاستبداد"، محذرًا من أن هذا الشعور "يتحول بمرور الوقت، إلى طاقةٍ سلبيةٍ ليس فقط تدفع للاستسلام وعدم التفكير في كيفية مواجهة هذا الوضع، وإنما تقاوم، أو تسّخف أي محاولة للتفكير خارج الصندوق والعمل على مواجهة هذا الوضع، أو أن يصبح مجرد التفكير في مسألة التغيير كما لو كان ضربًا من الخيال".

ويتفق معه في الرأي الكاتب الصحفي محمد جبريل الذي يشير إلى أن أخطر ما يمكن أن يواجه الثورة أن تتحول إلى ذكرى، ساحة مطلقة للحنين المجرد من أي فعل، مقسمًا الحنين إزاء الثورة إلى مشهدين "الحنين للثورة المغدورة كماضٍ ذهبي لا مجال لتكراره، والحنين للثورة القادمة كنبوءة في يد "التاريخ" يحققها كيف يشاء، وكأن الصراع بين القوى المختلفة تحسمه لحظة مشهدية في ميدان ما، أو نبوءة ما، وليست تحسمه القدرة على تحقيق السيطرة السياسية والثقافية بشكل مستمر".

ويمر قطار الثورة شهرًا تلو الآخر، وعامًا بعد عام، تتغير الوجوه وتتبدل الأحداث، لتبقى يناير هي الحنين الذي لا ينقطع خيطه، المائدة التي يتجمع عليها كل الرفقاء من شتى الانتماءات، الرابطة الأخوية التي تفوق كل الروابط، مصدر الفخر الأول والأخير للمشاركين فيها، الحدث الأهم في حياة هذا الجيل.