ترجمة وتحرير نون بوست

مثل الاستحواذ الروسي على شبه جزيرة القرم في مارس الماضي صدمة استراتيجية لألمانيا، إذ أصبح الهجوم الروسي فجأة خطرًا على الأمن الأوربي الذي اعتبرته ألمانيا مسلمًا به منذ نهاية الحرب الباردة، وأشار إلى أن روسيا لم تعد راغبة في شراكة مع أوربا كما كانت، حيث أمضت برلين العقدين الماضيين تحاول توطيد علاقاتها السياسة والاقتصادية مع موسكو من هذا المنطلق. ورُغم أهمية روسيا للتجارة الألمانية، واعتماد ألمانيا على الغاز الروسي، قررت المستشارة الألمانية أنغلا مِركِل أن تمضي قدمًا في فرض عقوبات على روسيا، وأقنعت أعضاءً آخرين في الاتحاد الأوربي بفعل الشيء نفسه. ومع ذلك، فإن الأزمة الأوكرانية أعادت إلى السطح الأسئلة القديمة حيال علاقة بألمانيا ببقية دول الغرب.

في أبريل الماضي، سألت محطة الإذاعة الألمانية، ARD، الألمان عن ماهية الدور الذي يعتقدون أن بلادهم يجب أن تلعبه في الأزمة، وقد قال 45٪ فقط أنهم يريدون من برلين أن تنحاز لحلفائها في الاتحاد الأوربي والناتو، في حين قال 49٪ أنهم يريدونها أن تكون الوسيط بين روسيا والغرب. دفعت نتائج هذا الاستطلاع مجلة شبيجل الألمانية المعروفة إلى نشر موضوع مطوّل في مايو الماضي عن تراجع ألمانيا عن المعسكر الغربي، وتصاعد أزمة الهوية فيها بين الانتماء للشرق والغرب.

يمكن لنا فهم رد ألمانيا على الأزمة الأوكرانية في إطار الفترة الطويلة الماضية التي ازداد فيها ضعف الـ“وِستبيندونغ” — وهي الكلمة المستخدمة للإشارة إلى التكامل مع العالم الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بدأ هذا الوهن ينال من الوستبيندونغ في أوائل التسعينيات، حين سقط حائط برلين، وأدى توسّع الاتحاد الأوربي إلى التخفيف من اعتماد برلين على الولايات المتحدة في مواجهة روسيا. في نفس الوقت، ازداد الاقتصاد الألماني القوي اعتمادًا على قوى شرقية مثل الصين مثّلت أسواقًا رئيسية للصادرات الألمانية. ورُغم أن ألمانيا لا تزال ملتزمة بعملية التكامل الأوربي، إلا أن هذه العوامل “الشرقية” الجديدة دشّنت سياسة خارجية ألمانية “ما بعد غربية”، إن جاز القول.

تحوّل كهذا بطبيعة الحال يمثل مجازفة كبيرة، فبالنظر لقوة ألمانية المتزايدة داخل الاتحاد الأوربي، يبدو أن علاقاتها ببقية بلدان العالم ستُملي بشكل كبير مصير أوربا في المرحلة المقبلة.

المُعضلة الألمانية
لطالما كانت علاقة ألمانيا بالغرب علاقة معقّدة، فمن ناحية تُعَد الكثير من الأفكار السياسية والفلسفية المركزية في الغرب ألمانية المنشأ، على سبيل المثال لا الحصر إمانويل كانط، وكارل ماركس، وفريدريك نيتشه، ولكن من ناحية أخرى، يحتوي تاريخ ألمانيا الفكري على صفحات سوداء هددت كثيرًا القيم الغربية، مثل القومية الألمانية التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر وتنامى دورها في تعريف الهوية الألمانية بوضعها في مواجهة القيم الليبرالية والعقلانية التي حملت رايتها الثورة الفرنسية ومنظومة التنوير ككُل. بلغت تلك الأفكار ذروتها في العصر النازي، فيما يعتبره المؤرخ الألماني هاينريش أوجوست فينكلر، “ذروة الرفض الألماني للعالم الغربي”. هكذا إذن كانت ألمانيا، ولا تزال، مُعضلة؛ فهي جزء من الغرب، بيد أنها منبع الأفكار الأكثر تحديًا للمنظومة الغربية.

بعد الحرب العالمية الثانية، اندمجت ألمانيا الغربية في عملية التكامل الأوربي، وفي عام 1955، في ذروة الحرب الباردة، انضمت إلى حلف الناتو. هكذا أصبح الوِستبيندونغ على مدار 40 عامًا ضرورة ألمانية، دفعت البلاد لتوثيق التعاون الأمني مع حلفائها الغربيين، متجاوزة أي هدف آخر للسياسة الخارجية الألمانية. ظلت ألمانيا تعتبر نفسها قوة غربية طوال فترة التسعينيات بعد توحيدها مع ألمانيا الشرقية، وتبنت اليورو في عهد المستشار هيلموت كول، وبدا بنهاية ذلك العقد أن برلين تصالحت أيضًا مع فكرة استخدام قوتها العسكرية لتحقيق التزامها بمهام عضوية حلف الناتو، حيث تعهد المستشار جيرهارد شرودر، بعد حادثة 11 سبتمبر، بإرسال قوات ألمانية إلى أفغانستان في إطار قوات الناتو هناك.

بيد أن العقد المنصرم شهد تحولًا في نظرة برلين إلى بقية العالم الغربي، انطلقت شرارته عام 2003، حين رفض شرودر المشاركة في حرب الولايات المتحدة على العراق، وتحدث لأول مرة عن “الطريق الألماني” في مواجهة “الطريق الأمريكي”. منذ ذلك الحين، عادت المعارضة الألمانية لاستخدام القوة العسكرية مجددًا، خاصة بعد فشل مهمة الناتو في أفغانستان، والتي حوّلت من عقيدة “لا أوشفيتز بعد اليوم” (أوشفيتز تشير لمعسكرات النازية التي جُمع فيها اليهود والغجر)، التي استلهمتها ألمانيا للمشاركة في التدخل العسكري في كوسوفو لوقف مذابح الصرب، إلى “لا حروب بعد اليوم.” حاليًا يقول معظم سياسيّي ألمانيا، على اختلاف توجهاتهم، أن بلادهم هي قوة من أجل السلام فقط — فريدِنماخت.

دفع هذا الالتزام بالسلام كلًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي إلى اتهام ألمانيا بتقاعسها عن تأدية واجبها رُغم تمتعها بكافة مزايا التحالف الغربي، وهو ما أشار له ضمنيًا وزير الدفاع الأمريكي السابق روبرت جيتس عام 2011، حين تحدث في بروكسل عن خطورة تحوّل الناتو إلى منظومة ذات نوعين من الأعضاء، “أولئك الذين يستفيدون ويدفعون الثمن ويتشاركون أعباء التزامات التحالف، وأولئك الذين يستفيدون من عضوية الناتو ولكن يرفضون تشارك المخاطر والتكاليف.” أثناء حديثه، وجه جيتس نقدًا لاذعًا لأعضاء الناتو غير الملتزمين بنسبة الإنفاق على الدفاع المتفق عليها، وهي 2٪ من الناتج القومي — مشيرًا بالطبع لألمانيا حيث يقف الإنفاق عند 1.3٪، وهي مشكلة تُلام عليها برلين حتى من أقرب حلفائها في باريس، حيث انتقدت فرنسا من قبل عدم اضطلاع ألمانيا بما يكفي لدعم تدخلاتها العسكرية في مالي وأفريقيا الوسطى.

نهاية الوِستبيندونغ
أحد أهم أسباب تجاهل ألمانيا لالتزاماتها داخل الناتو هي أن الوِستبيندونغ لم يعد ضرورة استراتيجية منذ وقت طويل، وهو نتاج طبيعي لتوسع الاتحاد الأوربي وحلف الناتو في وسط وشرق أوربا، والذي شكل حزامًا عريضًا من الحلفاء حول ألمانيا، مثل بولندا والتشيك والمجر ورومانيا وليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، كما قال فولكر روهِه، وزير الدفاع الألماني السابق. بوجود هذا الحزام، تلاشت أسباب اعتماد برلين على واشنطن، والتي كانت مدفوعة في السابق بمخاوف ألمانيا من أعداء عسكريين محيطين بها، أبرزهم الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو.

في الوقت نفسه، وفي ظل طلب محلي اقتصادي منخفض، ومع تزايد قوة التصنيع الألمانية على مدار العقد الماضي، أصبح الاقتصاد الألماني معتمدًا بالأساس على صادراته للخارج، خاصة البلدان غير الغربية مثل الصين وروسيا. طبقًا للبنك الدولي، كانت الصادرات الألمانية تساهم بحوالي 33٪ من الناتج القومي عام 2000، ثم قفزت إلى 48٪ عام 2010. لم يكن هذا التحوّل محصورًا في عالم الاقتصاد فقط، حيث شهدت برلين تزايد اعتماد سياستها الخارجية على مصالحها الاقتصادية منذ عهد شرودر، خاصة مسألة الحاجة إلى مستوردين.

علاوة على هذين العاملين، الأمني والاقتصادي، يبدو أن معاداة الولايات المتحدة تتنامى لدى الرأي العام الألماني، وهو ما ساهم أيضًا في تحول السياسة الخارجية، فإذا كانت حرب العراق قد أعطت الألمان الثقة في الابتعاد عن واشنطن في مسائل الحرب والسلام، فإن الأزمة المالية لعام 2008 قد أعطتهم الثقة أيضًا للافتراق الاقتصادي عنها، إذ برهنت الأزمة للكثير من الألمان على فشل النموذج الرأسمالي الأنجلوساكسوني، ومثلت دليلًا على قوة نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الألماني. بالإضافة إلى ذلك، تدهورت سمعة واشنطن بشكل أكبر عام 2013 بسبب التسريبات التي أثبتت تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكي على الألمان، بل وعلى هاتف المستشارة الألمانية أنغلا مركل نفسها. الألمان والأمريكيون لا يشاركون نفس القيم كما في السابق على ما يبدو، هكذا يعتقد اليوم الكثير من الألمان.

لا شك أن ثقافة ألمانيا الليبرالية، والتي نشأت كنتيجة لاندماجها في العالم الغربي، ستبقى موجودة، ولن تعود للوراء إلى العقلية النازية بأي شكل، ولكن مسألة البقاء في معسكر واحد مع حلفائها الغربيين من عدمه، في ظل اعتمادها الاقتصادي على بلدان غير غربية لتحقيق نموها الاقتصادي، هو أمر ستكشف عنه الأيام.

يمكن لنا أن نستشف ماهية السياسة الخارجية الألمانية ما بعد الغربية مما جرى عام 2011، حين امتنعت ألمانيا عن التصويت على قرار في مجلس الأمن بالأمم المتحدة يقضي بالتدخل العسكري في ليبيا، وانحيازها إلى روسيا والصين في تلك المسألة. يصر المسؤولون الألمان أن هذا القرار لا بدلل على تحول عام في السياسة الخارجية الألمانية المتحالفة مع الغرب، ولكن الاستطلاع الذي أجرته دورية إنترناسيونال بوليتيك بُعَيد التصويت أظهر انقسام الألمان إلى ثلاثة تيارات؛ التعاون مع الغرب، والتعاون مع بلدان مثل الصين والهند وروسيا، ومع كليهما.

الأوستبوليتيك الجديد
لطالما كانت سياسة ألمانيا تجاه روسيا قائمة على التفاعل السياسي والاعتماد الاقتصادي المتبادل، حتى قبل انتهاء الحرب الباردة بعقود. فحين أصبح ويلي برانت مستشارًا لألمانيا الغربية عام 1969، شرع في موازنة الوِستبيندونغ بعلاقة مفتوحة مع الاتحاد السوفيتي، وانتهج ما عُرف فيما بعد بنهج “أوستبوليتيك”، أو السياسة الشرقية. كان برانت على قناعة بأن تعزيز الصلات السياسية والاقتصادية بموسكو سيؤدي إلى إعادة وحدة ألمانيا، وهي استراتيجية أطلق عليها مستشاره إيجون بار “التغيير عبر التقارب” — Wandel durch Annäherung.

منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، توسعت بقوة تلك العلاقات الألمانية الروسية، حيث بدأ المستشار الألماني شرودر في سياسة جديدة مستلهمة من برانت، هي “التغيير عبر التجارة” — Wandel durch Handel. دفع صناع القرار الألمان بقوة نحو هذا التوجه، خاصة الديمقراطيين الاجتماعيين، واعتبروها “شراكة من أجل التحديث” تقوم فيها ألمانيا بدعم روسيا بالتكنولوجيا لتحديث اقتصادها، وبالتالي سياستها.

تفسر لنا تلك العلاقات المتينة عدم رغبة ألمانيا في فرض عقوبات على روسيا في بداية الأزمة الأوكرانية مطلع هذا العام، وهو قرار واجه ضغطًا كبيرًا بالفعل من قوى مختلفة في الصناعة الألمانية نظرًا للشراكة الاقتصادية القوية مع موسكو، خاصة لجنة العلاقات الاقتصادية بشرق أوربا التي قالت بأن العقوبات ستضر بشدة باقتصاد ألمانيا. لم ينتهي الأمر بالضغط فقط، بل وصل إلى أبعد من ذلك، حيث زار جو كايزر، المدير التنفيذي لشركة سيمنز الألمانية، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منزله بموسكو بُعيد استحواذ روسيا على شبه جزيرة القرم، وطمأنه بأن شركته لن تسمح بتأثير الاضطرابات الآنية على علاقتها مع بلده، والتي تعود استثماراتها في موسكو إلى حوالي قرن ونصف.

تعتمد ألمانيا بشكل كبير على الطاقة الروسية، وهو ما دفع برلين في البداية للابتعاد عن خيار العقوبات، خاصة حين اتبعت البلاد خطى اليابان وأغلقت مفاعلاتها النووية مبكرًا عن الموعد المحدد لوقف الاعتماد على الطاقة النووية، وهو ما زاد من الاعتماد على الغاز الروسي. بحلول عام 2013، كانت الشركات الروسية تزود ألمانيا بـ38٪ من احتياجاتها من النفط، و36٪ من احتياجاتها من الغاز، ورُغم أنه بإمكان ألمانيا تنويع مصادرها بالتوجه للطاقة البديلة، إلا أن تلك العملية ستسغرق عقودًا.

لذلك، واجهت مِركِل صعوبات جمة لتستطيع دعم العقوبات على روسيا، ليس من الصناعات فحسب، بل ومن الرأي العام الألماني نفسه، فبينما كانت واشنطن وعدة عواصم أوربية تتهم ألمانيا باللين مع روسيا، كان الألمان يتهمون حكومتهم بأنها عدوانية أكثر من اللازم تجاه موسكو. حتى وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، والذي يعتبره كثيرون متعاطفًا مع روسيا، لم يسلم من هذا الاتهام. يشي بهذا التوجه العام في ألمانيا ما تعرّض له الصحافي الألماني بِرند أولريش، والذي تلقى سيلًا من الرسائل على بريده الإلكتروني تتهمه بالكراهية ودعم الحرب بعد أن دعا إلى تشديد العقوبات على بوتين. على حد قوله، يعتقد أولريش أن بوتين ليس هو الشخص الوحيد الذي يشعر بـ”قمع الغرب”، بل يشاركه في ذلك الألمان أيضًا!

هذا التعاطف والانحياز لصالح روسيا ليس وليد الأمس، بل له تاريخ طويل في ألمانيا.

بين الألمان والروس
في عام 1918، كتب الألماني توماس مان كتاب “خواطر رجل غير مسيَّس”، قال فيها بأن الثقافة الألمانية مختلفة عن، وأسمى من، ثقافات غربية أخرى مثل فرنسا وبريطانيا، وأنها تقع في مكان ما بين الثقافة الروسية والثقافات الأوربية الأخرى. لعل الأحداث قد طغت على خواطره تلك آنذاك، ولكنها تشهد الآن عودة قوية في الأشهر الأخيرة، وهو ما دفع المؤرخ الألماني فينكلر، الناقد لتلك الأفكار، إلى الكتابة في شبيجل في أبريل الماضي، وانتقاد الألمان الداعمين لروسيا، والذين يروجون للأسطورة — في نظره — القائلة بأن هناك رابطًا روحيًا أو ثقافيًا بين ألمانيا وروسيا يجعل الألمان مختلفين عن بقية العالم الغربي.

بالنظر لهذه الانقسامات في الشارع الألماني، وفي صفوف نخبتها الثقافية، كانت مهمة مركل في التعامل مع استحواذ روسيا على القرم صعبة للغاية، إذ كان لزامًا عليها أن تترك الباب مفتوحًا لأطول فترة ممكنة للوصول لحل سياسي، وهو ما دعاها إلى الحديث لساعات مع بوتين على الهاتف، وإرسال وزير خارجيتها للوساطة بين موسكو وكييف.
لم تقرر مركل تشديد موقفها تجاه بوتين إلا حين وقعت حادثة سقوط طائرة الطيران الماليزي MH 17، في يوليو 2014، على أيدي الانفصاليين الروس كما قيل، وحتى حينها ظل دعم الشارع الألماني للعقوبات منخفضًا. بحلول أغسطس، أظهر استطلاع للرأي أن 70٪ من الألمان يؤيدون جولة جديدة من العقوبات على روسيا، تشمل منع حصول رجال أعمال روس كبار على تأشيرات الدخول لأوربا وتجميد أرصدتهم، بيد أن 49٪ فقط قالوا بأنهم سيدعمونها إذا ما ثبت أنها ستضر الاقتصاد الألماني. من المتوقع أن يقل هذا الدعم للعقوبات إذا ما شهد الاقتصاد الألماني ركودًا في الفترة المقبلة كما يقول بعض المحللين، ورغم أن الشركات الألمانية قد قبلت العقوبات على مضض، إلا أنها لا تزال تضغط على مركل لتخفيفها قدر الإمكان.

بطبيعة الحال، يُعَد الحل العسكري مرفوضًا بشكل مطلق في برلين، فقُبَيل قمة الناتو في ويلز في سبتمبر الماضي، أعلنت مركل عن معارضتها لخطط التحالف إنشاء قواعد دائمة للتواجد العسكري في شرق أوربا، وقالت بأن خططًا كهذه تنافي ميثاق روسيا والناتو لعام 1997.

باختصار، لا طاقة ألمانيا على المساهمة في جهود لاحتواء روسيا.

الارتكاز الصيني
العلاقات المتينة بين ألمانيا والصين، والتي تزداد قوة، تدلل أيضًا على عصر السياسة الألمانية ما بعد الغربية. لقد استفادت ألمانيا كثيرًا من العلاقات الاقتصادية مع الصين، لا شك في ذلك، حيث نمت صادراتها إلى بكين لتصل إلى 84 مليار دولار عام 2013، وهو ضعف قيمة صادرات ألمانيا إلى روسيا. بذلك، تصبح الصين ثاني أكبر سوق للبضائع الألمانية خارج الاتحاد الأوربي، وقد تصبح قريبًا في المرتبة الأولى وتزيح الولايات المتحدة — وهي حاليًا بالفعل أكبر سوق لسيارات فولكس فاجن الألمانية، وسيارات مرسيدس من فئة S.

ازدادت متانة العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل خاص بعد أزمة 2008 المالية، حيث وجد البلدان أنهما في نفس المعسكر فيما يخص نقاشات مستقبل الاقتصاد العالمي، فكلاهما انتقد سياسات التسهيل الكمي الأمريكية، وبذل جهودًا للضغط الانمكاشي على شركائه التجاريين، وقاوم دعوات الولايات المتحدة لاتخاذ الإجراءات الكافية لتصحيح مكامن الخلل في الاقتصاد الكلي على المستوى العالمي. بطبيعة الحال، أصبح البلدان أقرب لبعضهما سياسيًا أيضًا، ففي عام 2011، بدءا عقد اجتماعات مشتركة بين حكومتيهما، وكانت تلك أول مرة تقوم فيها الصين بهكذا خطوة مع بلد آخر.

بالنسبة لألمانيا، تُعَد العلاقات مع الصين اقتصادية بشكل رئيسي، ولكن بالنسبة للصين تُعَد العلاقات استراتيجية، إذ يهم بكين أن تكون هناك قوة أوربية توازن القوة الأمريكية، وتتيح بذلك مساحة أكبر للحركة في النظام الدولي. ألمانيا بالطبع هي مفتاح أوربا كما يعلم صناع القرار الصينيون نظرًا لقوتها، ولكنهم أيضًا يعلمون أنها الأقرب إليهم والأبعد عن الولايات المتحدة بين أعضاء الاتحاد الأوربي الآخرين مثل بريطانيا وفرنسا.

يتعزز إذن محور بكين-برلين في الوقت الذي تتجه فيه واشنطن إلى تشديد مواقفها تجاه الصين كجزء من سياسة الارتكاز الآسيوي الأمريكية الجديدة، والتي تحاول فيها احتواء الصين في شرق آسيا وتفعيل تحالفاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وهو ما يعني مشكلة كبرى للـ”غرب” في الفترة المقبلة.

إذا ما وجدت الولايات المتحدة نفسها في صراع مع الصين حيال أي قضية اقتصادية أو أمنية، فهناك احتمال كبير أن تلتزم ألمانيا الحياد الكامل، لا سيما والدبلوماسيون الألمان في الصين اليوم يحاولون إبعاد أنفسهم عن الغرب بشكل عام، وهي حقيقة جاءت واضحة وموجزة في حوار صحافي أجراه عام 2012 مايكل شيفر، السفير الألماني لدى الصين، قال فيه ببساطة، “أعتقد أنه لم يعد هناك ’غرب’.”

بالنظر لاعتمادها المتزايد على السوق الصيني، ستكون الشركات الألمانية أكثر معارضة من برلين نفسها للدخول في أي صراع مع الصين مستقبلًا، بل وأكثر ربما مما كانت تجاه العقوبات على روسيا. برلين أيضًا ستكون رافضة للدخول في هكذا صراع أكثر مما كانت تجاه روسيا، لا سيما وأن صراعات آسيا لا تهددها بشكل مباشر، وأن أسواق آسيا شديدة الأهمية بالنسبة لها. إذا ما حدث سيناريو كهذا، ستتعرض أوربا لانقسامات كبرى، كما ستحدث انقسامات مشابهة بين أوربا والولايات المتحدة بنفس القدر.
أوربا الألمانية

المخاوف من الحياد الألماني ليست جديدة علينا أبدًا. ففي مطلع السبعينيات حذر هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك، من أن الأوستبوليتيك الألماني قد يصب في النهاية في صالح الاتحاد السوفيتي ويهدد الوحدة الأطلسية، وقال بأن تعزيز الصلات الاقتصادية بالروس سيزيد من اعتماد أوربا على جارها الشرقي ويقوّض التحالف الغربي. كان الخطر الذي رآه كيسنجر بشكل أساسي هو أن تُعرِض برلين عن أي مشاكل خارج أوربا، حتى ولو كانت تهدد المنظومة الغربية ومصالحها الأمنية بشكل مباشر.

كانت واشنطن محظوظة طوال الحرب الباردة ألا تتحقق مخاوف كسينجر، إذ اعتمدت ألمانيا الغربية على واشنطن للدفاع عن نفسها بوجه الاتحاد السوفيتي، ولكن عجلة التاريخ على ما يبدو قد وصلت اليوم إلى نفس النقطة، وهذه المرة في ظل وجود ألمانيا موحّدة وقوية، وفي القلب من أوربا سياسيًا واقتصاديًا، لا ألمانيا غربية على هامش الاتحاد الأوربي لا تزال تلمم جراح الحرب العالمية.

ألمانيا الجديدة ما بعد الغربية، ستجر معها على الأرجح كافة دول وسط وشرق أوربا إذا ما اشتد الانقسام داخل القارة، خاصة تلك الدول التي يعتمد اقتصادها على ألمانيا بشكل لا فكاك منه. إذا ما تركت بريطانيا الاتحاد الأوربي كما نسمع هذه الأيام من مختلف القوى السياسية في لندن، ستصبح هيمنة برلين أشد، وستكون احتمالية عمل الاتحاد وفق ما تقرره برلين أكبر، بالتحديد فيما يخص العلاقات مع روسيا والصين. مع الوقت، قد تجد أوربا نفسها يومًا في مواجهة الولايات المتحدة، وقد يمر “الغرب” بانقسام غير مسبوق لا يمكن أن ينجو منه.

يومًا ما، قد لا يكون هناك غرب بالفعل، كما قال شيفر.

المصدر: فورين آفيرز