إن ما يعطي مسألة العلاقة بين الديني والسياسي أهمية كبرى اليوم هو عودة الفكر الديني وبأشكاله المختلفة (ولا نعني به الإسلام فحسب) إلى الساحة السياسية بصورة أصبح معها من الضروري طرح السؤال: ما طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة اليوم؟ و كيف يمكن مقاربتها في ظل التطورات الفكرية والثقافية الحاصلة في العالم؟ وهل يشكل إقصاء الديني من المجال السياسي حلاً أم هو جوهر المشكلة؟ وهل أن طرح هذه القضايا هو من قبيل الترف الفكري الذي لا طائل من ورائه أم هو من القضايا التي تحتاج إلى حسم على الأقل قبل التوافق على بناء جسم سياسي مشترك يحفظ حقوق الكل الاجتماعي؟

إن التواشج بين الديني والسياسي ليس وليد اللحظة بل إن المتغير في العلاقة هو الذي يجعلها تطرح اليوم بحدة واضحة، فبعيدًا عن كل منطق تهجيني أو إقصائي يمكن القول إن التحول الحاصل في ظل الراهن يتمثل في انتقال الخطاب الديني من موقع المركز الذي تدور حوله القضايا المختلفة بما فيه السياسة بامتداداتها السلطوية (البابوية في مسيحية القرون الوسطى والخلافة بما لها من شرعية دينية وسياسية عند المسلمين) ليصبح هو ذاته ملحقًا بالخطاب السياسي وجزءًا من مشاغل الدولة وليس المحدد لها (في ظل الدولة القومية بأوروبا ودول ما بعد الاستقلال في المنطقة العربية)، فالمتأمل في الواقع السياسي الدولي اليوم يلاحظ حضورًا لافتًا للخطاب الديني لا يمكن إنكاره بأي صورة من الصور؛ فمن الدالاي لاما الشخصية الدينية التي تتولى قيادة تحركات سكان التيبت ضد الصين، إلى حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الحاكم في الهند، إلى اليمين المسيحي ونفوذه الواسع في الولايات المتحدة، إلى أحزاب اليمين الديني في إسرائيل، إلى جيش الرب وحركته المتمردة بأوغندا، إلى الحركات الإسلامية بمختلف تلويناتها في المنطقة العربية والإسلامية، تظل المسألة الدينية حاضرة وبقوة لتُلقي بظلالها على العلاقات بين الدول والشعوب ولتكون مصدرًا لكثير من الصراعات والنزاعات، على أن تركيزنا وانطلاقًا من انتمائنا إلى جغرافيا سياسية محددة وهي المنطقة العربية الإسلامية سيكون متعلقًا بالإسلام السياسي أولاً وأساسًا.

لقد شكل الصعود القوي للأحزاب والجماعات الإسلامية بتلويناتها المختلفة ومذهبياتها المتعددة أمرًا لافتًا في السنوات الأخيرة وتزامن مع اشتداد حدة الحملات الغربية على المنطقة (حرب أفغانستان والحرب الأمريكية على العراق والتحالف الدولي ضد داعش)، بالإضافة إلى المزيد من تصلب الأنظمة الاستبدادية وميلها إلى العنف المفرط، خصوصًا بعد اندلاع موجة الثورات العربية، وهذا التزامن أفضى إلى طرح السؤال حول الأسباب الفعلية لما يجري في المنطقة العربية الإسلامية من تصاعد للعنف والإرهاب بأشكال مختلفة المظهر موحدة الجوهر، وتحاول الأنظمة المستبدة في المنطقة حرف البوصلة عن المسببات الفعلية لما يجري والحديث عن ضرورة مراجعة مقومات الدين باعتبار أن ما يحصل سببه ما يتضمنه الدين (وتحديدًا الإسلام) من تصورات تبرر العنف وتفضي إليه، وهو أمر نستشفه من خطاب عبد الفتاح السيسي الذي دعا فيه صراحة إلى ضرورة إجراء مراجعات دينية عاجلة، تصور قد تتفق معه بعض القوى المغرقة في العلمنة أو جزء من القوى الغربية المناوئة بطبيعتها للإسلام غير أن ما يخفيه هذا التصور هو أن جذور العنف في المنطقة تكمن في بنية الأنظمة السياسية العربية المغرقة في الاستبداد وفيما تعمد إليه القوى الغربية وحليفها الكيان الصهيوني من ممارسات تنتج ردود الأفعال المتشنجة والأشد عنفًا وتطرفًا.

فالتطرف الذي تعرفه المنطقة العربية الإسلامية هو في جوهره سياسي حتى وإن حاول أصحابه منحه صبغة دينية، فثقافة الدم والإقصاء التي يروج لها البعض باسم التكفير الديني هي المكافئ الموضوعي للفكر الإقصائي الغربي تحت عناوين الحداثة وما تعمد إليه الأنظمة من حرق مناوئيها أحياء في الساحات العامة وإصدار أحكام الإعدام بحقهم بالجملة هي النظير لما تُقدم عليه بعض التنظيمات الدينية من قطع لرؤوس أسراها أو حرقهم أحياء، فحالة الصراع هنا تجد جذورها في منطق الغلبة السياسي واجتثاث المخالف وإقصائه تمامًا من المشهد وتحت عناوين مختلفة.

 فالتكفير الديني للمخالف مذهبيًا أو دينيًا ليس إلا التمظهر الآخر لفكرة إلغاء المخالف سياسيًا وإقصائه عن المشهد تحت مبررات مختلفة أبرزها الإرهاب، فهل يمكن أن ينكر كل مراقب موضوعي أن تصاعد الظاهرة العنفية للجماعات الدينية المختلفة (سنية وشيعية) تزامنت مع الغزو الأمريكي للعراق ومحاولة فرض النموذج الأمريكي الظافر على المنطقة بصورته العولمية المشوهة؟ وهل بالإمكان نفي الدور الذي لعبته الأنظمة الاستبدادية في تفريخ جماعات الإرهاب إما مخابراتيًا أو عبر دفع الشباب إلى العنف والفوضى من خلال التضييق على العمل السياسي والنشاط الحزبي المنظم؟ وهل تستطيع القوى الغربية إنكار أن التواطؤ الذي حصل ضد ثورات الربيع العربي والذي قامت هي برعايته ونفذت أجنداته دول تابعة لها بالمنطقة أو دول تتقاطع مصالحها معها هو الذي أفضى إلى الصعود الصاروخي للقوى العنيفة ولحالات القتل على الهوية وللتصفيات الغرائزية خارج كل شرعية أو قانون؟

إن الأزمة الحقيقة لا تكمن في مراجعة بنية الخطاب الديني في ذاته ـ رغم أهمية الفهم التنويري له بوصفه قضية عاجلة وملحة ـ وإنما في مراجعة السياسات الخاطئة التي تسلكها القوى الكبرى والأنظمة الرديفة لها بالمنطقة، فالاستبداد السياسي في كثير من أحواله يرتبط بأشكال من الانغلاق الديني أو الاعتماد على المنطق الطائفي، وتكمن أوجه الخطورة فيه أنه يودي لا فقط بالحريات السياسية وإنما أيضًا بالحريات الشخصية وهو في صراعه مع القوى السياسية المختلفة يحاول مصادرة حق المجتمع في التعبير عن التنوع والتعدد الكامن فيه وهو أمر نلاحظه في كثير من الأنظمة التي تحاول أن تجعل من نفسها صورة الوطن والناطق الوحيد باسمه.

إن الأزمة الحالية التي تعيشها المنطقة العربية هي سياسية بامتياز، والانغلاق السياسي هو الذي يفضي إلى كل أشكال الانغلاق الأخرى (بما فيها التطرف الديني)، والفرصة التي لاحت مع بزوغ فجر الثورات العربية لبناء أنظمة سياسية بديلة تحاول بعض القوى مصادرتها رغم أنها المتنفس الوحيد الممكن للتخلص من حالات الفوضى وانتشار العنف وإرساء نموذج للتعايش لا يقصي أحدًا، وهو ما يعني أن إقصاء تيارات الإسلام السياسي ووضعها في خانة العدو المطلوب رأسه لن يكون حلاً بل ستكون المشكلة الجوهرية التي ستفضي إلى الانقلاب على الساحة السياسية برمتها، غير أن ما يمكن التأكيد عليه قولاً واحدًا هو أن الدين ينبغي أن يظل جامعًا لكل الفئات التي قد يفرقها الاختلاف السياسي والصراع الأيديولوجي، وألا يدخل الساحة بصورة مذهبية قد تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وليكون منطق التعايش والحوار حلاً ممكنًا بوصفه مسألة إجرائية لفك الاشتباك على المستوى الفكري والعقدي بين الديني والسياسي، والديمقراطية منهجًا لفض التنازع حول السبيل الأمثل للوصول إلى السلطة والتداول عليها، والحرية فضاء رحب يضمن الحقوق للجميع ويمنع الاستبداد ويحفظ التنوع والتعدد.