مقاتلون شيعيون تابعون للحشد الشعبي أثناء قتالهم في محافظة الأنبار

ترجمة وتحرير نون بوست

سجّل تنظيم داعش سلسلة من الانتصارات في غضون الأيام القليلة الماضية، ابتداءً من الرمادي في العراق، إلى تدمر في سورية، مثبتًا بذلك أنه قادر على شن هجمات متزامنة على جبهتين متباعدتين.

إن سقوط مدينة الرمادي في محافظة الأنبار هذا الأسبوع بيد التنظيم، سيعمل على زيادة اعتماد الدولة العراقية على قوات الحشد الشعبي، وهو المصطلح الرسمي الذي يشير إلى الميليشيات الشيعية العاملة في العراق، وهذه الأحداث هي جزء من النزعة المتنامية في العراق والشرق الأوسط الكبير المتجهة نحو الاعتماد على القوات شبه العسكرية لمساعدة، أو حتى للحلول مكان، الجيش النظامي ضمن النزاعات الداخلية.

خط المواجهة الجديد بين العراق وداعش هو قاعدة الحبانية العسكرية التي تقع خارج الرمادي، وهذه القاعدة تجد نفسها الآن وللمرة الثانية في تاريخها، في مرمى تقدم القوات المعادية؛ فخلال الحرب العالمية الثانية، كانت الحبانية قاعدة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وكانت محاصرة من قِبل وحدات الجيش العراقي التابعة للحكومة العراقية الموالية للألمان، ومن هناك، شنت القوات العسكرية البريطانية هجمة مضادة في عام 1941، مما أسفر في نهاية المطاف عن سقوط بغداد، أما الآن، يتحصن 3000 مقاتل من الميليشيات الشيعية في الحبانية بغية ردع تقدم داعش، ويتم التخطيط حاليًا للقيام بثاني هجوم مضاد في تاريخ القاعدة.

خلافًا لسقوط الموصل في عام 2014، سقوط الرمادي لم ينجم عن هجوم مفاجئ، بل عن حملة لداعش استغرقت زمنًا طويلًا، حوالي الـ16 شهرًا، والسؤال: لماذا سقطت المدينة طالما أن الدولة العراقية على دراية بالهجوم الوشيك لقوات داعش؟

الفشل في الدفاع

الحكومة العراقية فشلت ببساطة في الدفاع عن المدينة، بالرغم من وجود أعداد كبيرة من القوات العسكرية التقليدية ضمنها، بالإضافة لوجود قوات الميليشيات الأكثر صلابة في المعركة، ولكن يجب علينا الإقرار بأن الدولة التي يهيمن عليها الشيعة، لم تكن تعتبر الرمادي بأهمية مدينة سامراء، التي تحتوي على ضريح الإمام العسكري المقدس لدى الشيعة، والذي أدى تدميره في عام 2006 إلى اندلاع حرب أهلية في العراق، فضلًا عن أن الرمادي مدينة سنية لا تحتوي على سكان من الطائفة الشيعية.

ومن ناحية أخرى، استعادة السيطرة على مدينة تكريت كان لها دلالة رمزية وتكتيكية غائبة عن الرمادي، فمن خلال السيطرة على تكريت، انتقمت القوات الشيعية من المجزرة التي ارتكبها داعش بقوات الجيش الذين كان معظمهم من الشيعة في مخيم قرب قاعدة سبايكر، فضلًا عن أن السيطرة عليها وضع القوات العراقية أقرب جغرافيًا إلى استعادة السيطرة على الموصل، وأخيرًا، تزامنت هجمات داعش الأخيرة على مدينة الرمادي، مع انشغال الدولة العراقية بصد داعش عن بلدة بيجي، وهي البلدة الإستراتيجية المتاخمة لمنشأة تكرير النفط الثمينة.

ومن الواضح أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي اعتمد على نشر الميليشيات الشيعية بنجاح بغية اغتنام تكريت، كان مترددًا في تعبئتهم  للدفاع عن مدينة الرمادي، انطلاقًا من احترامه للأغلبية العربية السنية في المدينة، والتي كانت ستعترض على وجود هذه القوى الشيعية في شوارعها، حتى إن علي الحاتم، أحد شيوخ قبيلة الدليمي العربية السنية، وصف احتمال نشر الميليشيات الشيعية في الرمادي على أنه "يشبه الاحتلال الإيراني للمدينة".

ولكن الآن، وبعد أن سقطت المدينة في يد داعش، يقول أحد شيوخ العرب للميليشيات الشيعية "في هذه المرحلة، نحن نرحب بأي قوة من شأنها أن تأتي لتحررنا من نير داعش"، وهذه التعليقات وردود الأفعال هي بالضبط ما كان ينتظره العبادي، كي توفر له الغطاء السياسي الذي يحتاجه لنشر الميليشيات الشيعية.

فلو نشر العبادي الميليشيات قبل سقوط الرمادي، لكان ساعد على إذكاء الانتقادات التي تصفه بالتحيز الطائفي، ولكن الآن، ومع طلب زعماء العشائر العرب السنة أنفسهم لدعم الميليشيات الشيعية، يمكن للعبادي أن يتفادى انتقادات الولايات المتحدة والانتقادات المحلية التي تذم اعتماده المفرط على هذه المليشيات.

مقاتلو العشائر السنية

ثانيًا، إن سقوط الرمادي يسمح للعبادي أيضًا بدمج مقاتلي العشائر السنية العربية ضمن الميليشيات الشيعية، بدلًا من منحهم قوة مستقلة خاصة بهم، حيث انضم بعض العرب السنة بالفعل إلى قوات الحشد الشعبي في النضال من أجل استعادة الرمادي، وهم يقاتلون إلى جانب الميليشيات الشيعية، كما فعل بعضهم في تكريت.

وهذا التعاون يتفادى الانتقادات المتصاعدة التي تصف الميليشيات بالطائفية، ويزيح عبء إعادة تشكيل قوات الصحوة السنية من على كاهل العبادي، وهي القوات التي تشكلت سابقًا من القبائل العربية السنية، ومُنحت الحكم الذاتي والتمويل من قِبل الولايات المتحدة، لمكافحة تنظيم القاعدة في العراق، مما اضطر معظم أعضاء التنظيم لمغادرة العراق بحلول عام 2008.

ولو قام العبادي بإعادة تشكيل قوات الصحوة، فإن هذا كان سيعمل على تشتيت العراق بثلاث قوات شبه عسكرية منفصلة، أولها البيشمركة الكردية، وهي القوات التابعة لحكومة إقليم كردستان، وثانيها الميليشيات الشيعية، التي تنقسم بحد ذاتها إلى عدة فصائل، وثالثها القوة العربية السنية المستقلة.

في الوقت الذي سعى فيه العبادي جاهدًا لتسليح القبائل العربية السنية في الأنبار، أصبح لدى الحكومة المركزية العراقية الآن المزيد من السيطرة على المقاتلين العرب السنة الذين يحاربون داعش، والذين سيتعين عليهم الانضمام إلى قوات الحشد الشعبي الشيعية للوصول إلى ترسانة الأسلحة المتاحة للميليشيات، حتى يكون بإمكانهم محاربة تنظيم داعش المدجج بالسلاح، وبالنظر إلى أن قوات الحشد الشعبي يتم التحكم بها من قِبل مكتب رئيس الوزراء، فيمكن للدولة الآن أن تدّعي أن الميليشيات هي مؤسسة وطنية بدلًا من كونها مؤسسة طائفية.

إن ديناميكية اللعبة في حرب استعادة الرمادي، هي إحدى حلقات التحول بالأدوار ما بين الجيش والدولة ضمن منظومة الشرق الأوسط ككل، وإحدى هذه الحلقات هي ليبيا، التي انهار جيشها ليتحول إلى ميليشيات متناحرة فيما بينها، والحلقة الأخرى هي مصر، التي لم يقتصر دور الجيش لديها على التدخل في الاقتصاد، بل تحول الجيش المصري ليصبح هو الدولة بحد ذاتها، والعراق سقطت حاليًا ضمن فئة الدول التي شكّلت جيشًا هجينًا من القوات العسكرية وشبه العسكرية في خضم صراعاتها الداخلية، وتشمل الأمثلة على هذه الدول، لبنان، حيث يتواجد حزب الله إلى جانب الجيش اللبناني، وسورية، حيث يقاتل الجيش النظامي والشبيحة (التي تسمى قوات الدفاع الوطني) جنبًا إلى جنب للدفاع عن نظام الأسد، واليمن، حيث تقاتل الميليشيات الحوثية إلى جانب قوات الجيش النظامية الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، والتي استطاعت السيطرة على معظم شمال اليمن.

القاسم المشترك في الدول الأربع السابقة، هي إيران، التي ساهمت في خلق، أو تدريب، أو توفير الأسلحة، لهذه القوات الهجينة، بغية تعزيز نفوذها الإقليمي من خلال تطوير هذه المؤسسات في هذه الدول الضعيفة.

القدرات القتالية

القدرة القتالية لهذه القوات، تختلف عن الجيوش التقليدية في الشرق الأوسط، حيث ظهر بوضوح أن قوات الأمن العراقية التقليدية لا يمكنها محاربة داعش دون العمليات التي تنفذها الميليشيات الشيعية.

تشير التقديرات إلى أن هناك ما مجموعه من 60.000 إلى 120.000 مقاتل ضمن هذه الميليشيات، والمتطوعون من العرب السنة من غير المرجح أن يعملوا على تضخيم هذه الأعداد بشكل ملحوظ، ولكن الميليشيات ليست جيوشًا تقليدية، وهذا مؤداه أنه ليس من الضروري أن يتم تعبئة جميع هذه الأعداد في الوقت ذاته ضمن المعركة، وهذه الأعداد المنخفضة تعني أن قوات الميليشيا لا يمكنها المرابطة في ثكناتها ضمن القاعدة لفترات طويلة، كافية للسيطرة على المنطقة المحيطة بها؛ فهذه القوات هي في الواقع قوات صاعقة، تُستخدم للاعتداء على المدن، ومن ثم الانتقال إلى المعركة القادمة فورًا، وبالتالي قوة المليشيات لا تأتي من أعدادها، بل من قيمتها السياسية، والمتمثلة حاليًا في أن الميليشيات الشيعية قد أثبتت أن الدولة العراقية لا يمكن أن تهزم داعش بدونها.

قبل صعود داعش، بعض وليس جميع، الميليشيات الشيعية كانت تتمتع بحضور سياسي موازٍ في مؤسسات الدولة العراقية، والميليشيات - بشكل عام - تدين بولائها إما لزعيم أو لأجندة ضيقة، وهذا يعني أنه في حال تمت هزيمة داعش في العراق، فإن الدولة العراقية لن تكون مدينة لقادة الميليشيات فحسب، وإنما ستصبح الميليشيات - وليس الجيش الوطني - عماد الدولة العراقية.

المصدر: الجزيرة الإنجليزية