فجر أول أيام عيد الفطر بتاريخ 17 يوليو الماضي وافق إعلان الحكومة اليمنية تحرير المحافظة الجنوبية "عدن" من الحوثيين والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، أكدت حينها الحكومة اليمنية أنها ستعكف على إعادة الحياة الطبيعية في المدينة، وأشارت إلى عزمها إعادة تأهيل بنية المياه والكهرباء والطرقات، وكذلك على عودة النازحين من جيبوتي والصومال ومحافظة حضرموت وغيرها، لكن تلك الوعود من الصعوبة بمكان تنفيذها في ظل الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة، مع نقص المقومات المادية والبشرية لدى الحكومة لتحقيق ذلك.

فبعد أكثر من شهر على التحرير لم تتقدم المدينة الواقعة على الساحل الجنوبي للجمهورية اليمنية خطوة في طريق تعميرها وإغاثة ضحاياها إلا بالقدر الضئيل جدًا، فوصلت بعض المساعدات الإنسانية عبر عدة سفن وطائرات إماراتية وسعودية، مع محاولاتٍ بائسة لتنظيم حركة الشوارع وتوفير السلع بالمحال التجارية وغيرها من الأمور البسيطة التي لم ترق بعد إلى إعادة الإعمار وبناء للمنشآت الحكومية والمدنية التي تضررت من المدارس والمشافي والطرق أو توفير المياه والكهرباء لكافة المناطق بالمدينة وغيرها من الخدمات الأساسية للمواطن.

القتال في مدينة عدن الذي استمر نحو أربعة شهور واستمر معه قصف طائرات التحالف العربي بقيادة السعودية أسفر عن دمار هائل وخسائر فادحة في أرواح المدنيين، فبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكدت أن كل أسرة في اليمن تأثرت بهذا النزاع، وأن السكان في مشقة بالغة بعد أن طالت الهجمات العديد من المنشآت الطبية وموظفي الرعاية الصحية، فضلًا عن الأضرار البالغة التي لحقت بالبنية التحتية المدنية، وأوضح الصليب الأحمر أن إجمالي الخسائر البشرية في المدن اليمنية وصل إلى مقتل نحو 4 آلاف مدنيًا، فيما يعاني ما لا يقل عن 19 ألفًا من إصابات مختلفة، بالإضافة إلى نزوح قرابة 1.3 مليون شخص من ديارهم.

مطار عدن تهدده إرهاصات ما قبل التحرير

رغم تحرير عدن من ميلشيا الحوثي وتوقف قصف طائرات التحالف للمدينة، ومع محاولة المسؤولين في مطار عدن الدولي الواقع على بعد 6 كم من وسط مدينة عدن ترميمه من الدمار الذي لحق به خلال الفترة الماضية، إلا أن ميلشيا الحوثي أعادت قصفها على المطار في 24 من مايو الماضي بعدة قذائف صاروخية من نوع كاتيوشا، وذلك خلال تسليم طائرة سعودية مساعدات إنسانية، حيث سقطت 3 صواريخ قرب المدرج أثناء وجود الطائرة على مدرج الهبوط، وسقطت 7 أخرى بعد إقلاعها، ما يعني أن المطار الذي يحاول التعافي من مصابه بإعادة فتحه بشكلٍ رمزي لاستقبال مساعدات إنسانية وبعض الرحلات اليمنية لا يزال يتهدده الخطر من كل جانب، إذ إن بعض المواقع القريبة من مدينة عدن لازالت تحت سيطرة الحوثيين والقوات الموالية لعلي عبد الله صالح وتتخذها منطلقًا لهجمات صاروخية من حين لآخر على مواقع في مدينة عدن، ما يعني أنه رغم التحرير لاتزال المدينة ومطارها في خطر محدق يهدد الإغاثات الإنسانية وعودة النازحين إلى موطنهم.

معاناة المستشفيات مع تزايد الأمراض

أسرة  مصابة بحروق من الدرجة الثانية والثالثة داخل مستشفى الجمهورية بمدينة عدن

الهجمات التي طالت المدينة في الأشهر القليلة الماضية طالت كذلك المستشفيات والعاملين في المجالي الصحي، حيث إن ما لا يقل عن 150 مرفقًا طبيًا في عدن تعرضوا لأضرار أو دمار، بحسب الصليب الأحمر، لتكافح تلك المستشفيات في سبيل معالجة أعداد المرضى المتدفقين إليها في ظل نقص الإمدادات، حيث أُصيب وجُرح آلاف الأشخاص جراء القتال الدائر، كما أن بعض الأمراض والأوبئة انتشرت بشكلٍ كبير ليواجه مئات المواطنين في عدن الموت البطئ في ظل عدم جاهزية المستشفيات وقلة الأدوية.

ويهدد الموت حياة المئات من ذوي الأمراض المزمنة، ومنهم مرضى الفشل الكلوي، بسبب نفاذ المساحيق والأدوية الخاصة بالغسيل، فكانت وزارة الصحة اليمنية في عدن أعلنت أواخر يونيو الماضي عن إصابة المئات من سكان المدينة بأمراض مختلفة منها حمى الضنك والطاعون والملاريا بسبب انتشار القمامة في شوارع المدينة وطفح مياه الصرف الصحي، تلك الأمراض الوبائية حصدت أرواح مئات المواطنين حيث توفي نحو 586 شخصًا في عدن نتيجة إصابتهم بفيروس حمى الضنك، وهناك أكثر من 8036 حالة مصابين بالفيروس، وذلك بحسب إفادات رئيس اللجنة الطبية العليا في محافظة عدن عبدالناصر الوالي، ورجح الرجل وقتها أن يكون العدد أكبر من ذلك فتلك الإحصائية بنيت على ما وصل للمستشفيات والمراكز الصحية.

كما تحتاج أكثر من 50 ألف امرأة في المدن اليمنية لخدمات الرعاية الصحية، بحسب تقارير الأمومة والطفولة، بينما الأطفال يعتبروا أكثر المتضررين من انتشار الأمراض ونقص الإمكانات الطبية، منظمة اليونيسيف قد أكدت أن ملايين الأطفال يواجهون خطرًا متزايدًا للإصابة بأمراض مُعدية مثل الحصبة والملاريا والإسهال والالتهاب الرئوي، وأوضحت أنهم قد يكونوا عرضة للموت بسببها، وأضافت أن أكثر من مليون طفل معرضين لخطر سوء التغذية الحاد.

عدن تحت أنقاض مبانيها

المدينة البالغ عدد سكانها 551 ألف نسمة وفق تقديرات عام 2004، أجبر الدمار الهائل الذي سببه القتال آلاف الأشخاص منهم على الهروب من منازلهم بعد تدميرها، فيما يظل آلاف آخرين نجوا من الموت يكافحون وسط الدمار الذي طال العديد من مباني المدينة، فلم تكن المناطق المدنية بمنأى عن القتال، فكل الأطراف عانت، ليصبح التحدي الآني إعادة تعمير تلك المباني المدمرة، وإعادة السكان إليها، إضافة إلى ضرورة تنشيط المرافق الحكومية ومراكز الشرطة.

أطفال عدن بلا مدارس

أما المدارس التي أُجبرت على تسريح طلابها وإغلاق أبوابها نتيجة الاقتتال الدامي التي شهدته المدن اليمنية فأمامها هي الأخرى مشوارٌ طويل حتى تعاود عملها، فاليمن ومن بينها المدينة المحررة عدن باتت تواجه خيارات أحلاها مر؛ فالمدارس بعضها أغلق نتيجة تهدم مبانيها، وأخرى أغلقت لنزوح المواطنين الذين تهدمت منازلهم إليها واتخاذها أماكن إيواء آمنة، كما أن عشرات من المعلمين نزحوا كغيرهم خارج الأراضي اليمنية، قالت منظمة اليونسيف أن أكثر من 3.600 مدرسة أُجبرت على الإغلاق في اليمن، وأن ما لا يقل عن 248 مدرسة قد تضررت بصورة مباشرة، في حين أكدت أن 270 مدرسة أخرى تحولت لأماكن لإيواء النازحين و68 مدرسة تحتلها الجماعات المسلحة، وأوضحت المنظمة أن حوالي 1.8 مليون طفل انقطعوا عن الدراسة لمدة شهرين أو أكثر.

أهالي عدن لا زالوا يبحثون عن مقومات الحياة الأساسية

مقومات الحياة الأساسية من المياه والمواد الغذائية والكهرباء والبنزين تسبب معاناه أخرى لسكان اليمن عامةً والمدينة المحررة بشكلٍ خاص، اليمن بالأساس تعد من بين دول العالم الأكثر هشاشة من ناحية أمن المياه إذ تواجه أزمة مياه خانقة عادةً زادت مع الدمار الهائل الذي حل مؤخرًا، فيضطر المواطنون للاصطفاف في طوابير يوميًا للحصول على المياه اللازمة لاحتياجاتهم اليومية، مع محاولات المسؤولين إصلاح شبكة المياه في عدن التي تدمرت بشكل كبير، إذ تستمر محاولات المؤسسة المحلية للمياه بعدن إصلاح خزان المياه الواقع في باب عدن، الذي تعرض للقصف من قِبل مليشيات صالح والحوثيين أثناء غزوها لعدن.

الوقود والبنزين ارتفع سعره بشكل جنوني خلال الاقتتال الدائر، كما ندر وجوده، وأدى زيادة أسعاره إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية حتى وصلت الضعف وأرهقت المواطنين، كما أن هذا الارتفاع أدى إلى توقف مئات الآلاف من السيارات والشاحنات ومضخات آبار المياه وعدد كبير من المصانع والورش والمعامل، كما تسبب في تراكم القمامة في الشوارع التي تسببت في نشر الأمراض والأوبئة، لكن الحكومة اليمنية تحاول التأكيد على أن سعره انخفض كثيرًا، لكن المشكلة هنا أن الاعتماد الأكبر على حل تلك الأزمة مرهون بالمساعدات الإنسانية فلو توقفت تلك المساعدات أو تأخرت تعود الأزمة التي تؤثر سلبًا على الغذاء والكهرباء أيضًا.

صورة نشرها الصليب الأحمر تظهر اصطفاف عشرات الأشخاص في طقس حار جدًا لشراء القمح

النقص الشديد في المواد الغذائية، مع القصف الذي طال بعد مطاحن القمح، وتعرض بعض طواقم الإغاثة الإنسانية التي تحمل الإمدادات الضرورية للهجمات أو التوقيف، وصعوبة استيراد المواد الغذائية مؤخرًا بسبب الاقتتال، حيث إن 90% من المواد الغذائية تستوردها اليمن من الخارج، صعّب ذلك كثيرًا على المواطنين في أمر الحصول على الطعام، فأدت تلك العوامل والمخاطر إلى زيادة أسعار بعض السلع ليصعب على فئة ليست بالقليلة من المواطنين شرائها، إلا أن بعض الدول تسعى حاليًا إلى تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المدينة من خلال مطار عدن الدولي أو ميناء عدن الذي افتتح قبل أيام، وتوقف تلك المساعدات سيفجر تلك الأزمة من جديد.

تعرض منشآت الطاقة الكهربائية وخزانات المياه الحكومية ومحطات الاتصالات لدمار واسع من جراء القتال الدائر تسبب في ظلام دامس للمدينة عاشته لأكثر من أربعة أشهر استمر ذلك حتى بعد تحرير المدينة بشهر، حتى بدأت محطتا توليد طاقة كهربية مقدمتان من دولة الإمارات عملهما، قبل يومين فقط،  ليعود التيار الكهربائي إلى عدد من الأحياء السكنية في مدينة عدن الواقعة جنوب اليمن، إلا أنه تظل هناك أزمة في تسديد مستحقات العاملين في شركة الكهرباء الذين عكفوا على إصلاح وتركيب محطات توليد الكهرباء.

كما أن المدينة لاتزال بحاجة إلى الكثير من الجهود والمعدات لتوليد المزيد من الكهرباء، فإجمالي التوليد في المدينة لم يتجاوز الـ 170 ميجا وما إن تدخل محطة APR مع حلول المساء ستصل الطاقة التوليدية إلى 190 ميجا، في حين أن أجمالي أحمال الشبكة تعدت في اليوم الأول لتشغيل المحطات الـ 240 ميجا وات وكانت جميعها أحمال منزلية، هذا وماتزال معظم المنشآت السياحية والمرافق الحكومية والخاصة والأحمال الصناعية متوقفة، لذا فإن هاتين المحطتين لم تسدا حاجة المدينة بالكامل حتى الآن من الكهرباء.

هذا هو الاختبار الأول لعملية الإعمار بعد تحرير أولى المدن اليمنية وهو ما يعطي تصورًا لما يمكن أن تكون عليه اليمن بعد الحرب، وهو إشارة حمراء تفيد أن دول الخليج التي شاركت في الحرب على اليمن لن تكون عملية إعادة إعمار اليمن نزهة بالنسبة إليها، بعد أن دمرت آلة الحرب الأخضر واليابس في المدن اليمنية.