المأساة:

ككاتبٍ مختصٍّ بالشأن الرياضي، كثيرة كانت المرات التي أمسكت فيها قلمي محاولاً كتابة موضوع يتحدث عن منتخب بلادي لكرة القدم، وغزيرة كانت الدموع التي ذرفتها وأنا أحاول ذلك!

وهأنذا أعيد الكرّة اليوم، على أمل أن أتمكن من كبح جماح عواطفي، والمضي بالمقال في سياقٍ موضوعي رياضي بحت، بعيدًا عن الخوض في عمق مأساة بلادي، التي انطبق عليها قول الشاعر: تِـلكَ الـمُصِيبَةُ أَنسَت ما تَقَدَّمَها .. وَمـا لَـها مِن طِوَالِ الدَّهرِ نِسيانُ.

ذكرياتٌ في البال

رغم شعبها الذي يعشق كرة القدم حتى النخاع، ومواهبها التي لا تكاد تخلو حقبة تاريخية منها، لا تتمتع سورية بماضٍ كروي مشرقٍ على صعيد المنتخب الوطني، ربما بسبب شح الموارد وضعف الاهتمام الرسمي الذي لا تعد الرياضة عمومًا من أولوياته، أو بسبب انتشار البيروقراطية والمحسوبيات في بلدٍ ضربت جذور الفساد عميقًا في تاريخه وطالت جميع مفاصل حياته، ولم تكن كرة القدم استثناءً، فرغم قدم تأسيس اتحاد الكرة نسبيًا - عام 1936 -، ليس للمنتخب السوري الأول من إنجازات تذكر على الصعيدين العالمي والقاري، فتاريخه مع البطولة الكروية الأهم (كأس العالم) عامر بالخيبات المتكررة والخروج الدائم من الأدوار التصفوية، التي كانت أفضل جولاته فيها خلال تصفيات مونديال المكسيك عام 1986، عندما بلغ الدور النهائي من تصفيات القارة الأسيوية وخسر حينها بطاقة التأهل لصالح شقيقه العراقي.

أما على صعيد كأس أمم أسيا فالحال ليس أفضل بكثير، إذ لم يستطع منتخب "نسور قاسيون" تجاوز دور المجموعات في مشاركاته الخمس ضمن النهائيات، والتي كان أولها عام 1980، حيث سجل منتخب سورية الوطني تواجده الأول في المحافل الكروية الكبرى.

وتبقى ذاكرة السوريين محتفظة بذكريات بطولات كأس العرب، التي يحظى المنتخب السوري في سجلاتها باسم يذكر، فهو وصيف ثلاث نسخ منها أعوام (1963، 1966، و1988)، كما أنه يمتلك في خزائنه لقب بطل مسابقة كرة القدم في دورة الألعاب العربية التي أقيمت عام 1957 في لبنان، إضافةً إلى حلوله وصيفًا في مناسبتين عامي 1953 و1997.

كما تعتبر بطولة غرب أسيا من المسابقات المفضلة لدى المنتخب السوري، فهو استطاع الوصول إلى مركز الوصافة فيها مرتين عامي 2000 و2004، قبل أن يتمكن من إحراز لقبه الوحيد فيها عام 2012، في البطولة التي أقيمت في الكويت وفاز في مباراتها النهائية على شقيقه العراقي.

وعلى الرغم من تصنيفها كبطولة للفئات السنية لا للمنتخبات الأولى، تحتل الميدالية الذهبية التي أحرزها المنتخب الأولمبي (تحت 23 عامًا) ضمن فعاليات دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي استضافتها اللاذقية عام 1987، حيزًا هامًا في ذاكرة الجمهور السوري الذي مازال يذكر نجوم تلك الحقبة بكل خير.

المنتخب في زمن الحرب

ألقت الأحداث المأساوية التي عاشتها سورية - ولم تزل - بأوزارها الرهيبة على الجسد الرياضي، ولاسيما كرة القدم، فتوقفت بطولة الدوري فيها مراتٍ عديدةٍ، قبل أن تُتخذ القرارات بحصر مباريات الدوري ضمن تجمعات تقام في ملاعب العاصمة دمشق واللاذقية دون جمهور، كما شهدت الفترة ذاتها هجرة عددٍ كبير من اللاعبين السوريين الذين هربوا من ويلات الحرب نحو بلدانٍ أكثر أمنًا.

أما فيما يتعلق بالمنتخب الوطني الأول، فبعد بلوغه عام 2011 نهائيات أمم أسيا للمرة الخامسة في تاريخه ووداعه منافساتها من الدور الأول كالمعتاد، توقفت عجلة مشاركاته الدولية تمامًا، فعاش حوالي عامين من الركود والابتعاد عن المباريات الرسمية والودية، قبل أن تشهد بداية مشاركاته في تصفيات كأس العالم الأخيرة فضيحة كروية مدوية، تمثلت باستبعاده عن المنافسة من قِبل الفيفا، نتيجة مخالفة تنظيمية سببها إشراك اللاعب جورج مراد، المسجل ضمن لوائح المنتخب السويدي!

ولم تكن مشاركته في تصفيات أمم أسيا الماضية بأفضل حالًا، فودع منافساتها مبكرًا بعد تعرضه لأربع هزائم من أصل ست مبارياتٍ لعبها خلال مرحلة التصفيات، مما أدى لهبوطه إلى أدنى مركز في تاريخه على سلم التصنيف الشهري لمنتخبات الفيفا، وهو المركز 152 عالميًا، وذلك في سبتمبر من عام 2014.

بعدها سعى المعنيون في اتحاد الكرة إلى لملمة شتات المنتخب من جديد، في محاولةٍ للاستفادة من الخبرات التي كسبها اللاعبون السوريون إثر احترافهم الخارجي، فنجحوا منذ أواخر العام الماضي في تحقيق عدة انتصارات ودية على منتخبات تفوقهم تصنيفًا كماليزيا وإندونيسيا والأردن وعُمان وطاجيكستان، مما أدى إلى ارتقائهم على سلم تصنيف الفيفا ليحتلوا المركز الـ14 أسيويًا والـ117 عالميًا، مما خولهم دخول قرعة التصفيات المشتركة لكأس العالم 2018 وكأس أمم أسيا 2019 وهم في الصف الثاني تصنيفيًا، فوقعوا ضمن المجموعة الخامسة إلى جانب منتخبات: اليابان، سنغافورة، كمبوديا، وأفغانستان، حيث استهلوا مبارياتهم شهر يونيو الماضي بفوزٍ عريضٍ على أفغانستان قوامه نصف دستة من الأهداف، في المباراة التي اضطروا لخوضها في مدينة مشهد الإيرانية، تنفيذًا لقرار الفيفا بحظر إقامة المباريات في سورية بسبب أحداث العنف التي تشهدها.

أجيال

يمثل جيل الثمانينيات ومطلع التسعينيات بما احتواه من مواهب ممتازة، الحقبة الذهبية في تاريخ المنتخب السوري، فمال تزال أسماء كمروان مدراتي، كيفورك مارديكيان، جهاد الأشرفي، عبد القادر كردغلي، وليد أبو السل، مالك شكوحي، نزار محروس، جورج خوري، ومناف رمضان، تحمل أطيب الذكريات في قلوب الجمهور السوري العاشق للكرة، ومن بعدهم برز جيل آخر من الموهوبين، على رأسهم الهداف الرائع عبد اللطيف الحلو، والمدفعجي الشهير محمد عفش، والجوكر المشاكس علي الشيخ ديب، والصخرة رضوان الشيخ حسن، ومن ورائهم جاء دور جيل أبطال أسيا للشباب عام 1994، كنهاد البوشي، نادر جوخدار، خالد الظاهر، وعمار ريحاوي، الذين استمر تألقهم حتى منتصف الألفية الجديدة التي شهدت كذلك بروز أسماء كعارف الآغا، سيد بيازيد، وماهر السيد.

وبالحديث عن أبرز لاعبي الحقبة الحالية، نجد أسماءً تألقت بشدة ولكن بريقها خفت مؤخرًا، كفراس الخطيب، عاطف جنيات، عبد الفتاح الآغا، وجهاد الحسين، وأخرى مستمرة في تميزها وهي تشكل عماد المنتخب الحالي: كعبد الرزاق حسين، سنحاريب ملكي، رجا رافع، وائل عيان، نديم الصباغ، والحارس مصعب بلحوس، إضافةً إلى الهداف اللامع عمر السومة، الذي حالت المواقف السياسية بينه وبين الانضمام للمنتخب، شأنه شأن العديد من اللاعبين الآخرين.

أمل

وهكذا، تستمر عجلة الكرة السورية بالدوران بين ماضٍ فقيرٍ محدود الإنجازات، وحاضرٍ مريرٍ أنهكته الحروب والنزاعات، على أمل أن يمن الله - سبحانه وتعالى - بالفرج على البلاد والعباد، فيعود للسماء إزرقاقها وصفاؤها، وللملاعب إخضرارها ورونقها، وتشرق شمس السلام، لتنير أرض الشام، وتحضن بدفئها قلوب الأنام، التي أعيتها الكروب والآلام.