صورة مسربة لجندي روسي على الأراضي السورية

تحذيرات من هنا وهناك تأتي مؤخرًا تتحدث عن تدخل عسكري روسي مباشر بجانب نظام بشار الأسد في سوريا، بعد أربع سنوات من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري ساهم بشكل كبير في منع انهيار النظام السوري الحاكم.

الإدارة الأمريكية تقول أن لديها معلومات مؤكدة عن إرسال روسيا لفريق عسكري متقدم إلى الأراضي الروسية، كما تشير إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قد قرر زيادة المساعدات العسكرية للجيش النظامي السوري، كل ذلك يُحذر منه الأمريكيون لأن من شأنه أن يُضيف مزيدًا من التعقيد على الأزمة الحالية في سوريا.

لا أحد يمكن أن يتوقع النوايا الروسية بهذا الصدد لكن الواقع المؤكد يقول أن روسيا قامت بنقل المئات من الوحدات العسكرية سابقة التجهيز والمصممة لإعالة عدد كبير من الجنود إلى أحد المطارات الخاضعة لسيطرة نظام الأسد القريبة من العاصمة السورية دمشق، كما تقول الوقائع أيضًا أن النظام السوري تسلم من الروس محطة محمولة لمراقبة الحركة الجوية، فيما يتقدم النظام الروسي الآن بطلبات لدى دول مجاورة لسوريا تسمح له بالتحليق بطائراته العسكرية فوق أرضيها.

شواهد آخرى على التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا نقلتها وسائل إعلام مختلفة كانت أبرزها صيحفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية التي أكدت في تقرير لها يحمل عنوان "مقاتلات روسية في سماء سوريا" يفيد بأن الروس قد بدأوا التدخل العسكري المباشر في سوريا، وذلك من خلال نشر كتيبة جوية في قاعدة سورية، تحت ذريعة شن هجمات ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

وألمح التقرير أن الطيارين الروس هم من سيقودوا المقاتلات الروسية بأنفسهم في سماء دمشق بدلًا من تزويد النظام بالطائرات فقط، وهو تطور نوعي لا شك في الدعم الروسي لنظام الأسد، تقرير آخر ينقل معلومات عن دبلوماسيين غربيين يؤكد نفس المعلومات المذكورة، ويشير إلى أن  قوة التدخل السريع الروسية وصلت بالفعل إلى دمشق، وأقامت معسكرًا في قاعدة جوية تسيطر عليها قوات الأسد، كما رجح التقرير أن هذه القاعدة تقع في منطقة محيطة بدمشق وستفرغ لتكون مقرًا للقوات الروسية.

رغم  كل هذه الشواهد فإن موسكو تنفي هذا الأمر، وتؤكد أنها مستمرة في دعم النظام السوري لوجيستيًا وتسليحيًا فقط، وفقًا لصفقات التسليح السابقة المبرمة مع نظام الأسد، كما تؤكد أن مسألة التدخل المباشر في سوريا مستبعدة، لكن التدخل الروسي بهذه الشواهد يأتي كرد فعل عن الأنباء التي تحدثت عن نية دول عربية كالسعودية وقطر بالإشتراك مع تركيا التدخل العسكري المباشر في سوريا بهدف معلن وهو قتال تنظيم الدولة الإسلامية، ويجري الاتفاق الآن لأن يكون هذا الأمر في مقابل إسقاط الأسد، أما الجانب الروسي فسيستخدم الذريعة ذاتها للتدخل العسكري المباشر في سوريا للتصدي لهذه التحركات المزعومة، وسيتم الإعلان أن القوات الروسية المتواجدة في سوريا توجه ضربات لتنظيم داعش والمتشددين الإسلاميين، بحسب ما يرى المراقبون.

هذه الأنباء التي تأتي بين النفي الروسي والتأكيد الغربي تقطعها صور ميدانية لجنود روس على الأراضي السورية بثها موقع مختص بشؤون روسيا البيضاء، حيث نشر الموقع هذه الصور ضمن تقرير يقول فيه أن الجنود الروس ينشرون صورًا بشكل موسع من داخل الأراضي السورية عبر شبكات التواصل الاجتماعية المختلفة، وهو ما يؤكد أن روسيا تدخلت بالفعل عسكريًا في الصراع السوري.

وقد قال متابعون عن هذه الصور أنها لا تدع مجالًا للشك في أن روسيا قد عزمت الدخول المباشر في الصراع العسكري بسوريا إلى جانب نظام الأسد، عبر حجم غير قليل من القوات الروسية المتواجدة على الأراضي السورية الآن في محيطات جغرافية مختلفة، يُرجح أن نقلهم تم عبر البحر إلى الداخل السوري.

الدعم الروسي العسكري للأسد ليس الأول من نوعه

لا يمكن لأحد أن يقول أن روسيا تستجد الآن دعمها للأسد، لأنه منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011، وروسيا تقف بجانب نظام الأسد قلبًا وقالبًا عبر الدعم المالي الاقتصادي والدعم السياسي في منع القوى الكبرى من التدخل لإسقاط الأسد أسوة بما حدث مع الرئيس الليبي المقتول معمر القذافي في السابق.

 كذلك أبرمت روسيا مع النظام السوري العديد من صفقات التسليح هي صاحبة الفضل الأول حتى الآن في صمود النظام أمام كتائب المعارضة المسلحة، إذ تعد روسيا أهم مصدر تسليح لنظام الأسد، حيث تبلغ حجم عقود التسليح الموقعة بين الطرفين ما يقرب من 4 مليارات دولار، فضلًا عن امتلاك الجانب الروسي لقاعدة عسكرية في مدينة طرطوس السورية.

 وقد أطلقت روسيا يد حليفتها إيران لدعم نظام الأسد بشتى الطرق الممكنة، عن طريق توفير المشتقات البترولية وتوفير تسليح إيراني محلي، إذ يبلغ إجمالى الدعم الإيراني إلى الأسد مبالغ تترواح بين 15 و20 مليار دولار سنويًا، فضلًا عن إمداد النظام السوري بمقاتلين شيعة من كافة أنحاء العالم، ناهيك عن التدخل المباشر للحرس الثوري الإيراني بجانب قوات الأسد في المعارك الميدانية حتى انضم لها مؤخرًا حزب الله اللبناني بوازع إيراني تحت المظلة الروسية نفسها لدعم النظام الأسدي.

ولم ينفي قدري جميل نائب رئيس الوزراء السوري المكلف بالشؤون الاقتصادية في تصريح لصحيفة الفايننشل تايمز البريطانية أن الحلفاء الثلاثة لنظام الأسد يدعمونه ماليًا بما مقداره 500 مليون دولار شهريًا من المعاملات المالية تشمل صادرات النفط وخطوط تأمين مفتوحة.

كما تتدخل روسيا منذ فترة طويلة بشكل غير خفي في مسألة الدعم الفني لجيش الأسد النظامي، عن طريق إرسال مستشارين عسكريين ومدربين وعاملين في الخدمات اللوجيستية والكوادر الفنية وأعضاء في قسم الحماية الجوية وطيارين روس لتدريب القواعد الجوية الروسية، وقد كانت آخر الصفقات الروسية المعلنة مع النظام السوري تتحدث عن تزويد السوريين بمجموعة من الطائرات المقاتلة من طراز "ميغ-29"، وطائرات تدريب من طراز "ياك 130"، والتي يمكن أيضًا أن تكون بمثابة طائرات هجومية.

قاعدة طرطوس وأهميتها للروس

على صعيد آخر لا يخفي على أحد مطلقًا أن  روسيا تمتلك أكبر قاعدة عسكرية خارج أراضيها في ميناء طرطوس السوري، وهي القاعدة الروسية الوحيدة الضخمة في البحر المتوسط، التي تعتبر منفذ للروس إلى المحيط الأطلسي والبحر الأحمر والمحيط الهادي، كما أنها تُقدم خدماتها اللوجستية للبوارج الروسية وتزودها بكافة الاحتياجات عند المرور في البحر المتوسط.

القاعدة العسكرية الروسية التي تقع غربي سوريا تشهد منذ فترة تعزيزات عسكرية كبيرة لا سيما مع اندلاع الثورة السورية ودخولها في طور العسكرة، ومؤخرًا تحدثت تقارير عن تزويد الروس لقاعدتهم في طرطوس بمنظومة صواريخ من أحدث المنظومات في المنطقة.

وقد سلطت برقية نشرها موقع "ويكيليكس" الضوء على هذه القاعدة العسكرية الروسية، البرقية السرية صادرة عن رئاسة الاستخبارات العامة السعودية عام 2012، تتحدث عن القاعدة الروسية في طرطوس التي شهدت تعزيزات مستمرة تزامنًا مع احتدام الأحداث في سوريا، وبحسب البرقية فإنها تُشير إلى أن هذه القاعدة تتمتع بالحماية العالية، بسبب امتلاكها سلاح إشارة خاص بها متطور فضلًا عن المزيد من الأسلحة الدفاعية الأخرى، كما تلفت البرقية إلى أن قاعدة طرطوس أصبحت من أهم القواعد الروسية خارج روسيا، بل وصفت البرقية القاعدة بأنها تضاهي القواعد في الداخل الروسي.

وتبعًا لهذا ازدادت النشاطات البحرية الروسية في عام 2012 في الجزء الشرقي من البحر المتوسط، وهي بمثابة إعلان من قبل روسيا عن دعم مطلق لحليفها السوري من منطلق يفهمه الغرب جيدًا، وهو منطق مصالح روسيا في البحر المتوسط والشرق الأوسط ككل، كما تعطي روسيا  أهمية كبرى لهذه المصالح المشتركة مع دمشق وتصفها دائمًا بالاستراتيجية، وقد حذرت روسيا الغرب مرارًا من محاولة تطبيق السيناريو الليبي في سوريا.

وانطلاقًا من هذه المصالح الجيو سياسية بالنسبة لروسيا، فإنه من غير المستبعد تمامًا الحديث عن تدخل روسي عسكري مباشر في سوريا سواء كان بريًا أو جويًا، فأحد أسباب هذا التدخل بلا شك هي نظرة موسكو إلى ميناء طرطوس باعتباره بوابتها البحرية إلى المنطقة، وليس لديها أي استعداد للاستغناء بسهولة عن هذه البوابة الاستراتيجية، كما أعلنت ذلك بشكل مستمر، ولا يزال ولايزال ميناء طرطوس حتى اليوم المستقبل الأول للأسلحة الروسية المصدرة إلى النظام السوري، كما نجح النظام السوري بمساعدة الروس في ربط الميناء بشبكة متطورة من البنى التحتية مع المدن السورية الاخرى.

من جهة ثانية ذكرت صحيفة "نيزافيسيمايا" الروسية بتاريخ 18 يونيو 2012 في تقرير بعنوان "الجيش الروسي سيحمي القاعدة البحرية في الشرق الأوسط": إن القيادة الروسية ارتكبت الكثير من الأخطاء في السابق عندما تركت القاعدة البحرية في فيتنام للأمريكيين، فهو إحساس روسي بتصحيح أخطاء الماضي في الخارج.

لذلك ليس من المستبعد مطلقًا أن تقوم روسيا بخطوات يصفها البعض بأنها متهورة، بإرسال فيلقًا روسيًا عسكريًا للتمركز في مدن روسية للوقوف إلى جانب النظام، وكجزء من القوات الأجنبية التي تقاتل بجانب الأسد، وهي قابلة للزيادة الفترة القادمة، وبعضها يهدف إلى تحصين منطقة اللاذقية ذات الأغلبية العلوية في حال سقوط دمشق، وقد تحدث البعض عن جهود استخباراتية روسية في الآونة الأخيرة، ستكون نواة لشن هجمات روسية مستقلة على كتائب المعارضة المسلحة.

أما على الصعيد النظام السوري فإنه مستعد لأي توسع روسي في مسألة التواجد العسكري على الأراضي السورية، وقد أكد ذلك الأسد في لقاء صحفي مع وسائل إعلام روسية، رحب في تصريحاته بتوسيع الوجود العسكري الروسي في المرافئ السورية المختلفة، معتبرًا أن ذلك من شأنه أن يعزز استقرار المنطقة.

كل هذه التطورات والتدخل الروسي المباشر من شأنه أن يغير من معادلات الأرض، وقد ينذر باشتعال حرب كارثية بين الروس وأيًا من الدول العربية أو غيرها التي ستحاول دعم الكتائب المسلحة المعارضة في سوريا سواء بدعم مباشر أو غير مباشر، وهو الأمر الذي حذرت منه واشنطن على لسان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بعد أن وجه تحذيراته لنظيره الروسي سيرجي لافروف من هذا الإقدام الروسي العسكري على الداخل الروسي.