ترجمة وتحرير نون بوست

في الهند التي يحكمها نارندرا مودي، هل حياة الأبقار أغلى من حياة المسلمين؟ للأسف، يبدو أن الإجابة هي نعم.

في أواخر سبتمبر، قامت جماعة هندوسية في بلدة داردي شمالي الهند بقتل محمد أخلاق، الهندي المسلم الذي يبلغ من العمر 50 عامًا، بتهمة أكل وتخزين لحوم البقر، وفي أغسطس 2014، قتل المتطرفون الهندوس رجلًا مسلمًا في شمال الهند بعد أن اتهمته الشرطة بجريمة ذبح بقرة، وأيضًا في مارس 2015، انتشر شريط فيديو يظهر تقييد رجل مسلم إلى عمود كهربائي وضربه لإجباره على تقديس الإله الهندوسي راما، والجرم الذي اتهم به كان يتمثل ببيع وشراء الأبقار.

من بين الهجمات العديدة المذكورة آنفًا، كان الهجوم على أخلاق الأكثر قسوة، ووزير الاتحاد، ماهيش شارما، كان أحد كبار المسؤولين القلائل في حزب مودي، حزب الشعب الهندي الحاكم "بهاراتيا جاناتا"، الذي علق على حادثة قتل أخلاق واصفًا إياها بالـ "حادث المؤسف"، ولكنها في النهاية جريمة قتل، حيث توجهت عصابة هندوسية، تتكون بأغلبها من أعضاء منظمة تدعى "انقذوا البقرة"، نحو منزل أخلاق، وحطمت جمجمته بآلة الخياطة العائدة لزوجته، وجروا جثته إلى الخارج، وفي المقابلات التي تم إجراؤها بعد الهجوم، لم يظهر سوى عدد قليل من هؤلاء الرجال الندم على الحادثة.

"نحن أكثر تعلقًا بالبقرة من أطفالنا"، قال أندر ناجار، أحد أعضاء منظمة "انقذوا البقرة"، ووزير الدولة المحلي من جناح الشباب في حزب بهاراتيا جاناتا، لصحيفة نيويورك تايمز.

الهندوس يعتبرون البقرة كائنًا مقدسًا، ويرى الكثيرون استهلاك لحمها كرجس مكروه؛ فبعد حادثة قتل أخلاق، قام راجا سينغ، أحد مشرعي حزب بهاراتيا جاناتا، بنشر تغريدة تحتوي مقاطع من نص فيدا الهندوسي المقدس، تحض على قتل الأشخاص الذين يذبحون الأبقار، وفي العديد من الولايات الهندية، بما في ذلك الولاية التي ينحدر منها أخلاق أوتار براديش، ذبح البقرة يعد فعلًا غير قانوني، رغم أن أعدادًا كبيرة من الهندوس والمسلمين وغيرهم يتحايلون على هذا القانون، وفي خطبه الأخيرة، أدان مودي القتل الواسع النطاق للأبقار في الهند، ولكنه منذ توليه لمنصبه كرئيس للوزراء في مايو 2014، لم يعمد إلى إدانة قتل المسلمين في الهند بشكل مباشر.

ولاءات مودي السياسية تبدو واضحة، حيث أمضى عقودًا مع منظمة المتطوعين الوطنية، اختصارًا "RSS"، وهي حركة شوفينية هندوسية كبرى، معجبة بمبادئ الفاشية، وتسعى لتحويل الهند، الدولة التي يبلغ عدد سكانها 1.25 مليار شخص 14% منهم تقريبًا مسلمين، إلى دولة هندوسية، وحزب بهاراتيا جاناتا، الذي انضم إليه مودي منذ عام 1985، هو الذراع السياسية لشبكة الهندوتفا، أو شبكة الأصوليين الهندوس، وهي عبارة جماعات تسعى لتحويل الهند أيضًا إلى دولة هندوسية.

في الأشهر التي سبقت انتخابات مايو 2014، والتي أوصلت مودي إلى السلطة، تصور بعض النقاد في الهند وخارجها بأن البلاد مهيأة لانتخاب مودي، البراغماتي الذي يتبع لليمين المتوسط، والذي سيعمد إلى إيلاء الاهتمام الأكبر بالاقتصاد، وسيقود الهند لتصبح دولة موحدة علمانية، وحينها تم تشبيه مودي من قِبل البعض في الولايات المتحدة برونالد ريغان، وآخرون روجوا له باعتباره الرجال الحضاري والتقدمي الذي سيكسر القيود الحكومية المبالغ بها، وسيحارب انعدام الكفاءة، وكان من اللافت للنظر حينها، قيام نجمة بوليوود، ماليكا شيرويت، بالقفز على متن قطار مودي، الذي كان يضم بالغالب كبار رجال الأعمال وناشطي الهندوتفا المؤثرين، من خلال وصفها لمودي بأنه "ذكي، تقدمي، وغالبًا ما يُساء فهمه".

الاعتقاد بأن مودي سيصبح براغماتيًا بمجرد انتخابه لقيادة الهند، ثبت بأنه اعتقاد خاطئ ومدمر؛ ففي أول خطاب يلقيه بعد الانتخابات في مجلس النواب الهندي، اللوك سابها، انتقد مودي بشدة الـ"1200 سنة من عقلية الاستعباد" التي سادت في الهند، ملمحًا من خلال ذلك ليس فقط إلى الـ200 سنة التي حكمت فيها بريطانيا الهند، بل إلى الـ1000 سنة السابقة التي حكم بها المسلمون الدولة أيضًا، وفضلًا عما تقدم، ومنذ تسلم مودي لمهامه، اطردت حوادث العنف الطائفي، فوفقًا لإحصاءات الحكومة الهندية، ارتفع العنف الطائفي في الهند بنسبة 30% في الأشهر الستة الأولى من عام 2015 مقارنة مع ذات الفترة من العام الماضي، حيث تم قتل 31 مسلمًا من بين الأشخاص الـ51 الذين قتلوا خلال تلك الفترة.

بشكل عام، كان يتوجب على الأشخاص أن يكّونوا فهمًا أفضل عن عقلية مودي من خلال تحليلهم للفترة التي سبقت انتخابات عام 2014، حيث ساعد مودي وحزب بهاراتيا جاناتا على تحريض الهستيريا المعادية للمسلمين بين الهندوس في تلك الفترة، وكان حزب بهاراتيا جاناتا يهدف من خلف هذه التحركات، لكسر أنماط التصويت المبنية على أساس الطائفة أو الطبقة أو الولاءات الحزبية التقليدية، وتوحيد الأصوات الهندوسية، ومن أبرز الحملات التحريضية التي شهدتها تلك الفترة، حملة حزب بهاراتيا جاناتا في منطقة مظفر ناجار في ولاية أوتار براديش، كما أنه وفي أغسطس من عام 2013، قُتل أكثر من 60 مسلمًا وشُرّد أكثر من 50.000 آخرين نتيجة لأعمال شغب حرض لقيامها قادة حزب بهاراتيا جاناتا، بما في ذلك الذراع الأيمن لمودي، أميت شاه، وبعد ذلك، وضمن حملة لجمع الأصوات لحزب بهاراتيا جاناتا، ظهر خلالها مودي على عتبة المسرح، وصف متحدث مجهول العنف الساري في الهند بأنه "معركة بين الديانة الهندوسية والمسلمين الأنذال".

أما الموقف الصارخ في هذا السياق، فكان إحجام مودي عن الاعتذار عن أعمال شغب غوجارات لعام 2002، التي اندلعت خلالها أعمال عنف غير مسبوقة لمدة ثلاثة أيام ذُبح خلالها حوالي 1000 شخص، معظمهم من المسلمين، علمًا أن أعمال الشغب وقعت خلال السنة الأولى من الأعوام الـ13 التي قضاها مودي في رئاسة وزراء ولاية غوجارات، وكانت من بين أسوأ أعمال العنف العرقية التي تشهدها الهند خلال عقود، وعلى الرغم من أن التحقيق القضائي لعام 2012 برأ ساحة مودي من أي إثم يتعلق بأعمال الشغب، ولكن حقيقة موقف مودي المتهور من هذه الأعمال لا يمكن مسحها من الأذهان؛ فبعد أشهر من أعمال الشغب، وصف مودي مخيمات المسلمين الذين نزحوا جرّاء أعمال العنف ساخرًا بأنها "مراكز لإنتاج الأطفال"، وفي مقابلات لاحقة، قارن بين أموات المسلمين والكلاب الصغيرة التي يتم دهسها من قِبل السيارات المسرعة، وأوضح حينها بأن أكبر خطأ له في ذلك الوقت كان سوء إدارة وسائل الإعلام.

ورغم كل ذلك لم يعترف مودي بذنبه الأخلاقي خلال مقابلاته مع الصحفيين؛ ففي مقابلة أجراها عام 2007 مع الصحفي الهندي المحترم كاران ثابار، سأل الأخير مودي عن سبب عدم إعرابه عن أسفه لحوادث قتل ولاية غوجارات، وحينها تمثلت استجابة مودي ببساطة بخروجه من الاستوديو.

مواقف مودي المترافقة مع موافقته الضمنية للعنف الجاري ضد المسلمين، شجعت أترابه الهندوتفا؛ فخلال العام الماضي، جدد القوميون الهندوس حملتهم لحظر التحويلات الدينية، في الوقت نفسه الذي كانوا يسعون فيه للسماح بإجراء التحويل من المسيحية والإسلام إلى الديانة الهندوسية، والمبرر الذي يضعه المتطرفون الهندوتفا لهذه الرؤية، يتمثل باعتبارهم لجميع الهنود بأنهم ذوي أصول هندوسية، وبالتالي، فهم لا يعتبرون التحول إلى الهندوسية تحولًا حقيقيًا، لأنه يمثل الرجوع إلى الأصل، لذا يطالبون باستثناء التحول إلى الهندوسية من حظر التحويلات الدينية، وهو الموقف الذي يوافقهم عليه مودي، ويتضح ذلك من خلال تصريحه في مقابلة له في عام 2008، حيث قال "إذا عدت إلى وطنك القديم، أي إلى الهندوسية، فإن هذا لا يعتبر تحولًا".

وللحق نقول، مودي لم يمتنع تمامًا عن إدانة الهجمات ضد المسلمين في الهند، فبعد شهر من التوبيخ الخفي الذي وجهه الرئيس الأمريكي باراك له أمام الجمهور لفشله في التعبير عن رأيه ضد التعصب الديني، قدم مودي خطابًا تعهد ضمنه بالحفاظ على "الحرية الكاملة للإيمان" في الهند، وردًا على موجة الهجمات التي استهدفت الكنائس في الهند في أوائل عام 2015، طلب مودي بشكل مراوغ من "الأغلبية" الدينية و"الأقليات" الدينية التوقف عن التحريض على الكراهية، وحينها توقف العنف الطائفي مؤقتًا حتى صيف هذا العام، عندما دعا حلفاء مودي، كمعلم اليوغا وعملاق الأعمال التجارية بابا رامديف، بصوت عالٍ للسيطرة على السكان المسلمين، وفعلًا وفي يوم 27 سبتمبر، وقبل حادثة قتل أخلاق ييوم واحد، تم إعدام رجل هندي مسلم بعد اتهامه زورًا بالإرهاب.

الكثير من الهنود يشعرون بالألم لعدم إدانة مودي لجريمة قتل أخلاق، والسؤال هنا، هل يتعاطف مودي مع قتلة أخلاق؟ في عام 2003 قال مودي في مقابلة له، بأن "القوة الرئيسية" في ولاية غوجارات تكمن في نباتيتها، في إشارة إلى الطبقة الهندوسية المخملية النباتية بأغلبها، "أكلة اللحوم"، قال مودي بمكر للصحفي "لديهم مزاج مختلف".

وفضلًا عما تقدم، وعلى اعتبار أن لحوم البقر هي مصدر رخيص وهام للبروتين الذي يحتاجه الفقراء، الذين يشكل المسلمون النسبة الأكبر منهم، تدرس حكومة مودي اليوم قانونًا يحظر ذبح الأبقار على الصعيد الوطني!

إذن، الرسالة واضحة، في الهند التي يحكمها مودي، حياة البقرة لها قيمة أكبر من حياة البشر المسلمين.

المصدر: فورين بوليسي