ترجمة وتحرير نون بوست

في نوفمبر، تم الإعلان عن إمكانية الانطلاق بالتنقيب لتأكيد اكتشافين أثريين كبيرين، ولكن من المرجح أن يكون لهذين الاكتشافين تأثيرات مختلفة ومتغايرة عن بعضهما البعض.

في المكسيك، تم العثور على نفق تحت معبد تينوتشتيتلان الكبير، في قلب مدينة مكسيكو، ويتضمن النفق رؤوسًا مقطوعة لطفلين، ولكن ما أثار اهتمام المتخصصين في حضارة الأزتيك هو اكتشاف غرفتين مغلقتين في نهاية النفق، ويعتقد أحد علماء الآثار الرائدين بأن الحفريات في المنطقة سوف تكشف على بقايا حرق بعض الحكام الأزتيك المهمين، بما في ذلك مونتيزوما الأول.

ولكن رغم كل الإثارة التي أحاطت بالإعلان الأثري المكسيكي، وما يقدمه هذا الاكتشاف من تطور وتقدم حول أبحاث حضارة الأزتيك، استولت الأخبار الأثرية القادمة من مصر على عناوين الصحف، مع إعلان علماء الآثار عن اتخاذهم لخطوات بغية إثبات أن قبر توت عنخ آمون في وادي الموك بالأقصر، يضم أكثر مما تراه العين المجردة.

احتمالية وجود غرفة واحدة - على الأقل - ضمن مقبرة الملك الشاب، تم طرحها لأول مرة في أغسطس من قِبل نيكولاس ريفز، عالم المصريات البريطاني، حيث كان ريفز يدرس نتائج مسح القبر الذي أدلت به فاكتوم آرت، مؤسسة الفن والحفاظ عليه، التي تتخذ من مدريد مقرًا لها، والتي أكملت مسحًا واسع النطاق للأسطح القديمة في خضم تأسيسها لنسخة طبق الأصل من حجرة الدفن.

بمعاينة مجموعة من عمليات المسح باللون الأبيض والأسود، لاحظ ريفز بأن جدار إحدى الغرف يمتلك آثارًا لما قد يكون مدخلين خلفيين لغرفة سرية واحدة على الأقل، وقام بنشر النتائج التي توصل لها ضمن ورقة بحث أكاديمية، علمًا أنني حين التقيت بريفز في لندن قبل أن تنتشر قصة الاكتشاف على عناوين الصحف، كان واثقًا بشدة من وجود غرفة واحدة على الأقل ضمن قبر الملك الشاب.

في 1 أكتوبر، وعندما أعلن ممدوح الدماطي، وزير الآثار المصري، عن فرصة تبلغ نسبة صحتها 70% لوجود غرف مخفية ضمن القبر، انفجرت الأخبار في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن الدماطي كان حذرًا في تقييمه الأولي، إلا أنه تربع على عرش الصدارة في القصة التي انتشرت كالنار في الهشيم حول الاكتشافات الأثرية المصرية.

قبل أسبوعين، وبعد يومين من إجراء مسح بالرادار وغيرها من التجارب على القبر، أعلن الدماطي عن ارتفاع نسبة صحة اكتشاف غرفة إضافية في القبر إلى 90%، ولكن مع ذلك، وفي حال صحت هذه التوقعات، فإنه زميل الدماطي، هشام زعزوع، هو الذي سيكون الأكثر سرورًا لهذا الكشف الأثري المهم.

"معيار الذهب الفرعوني"

زعزوع هو وزير السياحة المصري، الذي عُين لأول مرة في عام 2012، خلال فترة رئاسة الإخوان المسلمين للبلاد، واستطاع النجاة بمنصبه الوزاري من عدة حكومات وسلسلة من الأزمات، كان آخرها تداعيات إسقاط طائرة ركاب روسية أقلعت من منتجع البحر الأحمر في شرم الشيخ .

في معظم البلدان الأخرى، يحق لنا أن نتساءل عن الرابط الذي يجمع الاكتشاف الأثري والاقتصاد الوطني؛ فمثلًا اكتشاف رفات الملك البريطاني ريتشارد الثالث تحت موقف للسيارات في ليستر كان أمرًا مذهلًا، ولكنه مع ذلك لم يؤثر على قيمة الجنيه الإسترليني.

ولكن في مصر، علم الآثار والسياحة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وفي بعض النواحي، يتم الحفاظ على استقرارية الاقتصاد المصري من خلال معيار الذهب الفرعوني.

مصر، بشكل عام، تتمتع بأصول سياحة تتمثل بمئات الكيلومترات من شواطئ منتجعات البحر الأحمر، والآثار العظيمة التي تشهد على تاريخها الأثري الطويل والمعمر.

حازت السياحة الشاطئية في مصر على أهمية متزايدة بعد المشاكل الإسلامية التي حصلت على طول نهر النيل في تسعينيات القرن المنصرم، حيث ساعد إنشاء ريفييرا البحر الأحمر على فصل الساحل عمّا كان يحدث في الداخل، مما أدى إلى ازدهار المنتجعات في الغردقة وشرم الشيخ، وربما هذا هو السبب، الذي يقف خلف حصول سياحة النيل على أهمية متزايدة، رغم خروج الأمور عن السيطرة في شبه جزيرة سيناء، ومعاناة شرم الشيخ من إرهاصات تحطم الطائرة الروسية.

لكن سنوات الثورة والاضطرابات المدنية أسفرت عن إحداث خسائر في نهاية المطاف؛ ففي الشهر الماضي، والذي كان ينبغي أن يكون بداية موسم الذروة السياحية في الأقصر والجنوب، شهدت معظم فنادق المنطقة نسبة إشغال منخفضة، كما تم إلغاء الغالبية العظمى من الرحلات السياحية الـ300 إلى وادي النيل، علمًا أنه في الجنوب، حيث يعول غالبية السكان على الموارد المتحصلة من السياحة، يمثل هذا الواقع مصيبة حقيقية على الملايين من الأشخاص.

رغم أن سلسلة الاكتشافات الأخيرة في مصر فشلت في اجتذاب اهتمام الغرب، يأمل زعزوع بأن الاكتشاف الأخير المهم في مدينة الأقصر، والذي ينطوي على اكتشاف هائل في أحد أصول مصر العظيمة، المتمثلة بقبر توت عنخ آمون، سوف يشجع الغربيين للعودة إلى زيارة المعابد والمقابر.

قد يكون زعزوع مصيبًا في طرحه، كون البرامج السياحية المنظمة لزيارة النيل، والتي يعود تاريخها إلى عام 1869 عندما قاد توماس كوك أول مجموعة لمصر لرؤية الآثار، تم دعمها بالموجات السياحية التي تمتاز بالهوس بالمصريات، كما أن افتتاح مقبرة توت عنخ آمون في عام 1923، والاكتشافات المثيرة التي كُشف عنها بالتقسيط، والتي دُعمت بأساطير سلسلة الوفيات الغريبة المنسوبة إلى لعنة المومياء، كانت أعظم الأمور التي ساعدت في ازدهار السياحة الأثرية في مصر، حيث أصبحت هذه البلاد الوجهة التي نرغب جميعًا - كغربيين - بزيارتها ولو لمرة واحدة في حياتنا على الأقل.

فضلًا عما تقدم، لفتت جولة كنوز توت عنخ آمون إلى أوروبا والولايات المتحدة التي جرت في سبعينيات القرن الماضي، نظر الآلاف إلى المتحف البريطاني وأماكن أخرى، كما استطاعت خلق طفرة سياحية أخرى في مجال سياحة النيل.

إذن، الاكتشاف شبه اليقيني لغرفة أخرى في القبر المتخم بالكنوز، والتوقعات التي باشرت بالانتشار بالفعل حول العجائب التي قد تحتويها، بما في ذلك بقايا الملكة المصرية رائعة الجمال نفرتيتي، سوف تساعد على أقل تقدير على إحداث طفرة جديدة ضمن قطاع السياحة المصري، وأي شخص منا قام بزيارة مؤخرًا للجنوب المصري، سيدرك بأن هذه الطفرة تشتد الحاجة لها اليوم فعلًا في تلك المناطق.

المصدر: الجزيرة الإنجليزية