مع غياب دور الدولة في ضبط السوق، واستمرار انتهاك حقوق الفرد الإنسانية، من الحق في مسكن آدمي يأويه، تزايد عدد العشوائيات في مصر بمؤشر كارثي، لتتضاعف بمقدار 18 مرة عن ما كانت عليه عام 1950، حيث وصلت مساحة العشوائيات من 6.6 كم2 إلى 119.5 كم2، ويقطنها حتى الآن 16 مليون مواطن، ممثلين بأكملهم 24% من إجمالي سكان الجمهورية، ما بين 35 منطقة مُهددة بالانهيار الكامل، و281 منطقة غير صالحة للاستخدام الآدمي، يعيش 16 مليون مصري أغلبهم تحت خط الفقر، يتقاضون ما هو أقل من 3 دولارات يوميًا، لكي يصل الأمر في النهاية إلى أن سكان العشوائيات لا يعيشون فيها، بل متعايشين معها.

مجهودات الدولة المصرية في رقابة سوق السكن

بدأت مجهودات الدولة المصرية لفرض رقابة على سوق السكن في أربعينات القرن الماضي، في عهد الملكية، بالقانون رقم 121 لسنة 1947، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستمر خلال الحقبة الناصرية (الاشتراكية العربية) بعدد من التعديلات عليه لخفض القيم الإيجارية، ثم اُستبدل كليًا بقانون 52 لسنة 1969، ثم اُستبدل مرة أخرى في حقبة الانفتاح بقانون 49 لسنة 1977.

تحديد الإيجارات كانت له آثار سلبية على سوق العقارات؛ أهمها عدم إنصاف القطاع الخاص الذي كان يبني المساكن بغرض تأجيرها، حيث قضت عقود الإيجار ذات المدد الطويلة والمتوارثة على أي مكسب يمكن تحقيقه من عملية البناء، وهو ما أدى بدوره إلى الاتجاه لبناء "الشقق التمليك"، تسبب هذا الاتجاه جزئيًا في لجوء كل من لم يستطع اقتناء "الشقق التمليك" إلى البناء الذاتي، والذي يسميه المسؤولون بـ"العشوائي".

يظل السبب الأساسي والأكبر في مشكلة العشوائيات هو انسحاب الدولة من توفير الإسكان المدعم لكل من الشباب وغير القادرين ماديًا على توفير السكن، فقد شجعت الدولة سياسات المضاربة في سوق الأراضي والعقارات مما أدى إلى تضخم أسعار السكن، حيث قررت الدولة دعم السكن من خلال القطاع الخاص فقط، مستبعدة نفسها من المنظومة.

تعريف العشوائيات

العشوائيات هي مناطق سكنية نشأت في غياب القانون، وبعيدًا عن التخطيط العمراني العام، وهي مناطق محرومة من المرافق الأساسية، تزايد عددها مع استمرار ارتفاع معدل المواليد، وتمدد الرأسمالية في الاقتصاد المصري، بالإضافة إلى زيادة الهجرة الداخلية من الريف.

تختلف في أشكالها بين المنازل المبنية بالطوب اللبن، أو الأحجار، أو تكون مكوّنة من سقف مصنوع من الورق المقوّي والذي لا يدوم في فصل الشتاء، وتعيش معظم العائلات في مكان مشترك، حيث تسكن الأسرة بأكملها غرفة واحدة، تفتقر إلى المرافق الصحية والمياه النظيفة والكهرباء، حيث يعيش 18% من الأسر المصرية في غرف مشتركة وغير آدمية.

في تقرير مصور لموقع "ميدل إيست آي"، صور فيه آليات الهدم والإزالة التي اتبعتها الحكومة المصرية مؤخرًا، في الشهر الماضي، لإزالة منطقة عشوائية بعنوان "عش السودان"، بالقرب من الدقي، أحد أحياء القاهرة، حيث صور إزالة البيوت وتسويتها بالأرض أمام أعين ساكنيها، الذين حاولوا منع الشرطة من هدمها، إلا أن الشرطة ردت بعنف وأطلقت الغاز المسيل للدموع لتفريق الغاضبين.

وائل محمد، يقف بجوار بقايا بيته المُهدّم علي يد السلطات المصرية

تقول "أم بركة"، سيدة بعمر الخامسة والخمسين وأحد سكان منطقة "عش السودان" "على الأقل يعلم السجين بأن هناك أمل في حياته، وستنتهي معاناته يومًا ما، ويأمل بحياة أفضل مع عائلته وقت خروجه، لكن من يعيش هنا مثلنا، يعيش في سجن كبير، حيث لا يجرؤعلى الحلم من الأساس".

أصبحت مشكلة العشوائيات تؤرق السلطات المصرية خاصة بعد ثورة الـ25 من يناير، فبعد غياب الأمن والشرطة المصرية لمدة ليست بهينة، تزايد عددالوحدات السكنية غير القانونية وغير المخططة عمرانيًا، حيث تشير الدراسات أن النمو السكاني لبعض العشوائيات يرتفع بنسبة 34 % سنويًا كما هو الحال في عشوائيات "قسم السلام" بالقاهرة، وفي عشوائيات أخرى يصل النمو إلي 9% سنويًا، كما أن بعض العشوائيات ترتفع النسبة فيها إلي 128 ألف نسمة في الكيلومتر مربع بحسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

العنف العمراني المجتمعي

في بحث أكاديمي منشور لـ"أمنية خليل"، باحثة في القضايا العمرانية والسكنية في مصر، بعنوان العنف العمراني المجتمعي، عرضت فيه مآساة منطقة "رملة بولاق" في القاهرة، وهو حي يسكنه ما يقارب 600 أسرة، تقول على لسان أحد ساكنيه، تحكي أم فارس عن تاريخ المنطقة، فتقول، "كانت المياه تصل إلى داخل الرملة من نهر النيل، وعندما تم استعداء عاملين للعمل في المصانع والورش، بدأوا في نصب خيام كبيرة كمنازل مؤقتة في المنطقة حول بيتهم، ثم بدأ الناس في تحويلها إلى بيوت مبنية بالطوب اللبن، من طمي النيل، ومنها إلى طوب أحمر وخرسانة مع التطور العمراني للبيوت والمناطق المحيطة".

يعود تاريخ المأساة إلى عام 1996، حينما زار نجيب ساويرس، رجل أعمال مصري، وجمال مبارك المنطقة لتتم معاينتها، بحسب روايات الأهالي، وبدأت شركة "نايل سيتي" في شراء المصانع والورش وتسريح كل العمالة في تلك المصانع والورش وهدمها والبدء في بناء أبراج نايل سيتي، إحدى أرقى المناطق في القاهرة.

رملة بولاق، بين عالم الأبراج وعالم العشوائيات

كانت سياسة "الليبرالية الجديدة" التي اتبعها كل من أنور السادات وحسنى مبارك عاملًا رئيسيًا في تفشي مشكلة العشوائيات بهذا الشكل، حيث أصبح قطاع الإسكان مقصورًا على المالكين وليس المستأجرين، مما أجبر الطبقة الفقيرة من الخروج عن قطاع الإسكان الرسمي والاتجاه إلى العشوائيات.

أحمد، صبي في عمر الثانية عشر، يعمل في منطقة "بحر البقر" مع والده في صناعة الفخار

حاول حسني مبارك التغلب على المشكلة بإنشاء مدن سكنية جديدة في الصحراء، كمدينة العبور أو 15 مايو، إلا أن السكان رفضوا الانتقال إليها بسبب بُعدها عن القاهرة، كما أنها لا تحتوي على مرافق أساسية للحياة كالمدارس والمستشفيات، أو شبكة مواصلات عامة.

عمال في منطقة "بحر البقر" يعملون في جمع القمامة

بحسب تقارير الجهاز المركزي للإحصاء والتعبئة، فإن عددًا كبيرًا من العشوائيات في مصر لا يصلح للاستخدام الآدمي، حيث لا تحتوي على أية مرافق أساسية أو صحية، ولا تدخلها المياه النظيفة أو الكهرباء، معظم البيوت تتكون من سقف خشبي، أو من الورق المقوّى، ومن غرفة واحدة فقط.

وفاء حسين، 41 عامًا، تجلس على حطام منزلها بعد أن دمرته السلطات المصرية في 26 أغسطس 2015

فيديو يوضح إزالة المناطق العشوائية من قِبل السلطات المصرية

تشير تقارير حديثة لمركز البحوث القومي إلى انتشار الأوبئة داخل معظم المناطق العشوائية، كما تشير إلى تفشي مرض الربو، والفشل الكلوي، لعدم وجود مياه صالحة للشرب وبسبب وجود الهواء الملوث بشكل مستمر، كما تنتشر أمراض الحساسية الجلدية بسبب عدم النظافة الدائمة.

تقول "أم عمرو"، وهي سيدة تسكن في رملة بولاق، يعاني ابنها من مرض الفشل الكلوي، ويتم معالجته في مستشفى حكومي، بأنها لا تملك المال الكافي الذي يسمح لها بزيارة ابنها في المستشفى وإحضار الطعام له، فتضطر للجلوس طوال الوقت بجوار والدتها التي قاربت على الموت من شدة المرض.

زينب، 14 عامًا، تعمل مع والدها في ورشة صغيرة لصناعة الفخار، ولا تستطيع القراءة أو الكتابة

يعمل ساكنو العشوائيات في الحرف الصناعية البسيطة، كالنجارة أو السباكة، أو في الورش والمصانع التي تنتشر حول المناطق العشوائية، أو في حرف صناعة الفخار، أو سائقين لسيارات الأجرة، وتعمل النساء في بيع الخضار أمام منازلهن، أو في خدمة بيوت الأحياء الراقية، كما يتم إطلاق الأطفال في الشوارع لممارسة الشحاذة، يُصنف أغلب سكان المناطق العشوائية تحت خط الفقر، حيث يتقاضون أقل من 3 دولارات يوميًا.

أطفال في منطقة "عش السودان"

اتفقت السلطة المصرية على أن حل أزمة العشوائيات يكمن في العنف، والإخلاء القسري لساكني العشوائيات، ونقلهم إلى الصحراء، حيث لا توجد مرافق أساسية، لعدم سماع أصوات شكواهم مرة أخرى، ولإفساح الطريق أمام السائحين، من يضايقهم مشهد كمشهد الأحياء الفقيرة المصرية، والاهتمام بالمستثمرين الأجانب، فقد قررت الحكومة المصرية أن تصنع أعداءها الداخليين من المصريين أنفسهم، متجاهلة أن ساكني العشوائيات لا يقف خطرهم عند العشوائيات فحسب ولا تنتهي الأزمة بهدم البيوت، بل يمتد الأمر إلى خطر البلطجة والسرقة الذي يهدد مصر منذ خمس سنوات، ويمتد إلى ظاهرة أطفال الشوارع الذين أصبحوا بالآلاف في شوارع القاهرة وحدها، وخطر الأمية التي استحوذت على 40% من الشعب المصري.

ظلت مشكلة العشوائيات قنبلة موقوتة في مصر لمدة تزيد على أربعين عقدًا، ولا تزال كذلك، لتجعل الدولة مستقرة من الخارج، مهشمة ومُدمرة من الداخل.