نوح زعيتر.. كل ما تحتاج معرفته عن بارون المخدرات في لبنان

في صباح يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 كان بارون المخدرات اللبناني الشهير نوح زعيتر، الذي لطالما تجول في البقاع بموكب مدجج بالسلاح، يتحرك بحذر غير معتاد، فقد رأى سقوط شركائه واحدًا تلو الآخر، وشاهد الطائرات المسيرة ترصد قوافل المخدرات وتستهدف مصانع الكبتاغون. في ذلك اليوم، يخرج بسيارته مع أحد معاونيه على طريق قرية كنيسة، في رحلة روتينية، أو هكذا بدت، إذ كانت مخابرات الجيش اللبناني قد نصبت له كمينًا باستخدام سيارات تشبه مركباته.

عندما حاول زعيتر المناورة بين ثلاثة منازل، خرجت وحدات خاصة من الجيش وأوقفته، واختار عدم المقاومة، بعدها سُمح له بالاتصال بأحد أفراد أسرته ليطمئنهم، ثم نُقل إلى بلدة أبلح ومنها إلى وزارة الدفاع في اليرزة، فيما صادر الجيش هاتفه لكشف خيوط الشبكة التي تدير تجارة المخدرات والسلاح.

في هذا التقرير نحكي القصة الكاملة لبارون المخدرات اللبناني نوح زعيتر.


بنقاط سريعة

بارون الكبتاغون: قاد زعيتر شبكة تهريب ضخمة للحشيش والكبتاغون والأسلحة عبر لبنان وسورية، وتحوّل إلى رمز لاقتصاد المخدرات خلال الحرب في سوريا.

شبكة علاقات مع نظام الأسد و”حزب الله”: وصفته وزارة الخزانة الأمريكية بأنه «تاجر سلاح ومخدرات معروف» يعمل تحت حماية النظام السوري السابق، ولديه علاقات وثيقة مع شخصيات بارزة في “حزب الله” وفرقة حماية النظام الرابعة.

أحكام وعقوبات متتالية: حُكم عليه غيابيًا بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة عام 2021 بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، ثم صدر بحقه حكم بالإعدام عام 2024 لإطلاقه النار على جندي، وفي عام 2023 فرضت عليه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات بسبب تصنيع وتهريب الكبتاغون.

الاعتقال بعد مطاردة طويلة: في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 اعتقلته القوات اللبنانية في كمين بقرية كنيسة قرب بعلبك، ووصف الجيش العملية بأنها جزء من حملة واسعة ضد شبكات المخدرات؛ فيما قال محاميه إن ضده أكثر من ألف قضية وقام بتسليم نفسه دون مقاومة.

تداعيات إقليمية: اعتقاله يأتي ضمن ضغوط عربية ودولية لتفكيك تجارة الكبتاغون المرتبطة بنظام الأسد المخلوع، ويثير تساؤلات حول مصير شبكات التهريب وكيف ستتعامل الدولة اللبنانية مع بنية إجرامية امتدت لعقود.


بطاقة شخصية

الاسم نوح صبحي زعيتر
التولد من مواليد 1977 في بلدة طعلبايا بمحافظة البقاع
الخلفية العائلية ينتمي إلى عشيرة زعيتر المعروفة، وعرف عنه أنه لجأ إلى سويسرا عام 1991 قبل أن يعود إلى لبنان عام 1995.
النشاط تاجر مخدرات وقائد ميليشيا، اتهم بقيادة شبكة تهريب واسعة تشمل الحشيش، الكبتاغون والأسلحة عبر لبنان وسورية، مع علاقات مع “حزب الله” والنظام السوري السابق.
الحالة القانونية محكوم بالسجن المؤبد غيابيًا منذ 2021، وصدر بحقه حكم بالإعدام عام 2024، واعتقل في نوفمبر 2025 بعد سنوات من الملاحقة.

من لاجئ إلى بارون مخدرات

ولد نوح صبحي زعيتر في منطقة طعلبايا بالبقاع المعروفة بزراعة الحشيش، وتشير تقارير إلى أنه درس لفترة قصيرة في الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم لجأ إلى سويسرا أوائل التسعينيات هربًا من الحرب الأهلية، ليعود إلى لبنان عام 1995. تميزت عائلته بنفوذ عشائري، ما ساعده على بناء شبكات محلية لاحقًا.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011 وما تبعها من تفكك السلطة المركزية، تحول البقاع إلى مركز لتهريب المخدرات، حيث استغل زعيتر الفوضى والحدود المفتوحة ليؤسس معسكرات مسلحة ويدير مصانع للحشيش والكبتاغون.

في مقابلة مع قناة “الجديد” اللبنانية عام 2016، اعترف بزراعة وبيع الحشيش لكنه أنكر ترؤسه لعصابة منظمة، ومع ذلك وصفته وزارة الخزانة الأمريكية عام 2023 بأنه “تاجر سلاح ومخدرات معروف” يعمل تحت حماية النظام السوري ويملك روابط عملياتية مع “حزب الله”، فيما تشير التقارير إلى أن شبكته امتدت إلى أوروبا وشمال أفريقيا، وأنه حوّل بلدات البقاع إلى مناطق محظورة على الدولة.

بسبب قربه الجغرافي من الحدود السورية واعتماده على خطوط تهريب عبر الأراضي السورية، أقام زعيتر علاقات مع ضباط من الفرقة الرابعة التابعة لنظام الأسد، ومع قيادات في “حزب الله”. وأفادت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن كثيرين يعتقدون بوجود “روابط طويلة الأمد مع شخصيات بارزة في “حزب الله” والرئيس السوري المخلوع بشار الأسد”. كما اتهمه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) بالعمل مع أفراد من عائلة الأسد لجني أرباح من تجارة الكبتاغون.


ألف قضية وقضية

تراكمت مذكرات التوقيف ضد زعيتر لعقود، وفي عام 2021 أصدرت المحكمة العسكرية اللبنانية حكمًا غيابيًا بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بحقه بتهم الاتجار بالمخدرات، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024 حُكم عليه بالإعدام شنقًا بتهمة إطلاق النار على عسكري لبناني أدى إلى مقتله وإصابة آخرين. إلى جانب ذلك، فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عام 2023 عقوبات تستهدف ممتلكاته وأصوله لدوره في صناعة وتجارة الكبتاغون.

مع تصاعد غضب دول الخليج من تهريب المخدرات عبر لبنان، بدأت الدولة اللبنانية حملة مكثفة منذ صيف 2025، حيث تعرض رفاق زعيتر كمحمد أبو صالح وحسن عباس جعفر لعمليات اغتيال أو اعتقال، وشنت مخابرات الجيش هجمات على مصانع المخدرات ومخازنها، وانخفضت تحركات زعيتر بشكل واضح، فراقبته السلطات بطائرات مسيرة وراقبت منازله في لبوّه وجمالية وكنيسة، لكنها فشلت في القبض عليه.

في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نصب الجيش كمينًا محكمًا على طريق كنيسة، استخدمت المخابرات سيارات مشابهة لسيارات موكبه واستعانت بوحدات خاصة، وعندما حاول المرور بين ثلاثة منازل، داهمته القوات وألقت القبض عليه دون مقاومة. سمح له الجيش بالاتصال بأحد أفراد أسرته ثم نقلته إلى وزارة الدفاع لاستجوابه، فيما تمت مصادرة هاتفه للكشف عن شركائه.

وفق بيان الجيش، فإن زعيتر مطلوب “للاتجار بالأسلحة والمخدرات، تصنيع المواد المخدرة، والسطو”؛ كما اتُهم بإطلاق النار على عناصر الجيش وخطف أشخاص لطلب الفدية.

أما محاميه، أشرف الموسوي، فقد أكد لوسائل الإعلام أن لديه ما يزيد عن ألف قضية قانونية ومئات الأحكام بالسجن المؤبد وأن غالبية الأحكام تتعلق بالمخدرات فقط دون جرائم السرقة أو الخطف.


من التوسع إلى الاعتقال

خلال الحرب في سوريا تحوّل الكبتاغون إلى مصدر تمويل أساسي للنظام السوري وعصابات التهريب، وتشير تقارير إلى أن سوريا أصبحت المنتج الأول عالميًا لهذه الحبوب، وتم تهريب مئات الملايين منها إلى الأردن والعراق والسعودية ودول الخليج الأخرى. واعتمد نظام الأسد، وفق وزارة الخزانة الأمريكية، على الكبتاغون لتأمين العملة الصعبة تحت مظلة الفرقة الرابعة وأفراد من عائلة الرئيس المخلوع بشار.

تصاعدت ضغوط دول الخليج بعد ضبط شحنات ضخمة مخبأة في الفواكه والخضار اللبنانية، ففي 2021 أوقفت السعودية واردات الفاكهة من لبنان بعدما اكتشفت حبوب كبتاغون داخل الشحنات، ومنذ ذلك الحين ربطت الرياض وأبوظبي أي تحسين للعلاقات بمعالجة التهريب. لهذا كثفت بيروت عمليات تفكيك مصانع المخدرات ومداهمة مخازنها، وكان اعتقال زعيتر جزءًا من هذه العملية الرامية لطمأنة الشركاء الخليجيين واستعادة الثقة الدولية.

يستند نجاح زعيتر إلى تداخل النفوذ العشائري مع ضعف الدولة، فالحدود بين لبنان وسورية في منطقة البقاع وعرة وسهلة الاختراق، ما يسهل تهريب المخدرات والأسلحة. كما تسيطر على المنطقة عشائر مسلحة تمتلك أسلحة ثقيلة وشبكات حماية اجتماعية، وغالبًا ما توفر غطاءً لعناصرها في مواجهة السلطات. صرح مسؤولون في الجيش أن زعيتر كان يحرك قوافل مسلحة ويستخدم مخازن تحت حماية عشيرته ومعارفه، ما جعل القبض عليه صعبًا حتى مع استخدام الطائرات المسيّرة.

بينما ينفي “حزب الله” رسميًا أي علاقة بتجارة المخدرات، ترى تقارير عدة أن أفرادًا من الحزب يوفرون الحماية لبعض مصانع الكبتاغون في البقاع مقابل عمولات أو دعم سياسي. كما أن النظام السوري المخلوع سمح لزعيتر وغيره باستخدام الأراضي السورية لزرع المخدرات وتصنيعها ثم تهريبها، مستفيدًا من ضعف الرقابة الدولية على الحدود. وتشير لوائح العقوبات الأمريكية إلى أن أفرادًا من عائلة الأسد وشبكة الفرقة الرابعة هم شركاء مباشرون في تجارة الكبتاغون.


ما التالي؟

يثير اعتقال نوح زعيتر مجموعة من الأسئلة حول مستقبل تجارة المخدرات في لبنان وسورية، ويرى محللون أن القبض على رأس الشبكة خطوة رمزية مهمة، لكنها لن تكون كافية إذا لم تتبعها خطوات لتفكيك بنية العصابات وتعزيز التعاون الحدودي.

فمع وجود شبكات بديلة وقيادات أخرى مستعدة لملء الفراغ، قد لا تتوقف التجارة بسهولة، كما أن عملية تسليم نفسه دون مقاومة تشير إلى احتمال إبرام صفقة أو وجود تفاهمات لم تُعلن بعد، خاصة مع كثرة القضايا المرفوعة ضده، ما يفتح الباب أمام مساومات سياسية أو عشائرية.

أخيرًا، يبقى مستقبل العلاقة بين “حزب الله” والدولة اللبنانية عنصرًا مؤثرًا؛ فإذا لم تتوقف الحماية الضمنية لشبكات التهريب، فقد يستمر النزف الاجتماعي والاقتصادي الذي تسببه تجارة المخدرات.