“مهمة المثقف أن يحافظ على الحقيقة من التلاشي”.. حوار مع الروائي عبد الله مكسور

في زمنٍ تتنازع فيه السرديات وتتآكل فيه الحقيقة بين الضجيج والنسيان، يصبح الصوت الأدبي القادر على لمس جوهر المأساة ضرورةً أكثر منه ترفًا. من بين هذه الأصوات يأتي الروائي والصحفي السوري عبد الله مكسور صاحب واحدة من أبرز التجارب السردية التي قاربت الوجع السوري بصدق، وكاتب أول رواية أدبية عن الثورة السورية: «أيام في بابا عمرو»، الرواية التي سجّلت اللحظة قبل أن تغرق في عتمة السنوات.
في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست” نذهب معه إلى البدايات الأولى في حماة، إلى تكوينه الإنساني والمهني، إلى ثلاثيته التي شكّلت إحدى أهم المقاربات الأدبية للوجع السوري، من بابا عمرو، إلى حلب، وصولًا إلى بحر «طريق الآلام» الذي أنهى عنده الحكاية وترك مصائر شخصياته معلّقة بين الحياة و المنفى.
كما نتوقف عند رؤيته لدور المثقف اليوم في مواجهة النسيان وضباب الخطاب، حديثٌ يلامس الحسّ والوعي معًا، ويقدّم للقارئ ما يتجاوز الرواية والصحافة، ليصل إلى المنطقة التي يلتقي فيها الإنسان بالحقيقة.
ما يقوله هنا يكمّل ما كتبَه في رواياته، ويضع القارئ أمام صورة أكثر اتساعًا لما عاشه السوريون وما مرّوا به من تحوّلات، حوار يكشف طبقات جديدة من تجربته، ويعيد ترتيب الأسئلة الجوهرية حول الذاكرة والعدالة ودور الكلمة.
ولدتَ في حماة، عملتَ صحفيًا وروائيًا، ثم مدرّبًا في السلامة المهنية للصحفيين وتغطية مناطق النزاع والاشتباك والتوتر، كما أنك مدرب في الكتابة الإبداعية، تنقلت خلال سنواتك بين أكثر من فضاء مهني وحياتي. كيف تشكّلت بداياتك الأولى مع الحكاية؟
ولدتُ في بلاد تحايل أهلها كثيرًا وطويلًا لنسيان الذاكرة، على مقربة من نهر العاصي المحمَّل بتيارات من الحكايات القديمة، كنتُ طفلًا أحاول أن أفهم لماذا يبدو كل شيء مُحمَّلًا بما لا يقال.
لم تكن الحكاية ترفًا في المحيط، بل طريقةً للبقاء، تعتمد أساليب خافتة للبوح، كأنها تخشى أن يسمعها أحد، بعد مجزرة حماه 1982، هناك، عند عتبة الجرح، تعلمت الأبجدية، الكلام والصمت، وبدأتُ ألتقط الحكاية كأنها ألواح رُقُمٍ يجب جمعها قبل أن تضيع.
لذلك كانت القراءة تُهرّب إليّ حياة ثانية، وهذا قادني إلى الصحافة، لم أكن أبحث عن مهنة، بل عن طريقة لفهم العالم الذي بدا دائمًا أكبر من أي قدرة على احتماله. ومع تحول الصحافة إلى تمرين يومي على رؤية البشر: الجراح الصغيرة، الخوف، النجاة، والكوابيس التي يمشون بها في الشوارع كأنها حقائب سفر، كان الطريق إلى المطار هو أقرب الطرق إلى المستقبل، وهنا لم تكن الصحافة وحدها كافية، كانت حادّة أكثر من اللازم، مباشرة أكثر من اللازم، بينما كنتُ أحتاج مساحةً أبطأ، أعمق، تتيح لي أن أستعيد ما فقدته بين المدن والمنافي والأحلام الكثيرة.
أعتقد في تلك اللحظة بدأ السرد: محاولة لإعادة تركيب العالم ببطء، لجمع كِسَر الخزف التي تسقط من أيدي البشر في لحظات الفوضى، فالرواية بالنسبة لي ليست مشروعًا أدبيًا فحسب، بل إعادة بناء نفسي ورؤيتي للعالم؛ هي المكان الذي أسمح فيه لكل التجارب التي خضتها أو عشتها على اختلاف مساراتها بكل شخصياتها أن تجلس معًا لتواصل الحكاية التي لم تكتمل بعد.
كتبت “أيام في بابا عمرو” التي تعد أول رواية أدبية تتناول أحداث في الثورة السورية، في وقت كانت فيه الأحداث متسارعة والكلمة محفوفة بالمخاطر، كيف تعاملت مع هذا التوتر بين الخوف والكتابة، وكيف نظرت إلى تصنيف الرواية كأول عمل روائي ثوري؟
حين بدأتُ كتابة «أيام في بابا عمرو» كنت أعرف أنني أقترب من منطقة تُشبه المشي فوق حبلٍ مشدود أعلى فراغ واسع، لم يكن الخوف شعورًا طارئًا بالنسبة للسوريين، بل كان جزءًا من النَفَس اليومي؛ الخوف من الكلمة، من الرقابة، من الخطأ، وككاتب كنت أرتعب من فكرة خيانة السرد أمام مأساة أكبر من القدرة على الاحتواء، ومع ذلك، كنت أشعر على نحو غامض يشبه الحدس أن الصمت سيكون خيانة أكبر.
لم أكتب الرواية بصفتي شاهدًا محايدًا، ولا باعتباري طرفًا في خطاب سياسي، بل كإنسان يعرف أن هناك حياة تُباد، وأن التفاصيل الصغيرة التي تضيع تحت ركام الخبر العاجل تستحق أن تُحفظ بطريقة لا تقدر عليها البيانات. كنت أكتب كما لو أن الكتابة محاولة لإيقاف الزمن بالنسبة لي، لوضع اليد على لحظة تريد السلطة وكل آلاتها محوها. كان التوتر بين الخوف والكتابة شيئًا يجب أن أتدرب عليه، وأتعلم كيف أستخدمه: الخوف يذكّرني بأن ما حدث حقيقي وقاسٍ، والكتابة حينها منحتني مسافة أمان كي أستطيع أن أرى، لا أن أنهار.
أما مسألة تصنيف الرواية كأول عمل روائي عن الثورة السورية فلم أتعامل معها كوسام أو إنجاز، بل كمسؤولية. لم أكتب من أجل أن أكون «الأول»، بل لأنني لم أستطع الصمت رغم المغامرة في ذلك. إذا كان العمل قد وُضع في هذا الموقع، فذلك يعود إلى لحظة تاريخية محددة، لحظة كانت الرواية فيها – ربما- قادرة على التقاط نبض الشارع قبل أن تتشظّى البلاد إلى خرائط من الدم.
لم يهمّني يومها التصنيف بقدر ما كان يهمّني ألا أخون التجربة الإنسانية للذين مرّوا في بابا عمرو وحمص وحماه وغيرها، بأصواتهم، بظلالهم، بخوفهم، وبقدرتهم على البقاء. كنت أعلم أن الرواية لن تغيّر مجرى الأحداث، لكنها قد تمنح القارئ – يومًا ما- نافذة يرى منها ما لم يكن قادرًا على رؤيته عند وقوع الحدث، وتمنح الذاكرة مساحة لتتنفّس بعيدًا عن الضجيج. بهذه الروح فقط، كتبت.

في “عائد إلى حلب”، عدتَ إلى واحدة من أكثر المدن السورية ألمًا، وكتبتَ وقائعها كما عاشها الناس تحت عنف النظام وحصاره.. كيف صغت هذا السرد القاسي عن حلب، وكيف استطعت أن تنقل صورة المدينة وتجربتها الإنسانية دون أن تفقد الرواية صوتها الأدبي وسط كل هذا العنف؟
في رواية «عائد إلى حلب» لم أكن أعود إلى مدينة فقط، بل إلى طبقة كثيفة من الوجع السوري، طبقة يصعب لمسها أو العبور منها دون أن يُصاب الرواي بشيءٍ من شظاياها. كنت أعرف أن حلب مدينة لا تُروى بسهولة؛ فهي ليست مجرد مساحة جغرافية، بل تاريخ حيّ من الأصوات، والسرديات التي تنام على خوفها، والناس الذين صاروا يخرجون كل صباح حينها وهم غير متأكدين إن كانوا سيعودون ليلًا.
كتبتُ عنها عبر أبواب الغرائبية وأنا أحمل قناعة واحدة: أن السرد يجب أن ينحني أمام التجربة الإنسانية، لا العكس. لذلك لم أحاول صناعة خطاب عن المشهد في الشمال السوري ارتكازًا إلى نقطة حلب. تعمّدت في لحظات بناء النص أن أقترب من التفاصيل التي تبدو صغيرة لكنها تحمل جوهر ما حدث. السرد القاسي لم يكن قرارًا جماليًا؛ كان ضرورة، فالعنف لم يكن خلفية للأحداث، بل كان هو الحدث ذاته، وكل ما حوله يدور في فلكه.
ولكي لا تفقد الرواية صوتها الأدبي، كان عليّ أن أكتب بميزان دقيق: أن أسمح للألم أن يُقال، لكن دون أن يتحوّل النص إلى تقرير أو بيان، كنت أبحث عن إيقاع، عن لغة تستطيع أن تحمل الخراب دون أن تُصبح هي ذاتها خرابًا، كنت أكتب كمن يمشي في شارع مُدمّر لكنه ما زال يرفع رأسه ليرى شجرة نجت من القصف.
هذه المسافة بين القسوة والإنسانية هي التي صنعت نبرة النص السردي، وهذا لم ينعكس فقط على مسارات الحكاية أو بنيتها بل امتد وانعكس –بتقديري- في البنية النفسية للشخصيات التي قدمتُها.

إلى أي مدى كان الوصول إلى رحلة الخروج عبر البحر في رواية ” طريق الآلام” نتيجة طبيعية لمسار الثلاثية نفسه؟ وما الاعتبار الذي جعلك ترى أن هذه اللحظة بالذات هي النقطة المناسبة لإنهاء الحكاية؟
حين وصلتُ في الكتابة إلى «طريق الآلام» لم يكن البحر خيارًا طارئًا ولا نهاية مُختلَقة من خارج المسار؛ كان امتدادًا طبيعيًا، بل حتميًا، لما بدأته في «أيام في بابا عمرو» و«عائد إلى حلب». الثلاثية كلّها تحركت على خطّ واحد: كيف تُدفَع الحياة السورية، شيئًا فشيئًا، من البيت إلى الساحات، من الساحة إلى الخندق، ومن المدينة إلى المنفى، ومن اللغة إلى الصمت. لهذا كان البحر، في هذا السياق، هو النقطة التي يتقاطع عندها كل خراب.
كنت أرى الشخصيات – حتى حين لا تقول ذلك- تتحرّك نحو البحر كمن يتحرّك نحو آخر احتمالات البقاء، فبعد أن صار الحيّ ركامًا، والمدينة حصارًا، والحياة تمرينًا صعبًا على الحياة، والوطن مقبرةً مفتوحة؛ لم يبقَ أمام أبطال الحكاية في تلك اللحظة سوى الموج الغامض الذي لا يعِد بشيء سوى الاحتمال. البحر هنا ليس “مكانًا”، بل نتيجة: نتيجة لسنوات من الطرد، والخوف، والمطاردة، وانهيار معنى الحياة اليومية. لذلك بدا لي الوصول إليه خطوة طبيعية، تتويجًا لمسارٍ طويل من الفقد، لا قرارًا روائيًا يهدف إلى الإثارة.
أما السؤال عن لماذا اخترتُ هذه اللحظة بالذات لنهاية الحكاية، فجوابه أن البحر كان الحدّ الأخير الذي يمكن أن أقف عنده دون أن أختلق ما بعده. ما وراءه ليس سردًا، بل مجهول مفتوح، والكتابة التي تحترم نفسها تعرف متى تتوقف. شعرت أن القفز فوق الموجة الأولى سيُدخلني في منطقة لم تعد ملكي؛ منطقة تتبع للقارئ وللأقدار، لا للروائي. أردت للمشروع أن ينتهي عند لحظة القرار، لحظة العبور نفسها: تلك اللحظة التي يضع فيها الإنسان كل حياته في قارب صغير، ويترك ظهره للقارة التي كانت يومًا وطنه.
إنهاء الحكاية عند البحر لم يكن نهايةً بقدر ما كان مرآة: مرآة لرحلة جيل كامل خرج من النار ليقف على حافة العالم، لا يدرك إن كان سيغرق أم سيصل. في تلك اللحظة، كانت الثلاثية قد قالت كل ما تستطيع قوله، وما تبقى يجب أن يُترك للصمت والموج. لهذا بدأ نص “طريق الآلام” بعبارة : “إن جميع شخصيات هذا العمل من روح ودم، يعيشون مصائرهم اليوم في مناطق مختلفة من العالم”.

ماذا أخذت منك كتابة الوجع السوري؟ وهل كان السرد بالنسبة لك طريقًا للنجاة، أم أنه أعادك في كل مرة إلى الوجع الذي حاولت الابتعاد عنه؟
لقد عشت الوجع السوري مثل الملايين بكل طبقاته، هذا ليس مجازًا، عشته واختبرت تفاصيله من لحم وعظم، لهذا أخذت مني الكتابة عنه أكثر مما كنتُ أدرك لحظة الكتابة. لم تكن مجرّد صفحات تُنجز ثم تُطوى، بل كانت اقتطاعًا من الروح، من الذاكرة، ومن طبقةٍ عميقة من الخوف الذي ظننتُ بسذاجة أنه يمكن أن يُنسى يُترك خلف الباب. كلُّ مرة كنتُ أعود فيها إلى النص، كنت أعود في الحقيقة إلى الأماكن نفسها التي حاولتُ الهرب منها: الأزقّة، الحارات، الأصوات، الرائحة التي لا تخطئها الذاكرة، وملامح الوجوه التي لم يعد لها وجود سوى في السرد.
لكن المفارقة أن الكتابة، رغم قسوتها، لم تكن عقابًا وفي ذات الوقت لم تكن علاجًا، كانت ضرورة. لأن الوجع الذي لا نكتبه يتحوّل إلى شيء أعمى، يطاردك بلا شكل ولا ملامح. الكتابة أعطتني طريقة لإعادة ترتيب الخراب بشكل داخلي، لمنحه لغةً تُخفّف من وحشيته. ومع ذلك، لم تكن طريقًا واضح المعالم إلى النجاة بقدر ما كانت طريقًا إلى الاعتراف: الاعتراف بأنني، مثل كثيرين، أحمل بداخلي بلادًا كاملة على شكل مقبرة جماعية فيها جثث تنزف ولا تموت، وأن السرد هو الطريقة الوحيدة كي أظلّ قادرًا على العيش معها دون أن يبتلعني صمتها.
كل رواية كانت تُعيدني إلى المكان ذاته، نعم، لكنها كانت تعيدني إليه من زاوية مختلفة؛ كأنني أُمسِك بالجمر ولكن بقفّاز أسمك قليلًا في كل مرة، الوجع لا يخفّ، لكنه يصبح قابلًا لأن يُروى، وهذا كان يكفي كي أنجو يومًا إضافيًا من المقتلة المفتوحة على كل الاتجاهات.
ربما أخذت مني الكتابة الكثير، لكنها أيضًا أعادت إليّ شيئًا مهمًا: القدرة على أن أرى السوريين لا بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم بشرًا ظلّوا يتمسّكون بالحياة رغم كل شيء. هذا المعنى وحده يستحقّ ثمن الوجع، ويمنح السرد قيمةً تتجاوز الأدب: قيمة أن تقول ما لا يجب أن يُنسى، وأن تمنح الذاكرة فرصة لتتنفّس بدل أن تختنق.
بعد هذه الثلاثية التي كتبتَها في قلب الجرح السوري، تغيّر المشهد اليوم، عاد كثيرون إلى بيوتهم، وانقلبت الأدوار، وصار من دمّرهم بالأمس هو الهارب اليوم. هل ترى أن هذه التحولات تفتح أمامك أفقًا لكتاب يكمّل الثلاثية، كتابٍ يكتب لحظة الانتصار كما كتبت لحظة الألم؟
السؤال اليوم لا يتعلق بكتابة “الانتصار” بقدر ما يتعلق بقدرتنا على تسمية ما يحدث حقًّا، التحولات التي شهدتها سوريا تُعيد طرح السؤال الأساسي: هل انتهت الحكاية، أم أننا فقط دخلنا فصلًا جديدًا منها؟ أعرف أن كثيرين يتوقعون من الكاتب أن يُقدّم “تكملة”، أن ينتقل من الجرح إلى الشفاء، من الانكسار إلى الفرح، لكن الحقيقة أن الأدب لا يعمل بهذه الطريقة.
الأدب لا يكتب الأحداث فقط، بل يكتب معناها، وأنا لا أنكر أن ما يجري اليوم يفتح بابًا جديدًا، بابًا مختلفًا تمامًا عمّا تناولته الثلاثية. نحن أمام ظاهرة مُدهشة في علم الجماعات والذاكرة: الجلاد الهارب، والضحية الراجعة إلى بيتٍ لم يعد هو البيت، هذه التبدّلات تخلق طبقة جديدة من الأسئلة، أسئلة لم نواجهها من قبل: كيف يعود إنسان إلى مدينة تغيرت ملامحها؟ كيف يسكن بيتًا خرج منه تحت التهديد؟ وكيف يرى الظالم نفسه حين يصبح هو المطارد؟
هذه ليست نهاية الحكاية، بل بداية حكاية أخرى، ولذلك، نعم، ثمة أفق مفتوح دائم لكتابة نص يقف على التخوم بين الذاكرة والعدالة، بين العودة والاستحالة، بين القديم الذي مات والجديد الذي لم يولد بعد بتقديري.

من موقعك كروائي وصحفي عاش التجربة وكتبها، ما المهمة الأخلاقية والمعرفية الأولى للمثقف السوري اليوم؟
أعتقد أن المهمة الأولى للمثقف السوري اليوم يمكن تلخيصها في جملة واحدة: أن يحافظ على الحقيقة من التلاشي، لكن هذه الجملة البسيطة تُخفي خلفها طبقات معقّدة من الواجب والاختبار.
فالمشهد السوري اليوم ليس مجرد سردية واحدة تتصارع مع أخرى، بل شبكة كثيفة من روايات متكسّرة، ذواكر متنافسة، ومصالح تحاول فرض تفسير واحد للتاريخ. هنا يصبح دور المثقف سواء كان روائيًا، صحفيًا، باحثًا، أو مؤرخًا، محوريًا في ثلاثة اتجاهات أساسية:
أولها يبدأ من مقاومة محو الذاكرة، فليست وظيفة المثقف أن يجامل اللحظة أو أن يعيد صياغة الماضي بما يناسب السلطة، أيًّا كان شكلها، وظيفته أن يحمي الوقائع والسردية الجمعية، أن يحفظ أصوات الضحايا بلا تنميق، وأن يقاوم تحويل المأساة إلى مادة للصفقات أو للتسويات السريعة. الذاكرة السورية اليوم مهدَّدة بالتزييف وبالإغراق في النسيان، والمثقف في موقعه يقف اليوم على خط الدفاع الأول.
وثانيها يكمن في إنتاج معرفة تُنقذ المعنى، فلا تكفي الإدانة الأخلاقية وحدها، ولا يكفي الغضب، ما نحتاجه هو معرفة دقيقة، متماسكة، حرة التفكير، تُعيد قراءة السنوات الماضية بعيدًا عن الدعاية السياسية، وبعيدًا أيضًا عن المظلومية المجردة، المثقف مطالب بأن يقدّم فهمًا أكثر عمقًا لآليات العنف، للتمزّق الاجتماعي، ولإعادة تشكيل الهوية.
وثالث المسارات يظهر في العمل على استعادة الإنسان في قلب الحكاية، لأنَّ السياسة تُشيّئ البشر، الحرب تجعلهم أرقامًا، وعلى المثقف إعادة الإنسان إلى الواجهة: خوفه، هشاشته، مقاومته، قدرته على النجاة، وحقه في الكرامة، من دون هذه الاستعادة يتحوّل كل جهد ثقافي إلى مجرد خطاب بلا جوهر.
ما ملامح الخطاب الثقافي الجامع الذي يمكن أن يخاطب السوري في الداخل وفي المنفى معًا، دون إنكار اختلاف التجارب وتباين المواقع؟
إذا أردنا خطابًا ثقافيًا قادرًا على مخاطبة السوري في الداخل والمنفى معًا، فعلينا أولًا أن نتخلّى عن وهم أن هناك تجربة واحدة أو شعورًا واحدًا يجمع الجميع، السوريون اليوم يعيشون جغرافيات مختلفة، ومرارات مختلفة، وطرائق متباينة للنجاة. ومع ذلك، ثمة خيطٌ قادر – لو أحسنّا الإمساك به- أن يصنع لغة مشتركة دون أن يُلغي الفروق. هذا الخيط هو الاعتراف: الاعتراف بأن التجارب متمايزة، وأن الألم ليس واحدًا، وأن أحدًا – حتى اللحظة- لا يملك تفويضًا ليمثّل الجميع.
من هذا الاعتراف تبدأ ملامح خطابٍ ثقافي جامع يمكن التأسيس له وفق ثلاث ركائز:
– خطابٌ يعترف بالتعدد بدل أن يفرض رواية واحدة، فالسوري في الداخل يعيش شروطًا معيشية وأمنية ونفسية مختلفة جذريًا عن الذي كبر في المنفى. الأول محاصرٌ بتفاصيل الحياة اليومية، والثاني محاصرٌ بأسئلة الذاكرة والانتماء. الخطاب الذي يحترم الاثنين معًا هو ذلك الذي لا يختزل أحدهما في الآخر، بل يفتح مساحة تسمح لكل صوت بأن يُسمَع دون وصاية أو اتهام.
خطاب يعيد تعريف “الانتماء”، فالوطن لم يعد مكانًا ثابتًا، بل شبكة من الروابط: لغة، ذاكرة، جرح مشترك، وحق في العدالة. الخطاب الجامع يجب أن يحرّر الانتماء من الجغرافيا، وأن يعيد توجيهه نحو قيمٍ مشتركة: الكرامة، الحرية، الحق في الحياة، ورفض تحويل السوري إلى مادة في سرديات الآخرين. هذه القيم يمكن أن يتشاركها من عاش قرب خطّ النار، ومن عاش على بعد قارات.
خطاب يضع الإنسان -لا السلطة ولا الإيديولوجيا- في مركز المعادلة، فحين يكون الإنسان هو البوصلة، يصبح الحديث عن ظروف مختلفة للمعاناة، لا عن معسكرات متخاصمة، ويصبح السؤال: كيف نعيد للإنسان السوري قدرته على الكلام والحلم؟ كيف نستعيد ثقافة تُنصت له، لا تُملي عليه؟
وبهذا فإن الخطاب الجامع، في جوهره، ليس خطابًا يذيب الاختلاف، بل خطابٌ يجعل الاختلاف جزءًا من الهوية، خطابٌ يقول للسوري أينما كان: مكانك مختلف لكن كرامتك واحدة، وحقك في الحكاية واحد، ومستقبلنا لا يُبنى إلّا بشراكتك.